الاثنين، 21 سبتمبر 2026

اوهام نيويورك ورهان الارض

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                          ​تتجه الأنظار مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نحو أروقة الدبلوماسية الدولية، حيث تسجل أطراف الصراع حضوراً مكثفاً. ورغم ضخامة هذا التواجد وارتفاع سقف التوقعات لدى البعض، إلا أن الواقع السياسي والبروتوكولي لهذه المحافل يؤكد أن الأمل في إحداث اختراق حقيقي أو تسوية سريعة لإنقفاذ السودان يظل ضعيفاً للغاية. فالعواصم الكبرى ومنظماتها الأممية تتحرك وفق مصالح متشابكة وحسابات جيوسياسية معقدة، مما يجعل التعويل على "الضمير الدولي" مجرد انتظار لسراب لن يغني عن جياع الوطن شيئاً.

​الملف الإنساني.. رهينة الأجندات الضيقة

                        ​إن القضية الأكثر إلحاحاً اليوم هي المسألة الإنسانية؛ فالمجاعة باتت تضرب بعمق حتى المدن التي كانت مستقرة، والمسيّرات لم تترك ملاذاً آمناً بعيداً عن أتون المعاناة التي تكتوي بها كافة مناطق البلاد. ومع الأسف، فإن هذه المأساة الإنسانية تخضع لمعايير مسيسة وأجندات ضيقة، حيث يُترك المواطن البريء رهينة في أيدي أطراف الصراع وقوى إقليمية ودولية توظف رغيف الخبز والدواء كأداة ضغط وتركيع. لقد بان جلياً أن العجز الدولي المفتعل في إيصال الإغاثة وفتح الممرات الآمنة يعكس إرادة غائبة وتواطؤاً غير معلن، مدفوعاً بإنفاق مالي وسياسي ضخم من أطراف تسعى لتصفية حسابات ومشاريع مدمرة على أنقاض الوطن.

​الأرض هي الملاذ: نزرع لنأكل

​                       في ظل هذا الانسداد السياسي والعجز الإنساني المتعمد، يصبح الرهان على الخارج خطيئة كبرى. إن قضية الشعب السوداني الأولى والملحة الآن هي إسقاط أوهام الحلول المستوردة، والتوجه بكلياتهم نحو الأرض؛ استصلاحاً، وزراعةً، وإنتاجاً، ولو بأبسط الأدوات البدائية المتاحة.

                       ​إن العودة الشاملة إلى الإنتاج الزراعي المحلي هي السلاح الأقوى لالحاق الهزيمة بنكبة الجوع المتفاقمة، وتحطيم مخططات من أرادوا تركيع هذا الشعب عبر تجويعه. حين نزرع أرضنا بأيدينا، فإننا ننتزع لقمة عيشنا من بين أنياب الحصار، ونكسر أداة الابتزاز التي يستخدمها أعداء السودان في الداخل والخارج.

                        ​إنها معركة بقاء واستقلال، والوعي بها هو أول خطوة نحو الانتصار. فليكن شعارنا اليوم وكل يوم: "نزرع لنأكل.. فنحيا أحراراً على ترابنا الطهور".

الأحد، 20 سبتمبر 2026

مفارقات الردع واوهام الحماية

 

مفارقات الردع وأوهام الحماية: كيف تعيد حرب الطاقة هندسة تحالفات المنطقة؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

​1. المفارقة الحوثية: عندما تنتج الشعارات عكس غاياتها

                          ​تتجلى أولى ملامح الغرابة في المشهد الإقليمي في طبيعة الأثر الاستراتيجي للهجمات الحوثية؛ فالجماعة التي ترفع شعارات العداء المطلق لإسرائيل ومناهضة مشاريع التطبيع، تمارس ضغطاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً على البنية التحتية الحيوية في المملكة. هذا الضغط —الذي طال منشآت ينبع وأنابيب نقل النفط البديلة— لا يكسر الإرادة السياسية للرياض بقدر ما يُسرّع حاجتها الماسة لبناء مظلة ردع أمنية إقليمية شاملة. ومن المفارقات الساخرة أن هذا التصعيد المسلح، بدلاً من أن يبعد السعودية عن خيارات التسوية، يتحول إلى المحفز الأكبر لدفعها نحو الانخراط في مسارات إعادة ترتيب المشهد الإقليمي والالتحاق بقافلة  التطبيع لحماية أمنها القومي واقتصادها من حرب استنزاف بلا هوادة.

​2. الصمت الدولي وابتزاز الطاقة: أزمة أنابيب "ينبع" ومضيق هرمز

​                         في مقابل هذا التصعيد، يبرز موقف دولي مريب وصمت مطبق تجاه التهديد المباشر لشرايين الطاقة العالمية. إن استهداف المحاور البديلة التي عُولت لتجاوز خطر الاختناقات البحرية في مضيق هرمز يعرض الاقتصاد العالمي لهزات عنيفة. ورغم ذلك، تكتفي القوى الكبرى —وعلى رأسها الولايات المتحدة— بالغموض الاستراتيجي وحسابات التكلفة الضيقة، مما يرسخ قناعة لدى عواصم القرار في المنطقة بأن الاعتماد على المظلة الغربية بات مغامرة مكلفة، وبأن أمن إمدادات الطاقة بات رهينة لبيئة إقليمية بالغة السيولة والاضطراب.

​3. أسواق الطاقة في مهب الريح: ثمن الهدوء الغائب

                       ​لا يمكن فصل هذه التهديدات عن تداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية؛ فالتأثير على منشآت بحجم ما يملكه الاقتصاد السعودي لا يقتصر على حدود الإيرادات المحلية للمملكة، بل يبعث برسائل هلع لأسواق النفط والمال العالمية. إن انقطاع هذه الإمدادات أو تعطلها يهدد بإشعال أسعار الطاقة عالمياً، مما يضع الحكومات الغربية أمام مأزق حقيقي، يكشف تناقض سياساتها التي تكتفي بالمراقبة بينما تتقوض الاستقرار الاقتصادي الدولي على وقع الصواريخ والطائرات المسيرة.

​4. اختبار الحلف السعودي-التركي-الباكستاني: حدود المناورة والاستقلال

​                          في ظل هذا الفراغ الأمني، يطفو على السطح التفكير في بدائل استراتيجية ومحاور إقليمية جديدة، كاختبار لتماسك حلف ثلاثي يجمع السعودية، تركيا، وپاكستان (بما يملكه من مقومات مالية، وتقنية عسكرية، وعمق استراتيجي). لكن هذا الخيار يصطدم ببديهيات صلبة تحد من مداه؛ فتركيا تظل محكومة التزاماتها الأطلسية ومصالحها الغربية، بينما تعاني پاكستان من هشاشة اقتصادية وارتهان لمؤسسات التمويل الدولية وضغوط واشنطن. وعليه، يظل هذا المحور أداة ضغط وتنوع مهمة للرياض، لا قطيعة جذرية مع المدار الأمريكي، بل مناورة ضمن سقفه المسموح به.

​الخاتمة

                       ​بين مركزية قابضة في إدارة الجبهة الداخلية، واضطرابات عاصفة تحاصر شرايين الطاقة إقليمياً، تقف المملكة أمام مفترق طرق تاريخي. إن الهجمات الجارية لا تعيد رسم خريطة التحالفات والترتيبات السياسية فحسب، بل تختبر أيضاً قدرة الدولة على هندسة استجابات هيكلية تحمي استقرارها الاقتصادي وتماسكها الداخلي في مواجهة عواصف لا ترحم المترددين.

السبت، 12 سبتمبر 2026

اليوم العالمي للقانون

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                   غدا يحتفل العالم باليوم العالمي للقانون، وتأتي هذه الذكرى ومعظم شعوب العالم قد عانت الكثير من مجتمعاتها من مظالم عجزت مؤسسات الحقوق من انصافها. 

                       إن استقبال هذه الذكرى يجب ألا يكون وقفة حداد على ما فات، بل إعلان تمسك واثق بحق الإنسان في العيش بكرامة وعدالة. إنها دعوة لتجاوز لغة اليأس والقصور، وتذكير بأن القانون لم يُخلق ليكون سوطاً بيد المنتهكين الكبار، بل وُلِد أداةً لحماية الضعفاء وصون الحقوق الأساسية.

​                           وحين تتداعى الهياكل التقليدية وتتآكل هيبة المنظومات، تبقى شعلة العدالة مضيئة بوعي المجتمعات الحية، وبشجاعة أولئك الأفراد الشرفاء الذين يرفضون التنازل عن المبادئ، وبما تبتكره العقول من أدوات ومساحات جديدة ترفض الانكسار وتصر على انتزاع الإنصاف، لتبقى روح الحق سيدة ومتبوعة مهما اشتدت عواصف الباطل.

مسعد بولس؛ حصاد الجمود

                      ​دبلوماسية الدوران في المكان: مسعد بولس وحصيلة الجمود الدولي على ضفاف البحر الأحمر.

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني

                       أعاد مجلس الأمن يوم أمس إنتاج قراره القديم بحذافيره، وكأن شيئاً لم يكن على مدى أشهر من التحولات العميقة التي شهدتها الأزمة السودانية. فبينما عبرت الحرب القائمة عن مراحل متسارعة من التمدد وتغير مواقع الأطراف وتبدل تحالفاتها ومواقفها، جاء القرار المجدد ليعكس حالة من الجمود التام وغياب استيعاب الواقع الميداني الجديد.

​                     هذا المخاض الدبلوماسي العقيم يضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى من الحراك الأمريكي المكثف الذي قاده المبعوث مسعد بولس خلال تلك الفترة؛ إذ تبدو النتيجة المخيبة للامال وكأنها دوران في فلك نقطة البداية، فما الذي كان يفعله الرجل حقاً بينما كانت الخارجية الأمريكية تخرج بحصاد هذا النص المكرر؟

​                        في المقابل، تتسع دائرة الاستقطاب في الحرب السودانية باطراد، لتتجاوز الحدود المحلية وتشق طريقها نحو أفق أوسع على طول ساحل البحر الأحمر. وفي هذا الحيز الاستراتيجي الحساس، يبدو أن الحضور الروسي قد حجز مقعده المتقدم برضا وتفاهمات صامتة أو معلنة بين ثلاث دول رئيسية: السعودية، ومصر، والسودان المستضيف. هكذا، يبدو أن المجتمع الدولي يكتفي بتكرار القرارات الورقية، بينما تُعاد هندسة الخرائط والنفوذ على الأرض وفي مياه البحر الأحمر بهدوء وتوازنات جديدة.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الموتى الاحياء

 قراءة في قولة محمود درويش: "تنسى كأنما لم تكن"

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع ميتا 


أولاً: صدمة العبارة  

لم يقل درويش "ستموت". قال "تُنسى". فالموت الحقيقي عنده ليس توقف القلب، بل هو أن يصبح الاسم بلا صدى، وأن يمرّ الزمن فلا يلتفت أحد.  

إنها قسوة ناعمة، لأن القاضي هنا هو الزمن وحده. لا محكمة، ولا حداد، هناك فقط نسيان.


ثانياً: "كأنما لم تكن"  

وهنا يكمن الوجع الأكبر. ليست "كأنك متّ" بل "كأنك لم تبدأ أصلاً".  

كل الضحكات، وكل جلسات الشاي مع الأصدقاء، وكل الهوامش التي خططناها في الكتب، وكل الأحاديث التي دارت في جوف الليل... كل ذلك يتبخر.  

فتتساءل النفس: إذن، لماذا كنا هنا؟


ثالثاً: المخرج: أن يكون للمرء إسهام  

وهنا تتحول الجملة من حكم إلى دعوة. دعوة لأن نترك أثراً. 

ولا يشترط أن يكون الأثر شهرة عالمية أو اسماً في كتب التاريخ.

كان درويش يدرك أن "الذاكرة الصغيرة" هي التي تنقذنا من الفناء.  

قد يكون الإسهام معلماً أثّر في ثلاثين طالباً.  

أو من غرس شجرة في شارع. صار ظلها ملتقى للاحباء َ

أو من كتب رسالة منعت أحدهم من اليأس وانتقلت به إلى ازمنة ملأي بالفرح َ

أو قصة تُحكى للأبناء فتبقى.


هذا الإسهام هو الباب الذي يتعثر عنده النسيان قليلاً، فيقول: "مهلاً، لقد كان هنا إنسان".


الخاتمة: سؤال مفتوح  

فهل الشهرة وحدها هي الضمانة ضد النسيان؟  

أم أن البقاء في قلوب خمسة أشخاص أصدق وأبقى من أن تكون حديث الناس لأسبوع؟

ام ان ما قاله اديبنا العالمي الطيب صالح انك اذا خرجت من هذه الدنيا بمحبة شخص واحد تكفى شفيعة لك يوم القيامة. 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

حلايب وخرائط الأمم المتحدة

  حلايب وخرائط الأمم المتحدة.. وعي الضرورة في مواجهة فخ الأجندات الجانبية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                     ​لا تكف الدوائر المغرضة وورش التخطيط الممتدة عن محاولات صناعة الأزمات واختلاق الفتن في مفاصل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر. وفي كل مرحلة تمر بها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر محاولات رخيصة لاستثمار التفاصيل التقنية والفنية البحتة لصب الزيت على النار، وكأن المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيه، ليأتي من يحاول جر الرأي العام نحو معارك وهمية تشعل الخلافات الجانبية.

                         ​إن الحديث المتجدد عن ظهور مثلث حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية على بعض الخرائط الحديثة للأمم المتحدة لا يعدو في حقيقته كونها إجراءً فنيًّا بحتًا يتعلق بالمعايير الجغرافية وتحديث الإسقاطات المكانية وعلم الخرائط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال قراراً سياسياً أو حكماً قضائياً دولياً ينهي نزاعاً حدودياً معلقاً. فشعبة الخرائط الدولية تتعامل مع الإدارات الفعلية القائمة على الأرض وتوثق الخطوط الإدارية التقليدية، تماماً كما تظل الشكاوى والمذكرات السودانية الدورية التي تحفظ الحق التاريخي مسجلة في أروقة الأمم المتحدة كحق أصيل لا يتبدد بالتقادم.

                       ​لكن الخطير في الأمر ليس الجانب التقني البحت، بل هو محاولة توظيف هذه القضية من قبل بعض الدوائر لتحويلها إلى "فخ شعبي" ونفخ النار في الرماد لضرب أطناب الثقة بين الخرطوم والقاهرة. إن الوعي الجمعي يقتضي منا اليوم أن ندرك بدقة طبيعة المرحلة ومآلاتها. فمصر لم تكن يومًا إلا عمقاً استراتيجياً وسنداً حقيقياً للشعب السوداني ومؤسساته في محنته الراهنة، مستضيفةً الملايين من أبنائه بحرارة وكرامة، وواقفةً بقوة في المحافل الدولية والإقليمية لدعم سيادة السودان وسلامة أراضيه.

                     ​إن محاولة المزايدة على المواقف الوطنية أو افتعال أزمة دبلوماسية أو شعبية حول تفصيل خرائطي في هذا التوقيت بالذات، هي خدمة مجانية لأعداء الاستقرار. إن الأولويات الوطنية العليا اليوم واضحة جلية، وتتلخص في استعادة الأمن، دحر التمرد، الحفاظ على كيان الدولة، وتجاوز الكارثة الإنسانية الكبرى التي تكالبت على السودان.

​                    أما الحقوق التاريخية والسيادية، فدونهَا المؤسسات الدبلوماسية التي تعرف كيف تدير ملفاتها بمسؤولية وثبات تحفظ الحقوق دون أن تنجر خلف أجندات العبث والوقيعة. إن وعينا بهذه المؤامرات الصغيرة هو السور المنيع الذي سيسقط في محاربته كل فخاخ الفرقة، لتبقى أواصر الإخوة والدم والمصير المشترك أقوى من كل خطوط على ورق.

الاثنين، 31 أغسطس 2026

السودان؛ لعنة الجغرافيا واطماع التاريخ

 السودان: لعنة الجغرافيا وأطماع التاريخ.. قراءة في خارطة التهديدات الاستراتيجية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​تاريخ البحر الأحمر وحلايب ليس فصلاً طارئاً في الجيوسياسية المعاصرة، بل هو امتداد لصراع المصالح الكبرى وطرق التجارة العابرة للقارات منذ أقدم العصور. إن الموقع الفريد للسودان — الذي يمتد من خاصرته الشرقية عبر سواحله الاستراتيجية إلى عمقه الإفريقي — يتحول في أوقات تآكل المركز إلى مسرح لأطماع تاريخية متجددة، تجسدها اليوم شبكة معقدة من التهديدات المطبقة على حدود البلاد من كل المحاور.

​جغرافية الأطماع الممتدة من الفراعنة إلى العهد السليماني

                  تشير الشواهد التاريخية من العصور الفرعونية، مروراً بالتاريخ الإثيوبي وصولاً إلى التراث العبري والآيات القرآنية، أن هذه البقعة الحيوية الممتدة من  حلايب وشلاتين ظلت دائماً محط أنظار الإمبراطوريات الطامحة. تشير الروايات التاريخية والمصادر العتيقة إلى أن الملك سليمان عليه السلام سعى لإنشاء ميناء في منطقة حلايب لربط التجارة الإفريقية والآسيوية بالمحيط الهندي، في محاولة مبكرة للسيطرة على عصب التجارة العالمية. هذا الطموح التاريخي يفسر بوضوح لماذا يظل ساحل البحر الأحمر أفضل حاضنة آمنة للموانئ عبر التاريخ، ولماذا يعود صراع النفوذ ليشتعل ضراوة كلما صعدت قوة إقليمية أو دولية ذات أطماع تجارية وعسكرية عابرة للقارات، عاكساً حقيقة أن الصراع ليس مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هو معركة وجودية حول التحكم في بوابة التاريخ والجغرافيا.

​الطوق الجيوسياسي المطبق على السودان

                       لا تنفصل أزمة الداخل السوداني واقتصاد الحرب المشتعل عن هذا الحصار الجيوسياسي المتعدد المحاور. فعلى الحدود الشرقية، تظل الامتدادات المسرحية للحروب والتوترات نافذة لتداخل المصالح الإقليمية. وفي الغرب، تتشابك فوضى دارفور مع أزمات الساحل الإفريقي وإفرازات الصراع في النيجر ومالي، لتتحول الحدود الرخوة إلى شرايين تغذيها شبكات التهريب وتجارة السلاح والمرتزقة. أما في الجنوب المنفصل، فقد باتت الحدود الملتهبة مصدراً لانطلاق العصابات وشبكات الجريمة العابرة للحدود. يضاف إلى ذلك تقاطعات اللاعبين الدوليين، عبر بوابات الساحل، بينما تقف إثيوبيا مكبلة بأزماتها وبقيود ميدانها العسكري وارتباطاته الإقليمية التي جعلت موقفها من السودان متارجحا بين الحياد والعداء. 

​هذا التشابك العضوي بين اقتصاد الحرب، وأطماع الموانئ على البحر الأحمر، والصراعات الإقليمية الممتدة، يؤكد أن أي تسوية محلية قاصرة لن تقي السودان خطر التفكك. إن حماية الدولة الوطنية تبدأ حتماً بإدراك أن الجغرافيا السودانية هي حلقة الوصل الكبرى في صراع النفوذ العالمي، مما يفرض إعادة بناء استراتيجية وطنية تدرك خطورة هذه التهديدات المشتعلة على سيادة البلاد وبنيتها الداخلية برمتها.

الخميس، 27 أغسطس 2026

شبح التقسيم واوهام الحلول الجذرية

 

شبح التقسيم وأوهام الحلول الجذرية: قراءة هادئة في مآلات الحرب الطويلة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

​حين تطيل الحرب أمدها وتتداخل خيوط الأزمة، تتسلل فكرة "التقسيم" رويداً رويداً إلى واجهة النقاشات، لتتحول من مجرد "هواجس نخبويّة" إلى كابوس حقيقي يفرض نفسه على وجدان الداخل السوداني. ومع أن قراءة الحراكات الدبلوماسية والميدانية الراهنة لا تلوح في أفقها القريب أي فرصة حقيقية أو مؤشر قريب لوقف الحرب، تتصاعد المخاوف القديمة من أن تتحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع جغرافي دائم، وأن يصبح التشظي هو المخرج الوحيد لانسداد الأفق.

​ولكن، هل يمثل التقسيم حقاً "حلاً حاسماً" لإنهاء المأساة، أم أنه مجرد وخزة وهمية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر دموية؟

​أولاً: لماذا يتجدد الحديث عن التقسيم الآن؟

  1. ​استنزاف الميدان وحالة الاستعصاء العسكري: غياب القدرة الحاسمة لأي من طرفي القتال على حسم المعركة نهائياً، بالتزامن مع ترسخ سيطرة ميدانية لكل طرف على مناطق جغرافية محددة، يغذي قراءة أن السودان بات واقعياً "كيانات أمر واقع".
  2. ​فشل المظلات الجامعة: تعثر مسارات التفاوض، وتراجع فعالية المبادرات الإقليمية والدولية، وتعارض الأجندات الخارجية، كلها عوامل تعزز الشعور بأن استعادة "السودان القديم" بصيغته المركزية باتت مهمة مستحيلة.
  3. ​التوظيف السياسي للضغط: تلوح بعض الدوائر الخارجية أحياناً بملف التقسيم أو الفيدرالية الرخوة كأداة ضغط غير مباشرة لإجبار الأطراف على الجلوس للتسوية، تحت شعار: "إما الحل السياسي الشامل، أو التشظي".

​ثانياً: لماذا يُعد "التقسيم" كارثة وليست حلاً حاسماً؟

​على عكس ما يروّجه البعض من أنه مخرج ينهي نزيف الدماء، فإن تفكيك الدولة السودانية عبر التقسيم يحمل في طياته بذور حروب لا تنتهي، للأسباب الآتية:

  • ​غياب النقاء الجغرافي والإثني: التداخل السكاني الهائل بين مكونات السودان المختلفة يجعل أي عملية فصل جغرافي مستحيلة دون عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي واسع النطاق، مما سيكلف أرواحاً بالملايين.
  • ​تحول الحدود إلى بؤر صراع دائم: الكيانات الناتجة عن أي تقسيم مفترض ستكون رخوة اقتصادياً وضعيفة أمنياً، وستتحول إلى "دول فاشلة" تتنازعها التدخلات الخارجية، لتصبح الحدود الجديدة خطوط مواجهة دائمة بدلاً من أن تكون جسوراً للاستقرار.
  • ​إجهاض فكرة الدولة الوطنية: قبول التقسيم يعني بوضوح الهزيمة النهائية لمشروع العيش المشترك، وشرعنة لقانون الغاب والدويلات المسلحة، وهو ما ترفضه الذاكرة الجمعية للشعب السوداني الذي أثبت مراراً قدرته على تجاوز المحن الكبرى.

​ثالثاً: بديل التقسيم.. معركة الوعي والصمود الوطني

​إن الإقرار بأن الحرب قد تطول لغياب أفق الحل السريع لا يعني بالضرورة الاستسلام لفكرة التشظي. إن الرهان الحقيقي يكمن في:

  • ​مناعة المجتمع والدولة: الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية وهيكلها الإداري والمؤسسي، باعتبارها صمام الأمان الوحيد ضد الفوضى الشاملة.
  • ​إحباط حرب الإرادة: إن أخطر ما تواجه الجبهة الداخلية ليس الميدان العسكري فحسب، بل "حرب اليأس" التي تسعى لترويج أن التقسيم هو المخرج الوحيد، لدفع المواطن للقبول بأي تسوية مجحفة أو الانهيار النفسي.

​إن السودان يمر بمخاض عسير وطويل بلا شك، لكن تاريخه يشهد بأن أزماته الكبرى كثيراً ما كانت تلد صياغات جديدة للوطن، تظل فيها وحدة التراب والنسيج الاجتماعي هي الثابت الذي لا يقبل المساومة، مهما اشتدت عواصف الحرب ورياح التشكيك.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية (تحديث إضافي)

 

​السودان؛ سقف الدبلوماسية الأممية (تحديث إضافي) 

 بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                            لم تكن جلسة مجلس الأمن المنعقدة اليوم لتتوقف عند حدود السرد التقليدي لتقارير الأزمة الإنسانية أو استعراض المواقف الدبلوماسية المعلنة، بل تجاوزتها لتدشن منعطفاً جديداً يحمل في طياته الكثير من التعقيدات. فعلى وقع الضغوط الإنسانية الهائلة والفجوة التمويلية المتسعة التي حذرت منها وكالات الأمم المتحدة، برزت على الطاولة مقترحات حادة، على رأسها التحرك الأمريكي لطرح نقاشات مكثفة حول مقترح شامل لحظر الأسلحة والطيران في مناطق النزاع، وسط مخاض شاق لضبط آليات التنفيذ وتجنب تقاطعات المصالح الدولية.

​                         وما إن أُسدل الستار على الجلسة المفتوحة حتى انتقل الثقل الحقيقي إلى قاعات المشاورات المغلقة وخلف الكواليس؛ حيث لا تزال النقاشات قائمة ومحمومة بين أعضاء المجلس لبلورة صياغات توافقية حول مسودات القرار المرتقب. وتُشير المعطيات الحالية إلى أن هذه المشاورات الشاقة قد تستغرق ما بين أسبوع إلى أسبوعين، مستهدفةً صياغة نهائية لطرحها للتصويت الفعلي إما أواخر شهر أغسطس الحالي أو خلال مطلع شهر سبتمبر المقبل. إن                             هذا المخاض الدبلوماسي المستمر يؤكد أن سقف التعاطي الأممي لم يغلق ببيانات اليوم، بل دخل مرحلة تفاوضية دقيقة ومفتوحة على كل الاحتمالات، مما يفرض على الرصد والتحليل السوداني متابعة هذه الكواليس الحية بدقة، إدراكاً بأن تداعيات هذه النقاشات ستلقي بظلالها المباشرة على المشهد الميداني والسياسي في البلاد.

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية

 سقف الدبلوماسية وأوهام آلة الحرب: قراءة هادئة في مخرجات مجلس الأمن

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                       عاشت الأوساط السودانية خلال الأيام القليلة الماضية على وقع موجة مقلقة من التهويل والشائعات، التي روّجت لاقتراب تدخل عسكري غربي مباشر وفرض "آلة حرب" ستغطّي سماء البلاد، في محاولة واضحة لمضاعفة الضغوط النفسية على الداخل الذي يعاني أصلاً أعباء الحرب وتداعياتها اليومية.

​وجاءت جلسة مجلس الأمن الدولي التي انعقدت اليوم الإثنين (24 أغسطس 2026) لتضع الأمور في نصابها الصحيح، وتفصل تماماً بين الواقع الدبلوماسي المعقّد وبين التهويل الإعلامي المفتعل.

​واقع المشهد الأممي: إحاطات إنسانية بلا تفويض عسكري

​                 عقد المجلس جلسته المفتوحة والمشاورات المرتبطة بها بناءً على دعوة من رئاسة الشهر (الدنمارك)، لتقتصر مخرجاتها على الطابع المعتاد للإحاطات الأممية:

​تركيز إنساني وبحت:

                         انصبّ الجهد الأساسي للوكالات الأممية (مثل مكتب الشؤون الإنسانية والشؤون السياسية) على محاولة معالجة العجز الحاد في تمويل خطة الإغاثة، ومطالبة الأطراف بتأمين ممرات آمنة لدخول الغذاء والدواء.

​غياب القرارات الملزمة: 

                     لم يصدر عن الجلسة أي قرار تحت الفصل السابع، ولا توجد أي تفويضات أُممية لإرسال قوات دولية لحماية المدنيين أو فرض تدخل عسكري خارجي.

​لماذا تُعد أطروحات "التدخل الغربي" بعيدة عن الواقع؟

                     ​إن الحديث عن غطاء جوي غربي أو تدخل عسكري واسع يغطي سماء السودان يفتقر إلى قراءة جادة لطبيعة موازين القوى الدولية والإقليمية، لعدة أسباب جوهرية:

​الموقف السيادي ورفض الحكومة: 

                       ترفض الدولة السودانية بشكل قاطع أي طرح يمس بالسيادة الوطنية أو يقترب من فكرة القوات الأممية لحماية المدنيين، وهو موقف تقف دونه تعقيدات سياسية وميدانية تجعل أي فرض قسري أمراً غير وارد في الحسابات الدولية الراهنة.

​انقسامات مجلس الأمن:

                         يعاني المجلس من تباينات واضحة واستقطاب حاد يجعل من المتعذر توافق الكبار على قرارات جذرية ذات طابع عسكري، ليظل سقف المجلس محصوراً في البيانات السياسية العامة والمناشدات الإنسانية.

​أولويات القوى الكبرى: 

                      تنشغل الدوائر الغربية بملعب الأزمات الدولية الكبرى الأخرى (مثل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط)، وتتعامل مع الملف السوداني بمنطق إدارة الأزمة الإنسانية والضغط الدبلوماسية المحدود لا بالانخراط العسكري المباشر.

​رسالة اطمئنان للداخل

                    ​إن جبهة الداخل السوداني أحوج ما تكون اليوم إلى اليقظة والوعي الحاد ضد حروب الشائعات والتهويل النفسي التي تهدف إلى كسر الإرادة العامة وبث الرعب.

​                     إن ما يدور في أروقة الأمم المتحدة لا يعدو أن يكون نقاشات تقليدية وحوارات دبلوماسية روتينية حول الإغاثة وحماية المدنيين وفق المعايير القائمة، بعيداً كل البعد عن تلك الأطياف المزعومة لآلات الحرب الأجنبية التي يُروج لها في الوسائط. إن الوعي بطبيعة هذه المعطيات هو الدرع الحقيقي في وجه محاولات الترهيب، والاطمئنان إلى أن السيادة الوطنية تظل محصنة ضد أوهام التدخل الخارجي.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

حريق سد مروي

حين يحترق سد مروي ويختنق الشارع: أزمات الخدمات على خط النار السياسي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                    تعيد حادثة الحريق المفاجئ في محطة سد مروي، وما تبعه من انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن العاصمة وولايات سودانية عدة، تسليط الضوء بقوة على هشاشة ما تبقى من بنى تحتية في البلاد. وتتجاوز هذه الحادثة البعد الفني البحت لتضع الأوضاع المعيشية والسياسية برمتها على حافة صفيح ساخن، لاسيما حين تتزامن مع تعثر المبادرات السياسية وتآكل قدرة المواطن على التحمل.

​شرارة الكهرباء وغضب الشارع

                  ​تاريخياً، وفي أدبيات التغيير والضغط الجماهيري في السودان، تظل أزمات الخدمات المباشرة – وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء واقترانها بندرة الوقود والخبز – هي المحرك الأسرع للاحتقان الشعبي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة اليومية، وتوقفها يعني شلل تام في المستشفيات، محطات المياه، الأسواق، وكل تفاصيل الإنتاج. وتأتي هذه الصدمة الخدمية في أسوأ توقيت ممكن، متزامنة مع طقس قاس وبرمجة قاسية أصلاً للقطوعات، مما يضع المواطن أمام جدار مسدود من المعاناة اليومية.

​الاقتصاد المأزوم وسياسات رد الفعل

                   ​تنعكس إدارة الشأن الاقتصادي الحالية كعبء إضافي يثقل كاهل الحياة اليومية. فمع غياب رؤية استراتيجية واضحة لتأمين السلع الأساسية واستقرار سعر الصرف، يتآكل دخل المواطن وقدرته الشرائية وسط دوامة متواصلة من غلاء الأسعار وتراجع الخدمات. وحين يجتمع الانهيار المعيشي مع انقطاع الكهرباء، يتحول المشهد إلى ضغط طبقي واجتماعي لا يطيقه بشر.

​تقاطع الخدمات بالحمود السياسي: شبح المؤامرة وتعثر "الخماسية"

                  ​لا يمكن فصل توقيت هذه الكوارث الخدمية عن الجمود السياسي الراهن، سيما مع تعثر مسارات المبادرات مثل "الآلية الخماسية" وانسداد أفق التسويات. هذا التزامن هو ما يغذي بقوة "خطاب المؤامرة" في وجدان الشارع والنخبة؛ فعندما تفشل الهندسة السياسية، يلجأ الخصوم – أو تفرض ظروف الصراع – أدوات الضغط غير المباشر عبر استهداف البنى التحتية لكسر إرادة الطرف المسيطر أو دفعه لتقديم تنازلات تحت وطأة الشارع الغاضب.

                  ​حتى وإن كان ما حدث ناتجاً في أصله عن الإهمال التقني المزمن، وغياب قطع الغيار، والإجهاد الهائل للشبكات، فإن النتيجة السياسية واحدة: عجز المنظومة القائمة عن حماية مفاصل الدولة الحيوية، وحشر السلطة في زاوية ضيقة بين غضبة الجياع واستحقاق الحلول المتعثرة.

​خلاصة القول

                 ​تسير الأوضاع في السودان نحو نقطة حرجة تتقاطع فيها أوزار الحرب مع كارثة الانهيار الخدمي. وإذا لم يتم تدارك تداعيات أزمة سد مروي ومعالجة الاختناقات المعيشية الحادة بشكل عاجل، فإن ما تبقى من جدار الصبر الشعبي مهدد بالانهيار الكامل، معيداً رسم خريطة الصراع بأدوات الشارع هذه المرة.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

الخماسية وصراع حافة الهاوية

 حافة الهاوية: متى تدرك الكتلة الصلبة أن الوطن لا يحتمل مزيداً من العبث؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​لم    لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة أن السودان يمر بأدق وأحلك منعطف في تاريخه الحديث؛ أزمة قاتلة ومدمرة ومتطاولة تفتك بالإنسان والمكان، وتلقي بظلالها الكالحة على كل بيت وشارع. وفي وقتٍ تتسع فيه دائرتا الجوع والنزوح وتتآكل مقومات الدولة، تستمر الكتل السياسية المعارضة، على اختلاف تشكيلاتها ومنصاتها، في التمترس خلف مواقف حدية لا تزيد المشهد إلا تعقيداً، غير واعية بأن رهانها على إطالة أمد الخلاف يترك مصير البلاد رهيناً لحسابات الميدان العسكري باستحقاقاته العالية وانعقاد أمال الناس عليه. وعلى ما يلتف حوله من كتل مدنية. 

​وهم الإقصاء واحتكار الحقيقة

                   ​إن الخطأ التاريخي الأكبر الذي تقع فيه بعض كتل الرفض المعارضة هو الاعتقاد بأنها تملك "صك البراءة الثورية" أو حق احتكار تمثيل الشارع السوداني بمفردها. إن تجاهل الوزن المقابل للكتلة الواسعة الداعمة لمؤسسات الدولة ووجود ظهير مدني وشعبي وكتل ديمقراطية وقوى وطنية غير منتمية، فضلاً عن غياب قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية (وفي مقدمتها الدور الاستراتيجي الفاعل لتركيا والسعودية وحلفائهما لدعم استقرار المؤسسات ومنع انهيار الدولة)، هو قمة الانفصال عن الواقع.

                     ​إن الميدان العسكري والسياسي لا ينبني على الأمنيات والشعارات الحالمة، بل على موازين قوى وتشابكات إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها بجرة قلم أو ببيانات مقاطعة لا تغني ولا تسمن من جوع.

​شتات المنابر وفقدان البوصلة

                 ​حين تغيب البوصلة الوطنية وتطغى المصالح الحزبية الضيقة، تتحول المبادرات الإقليمية والدولية -مثل حراك الآلية الخماسية وغيرها- إلى ساحة صراع للاستقطاب بدلاً من أن تكون جسوراً للحل. إن مقاطعة هذه المنابر ورفض الانخراط في الحوار بحجة طهارة الأجندة أو رفض الشراكات المسبقة، لا يؤدي سوى إلى تكريس "شتات المنابر" وإعطاء أطراف الصراع مبرراً إضافياً للاستمرار في القتال.

                ​إن المعارضة الحقيقية لا تكون بالتفرج على انهيار البيت على رؤوس الجميع، بل بامتلاك شجاعة النقد الذاتي والاعتراف بالآخر، فالوطن حين يسقط لا يفرز منتصراً، والخراب لا يفرق بين موالٍ ومعارض.

​نداء الضمير: الوطن أولاً

                    ​آن الأوان لكتل الرفض والتشدد أن تغادر خندق المكابرة السياسية، وأن تدرك أن استمرار هذا التمترس يعني بوضوح المشاركة في إطالة عمر العذاب المتربص بالمواطن البسيط. إن حسابات الميدان العسكري تفرض واقعاً صلباً لا تلغيه لغة المقاطعة ولا الشعارات الرنانة؛ والسبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من السودان هو التخلي عن الشروط الإقصائية، والقبول بالحد الأدنى من التوافق الوطني الذي يضع سلامة المواطن ووقف النزيف فوق كل اعتبار أيديولوجي.

                    ​إن الشعب السوداني الذي صبر على أهوال الحرب وانقطاع أسباب الحياة يستحق من نُخبه وقواه السياسية وقفة صدق مع النفس، تسبق فيها مصلحة البلاد العليا أية حسابات حزبية ضيقة، عسى ولعل أن نجد طريقاً آمناً يخرج هذه الأمة من ظلمات التيه إلى بر الأمان.

الخميس، 30 يوليو 2026

دمياط؛ حرب الروايات والبدائل

 حرب الروايات والبدائل: قراءة في أبعاد حادث ناقلات دمياط ومحاولة ضرب الثقة في الاقتصاد المصري

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                       ​يشهد المشهد الإقليمي والدولي صراعاً خفياً لا يقل شراسة عن المواجهات العسكرية المباشرة، وهو صراع «سلاسل الإمداد» و«البدائل الاستراتيجية» للطاقة. وفي هذا السياق، جاء حادث محطة وناقلات الغاز المسال في ميناء دمياط ليثير عاصفة من التساؤلات، لا تتعلق فقط بحجم الأضرار المادية، بل بطبيعة "حرب الروايات" التي رافقته، والدوافع الخفية وراء تضخيمه إعلامياً واستخباراتياً.

​بين الواقع التقني والرواية الدولية: قراءة في تفاصيل الحادث

​                       في الوقت الذي رجحت فيه بعض الدوائر والآراء المحلية أن ما جرى لا يعدو ككونه حادثاً تقنياً عادياً مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة القياسية والضغط التشغيلي على غرف المحركات في ناقلات الغاز، وتحديداً في ظل أجواء صيفية ضاغطة، خرجت وكالات عالمية مثل "رويترز" وشركات أمن بحري مثل "أمبري" البريطانية لتسويق رواية الاستهداف بمسيرة أو مقذوف، معتمدة على مصادر خارجية دون انتظار الرواية الرسمية للجهات المصرية المختصة.

​                     هذا التسرع المريب في النشر يضع أكثر من علامة استفهام حول الأهداف السياسية الكامنة وراء توجيه دفة النقاش نحو فرضية الاستهداف العسكري وتوسيع دائرة التوتر الإقليمي لتشمل السواحل المصرية على البحر المتوسط.

​صراع الممرات وبدائل "هرمز": من المستفيد الحقيقي؟

​إذا استبعدنا الأطراف الإقليمية التقليدية عن يقين بأنها لا تسعى لتورط من هذا النوع، فإن البحث عن المستفيد الحقيقي يقودنا حتماً إلى معركة البدائل الاستراتيجية لتصدير الطاقة.

                       ​مع تصاعد المخاطر والتهديدات في مضيق هرمز وممر باب المندب، برزت الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وفي مقدمتها ميناء دمياط، كممر بديل وآمن وملاذ استراتيجي لاستمرار تدفق إمدادات الغاز والطاقة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. ومن هنا تكمن خيوط اللعبة الحقيقية:

​ضرب الثقة في أسواق التأمين البحري: 

                         إن الهدف الاستراتيجي الخفي وراء تضخيم حوادث محدودة وإلباسها لبوس "التهديد الأمني" ليس تدمير منشأة، بل تدمير السمعة الاستثمارية. رفع تكاليف التأمين البحري (Marine Insurance) ورفع أسعار الشحن يهدفان إلى إفشال الموانئ المصرية في تقديم نفسها كبديل آمن، ودفع الشركات العالمية لإعادة حساباتها.

​هندسة الفوضى الاقتصادية: 

                        إن إرسال رسالة للأسواق العالمية مفادها أن «لا مكان آمناً تماماً» يخدم قوى دولية وإقليمية ترغب في بقاء سلاسل الإمداد رهينة لدوائر نفوذها المباشرة، وحرمان مصر من ميزتها النسبية كمركز إقليمي لتداول الطاقة.

​استنزاف الوعي والاقتصاد: المعركة البديلة

                         ​إن محاولة تحويل حادث عرضي محتمل إلى ذعر استثماري يعكس شكلاً جديداً من أشكال "الحروب الناعمة" التي تستهدف الاقتصاد والوعي الجمعي. فبدلاً من المواجهات العسكرية المكلفة، تلجأ دوائر التأثير الخارجي إلى توظيف الأذرع الإعلامية وشركات الأمن البحري لخلق واقع افتراضي يعج بالتوتر، بغرض إشغال الدولة المصرية في معارك دفاعية إعلامية وتأمينية مستمرة.

​                       إن التعامل مع مثل هذه الأزمات يتطلب وعياً استراتيجياً وطنياً يدرك أن حماية المكتسبات الاقتصادية وموقع مصر الجيوسياسي لا يقل أهمية عن حماية الحدود، وأن مواجهة حرب الشائعات والتشكيك الاقتصادي تبدأ بالشفافية المطلقة والصلابة في تفنيد الروايات الموجهة التي تستهدف عصب المستقبل المصري.

السبت، 25 يوليو 2026

ايران؛ مستنقع ام ضربة قاضية

 ​1. هل أمريكا على أعتاب مستنقع أم تراهن على "الضربة القاضية"؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​وهم "الحسم السريع" في حسابات ترامب:

                       يعكس تفكير الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب ومعاونيه، عقيدة عسكرية تقترب من منطق "الضربات الصاعقة" (Shock and Awe)، حيث يُعتقد أن قوة النيران الهائلة والتفوق التقني المطلق قادران على تركيع الخصم وتغيير سلوكه أو نظامه دون الحاجة لحرب استنزاف برية طويلة. هذا الرهان يستند إلى افتراض أن الضغط العسكري القاسي سيدفع طهران إما للاستسلام أو للقبول بشروط تسوية مجحفة سريعة.  

​خطر الانزلاق إلى المستنقع:

                        في المقابل، يرى العديد من المراقبين والخبراء الاستراتيجيين أن واشنطن تتجاهل دروس التاريخ الحديث في فيتنام وأفغانستان والعراق. فطبيعة الجغرافيا الإيرانية، وتشابكاتها الإقليمية، واعتماد طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء (مثل الحوثيين وغيرهم) لفتح جبهات متعددة (كالبحر الأحمر ومضيق هرمز)، تعني أن أي ضربة عسكرية -مهما بلغت دقتها- لن تهدم البنية التحتية العقائدية والبالستية للخصم بضربة واحدة. وحين تتكسر أطروحة "النصر السريع"، تجد قوة عظمى نفسها تورطت تدريجياً في حرب استنزاف واسعة النطاق ومفتوحة بلا أفق سياسي واضح للخروج.  

​2. لماذا يتكئ الأمريكان على "القوة المطلقة" ويتجاهلون قوة الخصم الكامنة؟

​مأزق الغطرسة التقنية والكمية:

                      يعاني العقل الاستراتيجي الغربي عموماً من انحياز بنيوي نحو التقييم الكمي والتكنولوجي البحت (عدد الطائرات، دقة الصواريخ، الميزانيات الدفاعية). في المقابل، يقلل هذا المنظور من شأن عوامل "القوة غير المتناظرة" (Asymmetric Warfare)، والتي تشمل:  

​القدرة على التحمل والصبر الاستراتيجي (Strategic Resilience).

​العقيدة القتالية المرتكزة على الإبقاء على جذوة الصراع حتى لو تكلفت البنى التحتية دماراً هائلاً.  

​العمق الجغرافي والقدرة على تعطيل شرايين التجارة والطاقة العالمية (مثل إغلاق مضيق هرمز أو تهديد باب المندب)، مما يقلب موازين القوة؛ بحيث لا يشترط للخصم أن "يهزم" أمريكا عسكرياً بشكل مباشر، يكفي أن يكبد الاقتصاد العالمي وأمن الحلفاء ثمناً باهظاً يجبر واشنطن على التراجع.  

​إغفال الأبعاد النفسية والسياسية:

                        يتعامل صانع القرار الأمريكي مع الخصوم بمنطق الأرقام متجاهلاً الأبعاد القومية والنفسية؛ فالتلويح بالضربات المدمرة غالباً ما يولد لدى الشعوب والدول المستهدفة نزعة دفاعية ورغبة أشد في الانتقام، بدلاً من الخضوع المرجو، وهو ما يفسر ارتداد الضربات دائماً إلى تصعيد دائرة العنف بدلاً من احتوائها.  

​3. شبح الحريق الواسع وسياسات "حافة الهاوية" المتحللة من الالتزامات

​التحلل من الضوابط والالتزامات الدولية:

                         تتسم سياسة الإدارة الأمريكية الحالية بالبراغماتية المفرطة والنزعة الأحادية المتحللة من القيود والمؤسسات الدولية أو حتى الاعتبارات التحالفية التقليدية. تتعامل واشنطن بمنطق المناورة المستمرة على حافة الهاوية، معتقدة أنها تستطيع ضبط إيقاع التصعيد وإيقافه متى شاءت.  

​كارثة الحريق الإقليمي:

                         غير أن هذا التكتيك بالذات هو ما يرفع احتمالات خروج الأمور عن السيطرة؛ فاللعب بالنار على تخوم ممرات الطاقة العالمية (حيث يتجاوز سعر النفط حاجز المائة دولار مع اتساع رقعة المواجهات لتشمل البحر الأحمر والخليج) يعني أن أي خطأ في الحسابات أو ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء قد تحرق استقرار المنطقة برمتها. إن تداخل المصالح الدولية، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمات، يجعل من الشرق الأوسط برميل بارود، حيث لم يعد مموضعاً في حسابات واشنطن أن "الضربة المحدودة" ستظل محدودة، بل إنها تتحول سريعاً إلى شرارة تشعل حريقاً شاملاً تتكسر على عتباته مصالح الجميع.  

الأحد، 19 يوليو 2026

العرس الكروي العالمي

 عندما ينحني التاريخ لجمال اللعبة: ومضات إنسانية من العرس الكروي العالمي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                      حين تقف البشرية المعاصرة على عتبات الأحداث الكبرى التي تُعيد صياغة وجدان الملايين، نادرًا ما تتقاطع السياسة والثقافة والتاريخ في نقطة واحدة مثلما تتقاطع في الساحات المستطيلة لعالم كرة القدم. ليست المنافسات مجرد صراع تكتيكي على لقب أو كأس ذهبية، بل هي مرآة كبرى تنعكس عليها هواجس الشعوب، وتتجسد في تفاصيلها الدقيقة أسئلة الهوية، والذاكرة التاريخية، والتشوق الجارف نحو إنسانِيّةٍ رحبة تتجاوز ترسبات الماضي وجهالات الحاضر.

​من صخب الرموز إلى بساطة المعنى

​                    في العرس الكروي الأخير، كان المشهد الختامي يحمل في طياته تحولاً دلالياً عميقاً؛ إذ تخلت الملاعب عن الصخب البصري المعقد والرموز الجدلية التي طغت على محطات سابقة، لتفسح المجال أمام إيقاع نقي ينبض بالحياة، ولغة فنية تلامس وجدان الجمهور العريض مباشرة. هذا التحول نحو البساطة والتركيز على جوهر المتعة الإنسانية والترفيه الراقي يعكس رغبة دفينة في إعادة الرياضة إلى حاضنتها الشعبية الأولى، حيث التقاء الأرواح حول الشغف المشترك بعيداً عن التعقيد والتأويلات القلقة.

​الذاكرة والتاريخ: جغرافية الملاعب وأسئلة الديموغرافيا

                    ​لا يمكن لعارف بتاريخ أمريكا اللاتينية وعمقها الحضاري أن يمر مرور الكرام أمام التركيبة الفريدة لمنتخباتها العريقة؛

                     فتلك المجتمعات التي عبرت مخاضات تاريخية قاسية وكتبت أسفارها الديموغرافية عبر آلام الهجرة والتحولات الكبرى، تحمل في طياتها حكايات غائرة في القدم. وحين يبرز نجم بحجم "ليونيل ميسي" ممسكاً بيد طفل أسود في مشهد يخطف الأبصار، فإنه لا يُقدم مجرد بروتوكول عابر، بل يخطّ رسالة عميقة متعددة الأبعاد؛ رسالة تبدو كأنها صفحة جديدة تعلو بقيم مسامحة سامية، واعتراف ضمني دافئ بأن رياضة الشعوب الكبرى قادرة دائماً على جسر الهوة بين مآسي التاريخ وآمال المستقبل.

​                         ولم تكن تلك اللفتة وحدها هي ما ميز المشهد، بل تكاملت مع إطارات أخرى كحضور الطفلة المحجبة بصحبة المنتخب الإسباني، لتؤكد أن الملاعب العابرة للقارات تستطيع أن تتحول إلى مساحات للتسامح الحي، حيث يُطوى الاختلاف العرقي والثقافي تحت مظلة الاحترام المتبادل وسمو الروح الرياضية فوق كل النعرات.

​السحر الكروي: حين ينطق الفن بالأقدام

​                       وعلى الصعيد الفني البحت، فقد قدمت البطولة لوحات كروية خالدة. كان المنتخب الإسباني عنواناً للإمتاع الاستثنائي، عبر تمريراته القصيرة السريعة وشبكة اختراقاته الذكية التي أعادت صياغة مفهوم السيطرة الميدانية، مقرونة بيقظة حارسة للمرمى الأرجنتيني حالت دون تحول المباراة إلى ملحمة من الأهداف المدمرة. لقد                      أثبتت كرة القدم اللاتينية والأوروبية مجددًا أنها ليست بحاجة إلى إثبات حضورها عبر السرديات الديموغرافية، بل بسحرها المطلق وقدرتها الفائقة على إمتاع الذاكرة الإنسانية.

                      ​إن هذه النسخة لم تكن مجرد بطولة تُوج فيها بطل وانسحب خاسر، بل كانت احتفالية كبرى انتصر فيها المعنى الإنساني، وفتحت الأبواب على مصراعيها لأسئلة الجمال، والتاريخ، والمستقبل المشترك.

الجمعة، 17 يوليو 2026

لغة القانون وموازين القوة

 لغة القانون وموازين القوة: عن "تبرئة الذمة" الأممية والحصانة الأمريكية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                         ​في عالمٍ تحكمه توازنات القوة وتتحكم في مفاصله النفوذ العسكري، يبرز تساؤل جوهري يتردد صداه مع كل تقرير أو تصريح يصدر عن منظمة الأمم المتحدة وممثليها في مناطق النزاع: هل تملك العبارات القانونية الصارمة القدرة على كبح جماح القوى العظمى، أم أنها تحولت إلى مجرد أدوات بروتوكولية لتبرئة الذمة الأخلاقية؟

​                        لقد أعاد التصريح الأخير لممثل الأمم المتحدة في إيران، والذي وصف فيه الهجمات الأمريكية على البنى التحتية بأنها ترقى إلى "جرائم حرب"، تسليط الضوء على هذه الفجوة الهيكلية العميقة في النظام الدولي. فمن المعلوم بالضرورة أن مبادئ القانون الإنساني الدولي وقوانين الحروب تُدرّس بدقة وكثافة داخل الكليات والمعاهد الحربية حول العالم، ومن بينها بالتأكيد معاهد القيادة المركزية الأمريكية. هذا الواقع الأكاديمي يفرض استنتاجاً منطقياً بأن القادة العسكريين، الذين يصرحون يومياً بشن تلك الهجمات، على دراية كاملة بالحدود الفاصلة بين الأهداف العسكرية المشروعة والأعيان المدنية المحمية دولياً.

​ومع ذلك، فإن هذا الوعي القانوني لا يترجم على أرض الواقع إلى التزام أو خشية من العقاب، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية تفكك شفرة هذا التناقض:

​أولاً:

                      مرونة التفسير العسكري ومفهوم "الاستخدام المزدوج": تلجأ الجيوش الكبرى غالباً إلى إعادة تعيين المفاهيم القانونية لتناسب غاياتها الميدانية؛ حيث يتم إدراج البنى التحتية الحيوية (كالطاقة والاتصالات) تحت مظلة الأهداف ذات "الاستخدام المزدوج" (المدني والعسكري)، مما يمنح المهاجم مسوغاً ذاتياً لتجاوز خطوط القانون الإنساني تحت لافتة "الضرورة العسكرية".

​ثانياً:

                        الحصانة الهيكلية داخل النظام العالمي: يدرك القائد العسكري للقوى العظمى، وتحديداً الولايات المتحدة، أنه يتحرك في بيئة جيو-سياسية تحميه من التبعات القضائية الدولية. فالولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية وتملك تشريعات محلية تمنع ملاحقة أفرادها، فضلاً عن امتلاكها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وهو ما يجعل أي إدانة دولية عاجزة عن التحول إلى آلية عقاب حقيقية.

​ثالثاً:

                         تراتبية القيادة والتوريط السياسي: تخضع الآلة العسكرية في النظم المعاصرة للتوجهات السياسية العليا للإدارة المدنية. وعندما تتبنى الإدارة السياسية استراتيجية معينة، فإن القائد العسكري يجد في الأوامر التنفيذية والغطاء القانوني المحلي الصادر عن دولته مبرراً كافياً للمضي قدماً، معتبراً أن الاستجابة للتوجهات السياسية لبلاده تعلو فوق التفسيرات القانونية الخارجية، حتى وإن بدت تلك الاستجابة في ثوب "التوريط" المستقبلي.

                           ​أمام هذا المشهد المعقد، تكتسب تقارير وتصريحات ممثلي الأمم المتحدة صبغة "تبرئة الذمة" التاريخية والإنسانية أكثر من كونها أداة ضغط سياسي قادرة على إحداث تغيير ملموس في السلوك الأمريكي. إنها محاولة مستمرة وحثيثة من المنظمة الدولية للحفاظ على ما تبقى من مصداقيتها الأخلاقية وصون نزاهتها أمام المجتمع الدولي، عبر تسجيل المواقف وإثبات الحالات قانونياً، حتى وإن كانت تدرك سلفاً أن "الحق" المدعوم بالمواثيق يصطدم دائماً بجدار "القوة" التي صُمم النظام العالمي الحالي لخدمتها وحمايتها.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

كرة القدم في قبضة الشركة

 كرة القدم في قبضة "الشركة": هل ماتت الرياضة لنحيا في عصر التسليع؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                       ​لم تعد كرة القدم، في جوهرها الذي عرفناه وعشناه، تلك الساحة البسيطة التي تتقاطع فيها المهارة البشرية مع القيم الرياضية السمحة. لقد انزوت "الرومانسية الرياضية" جانباً، لتفسح المجال أمام كيان عملاق، عابر للقارات، لا يرى في الملعب إلا "منصة إعلانية" وفي المشجعين إلا "أرقاماً في ميزانية سنوية". إننا لا نشهد اليوم تطوراً للرياضة، بل نشهد تحولاً جذرياً في "جينومها" المؤسسي.

​1. الفيفا: من "إدارة لعبة" إلى "إدارة اقتصاد عابر للحدود"

                     إن الانتقال من منظمة أهلية إلى شركة تُحقق أرباحاً تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً ليس مجرد نجاح إداري، بل هو إعلان عن نهاية استقلالية المؤسسة الرياضية. هذه الأرباح ليست نتاجاً لجمال اللعبة فحسب، بل هي نتاج لدمج الرياضة بصناعات الموضة، وتدوير النفايات تحت شعارات الاستدامة الصديقة للبيئة، مما يغلف الجشع الرأسمالي بغلاف أخلاقي أخاذ. الفيفا اليوم جزء أصيل من النظام العالمي، أداة ضبط اجتماعي واقتصادي لا تسمح بأي منافسة قد تهدد استقرار تدفقاتها المالية.

​2. المونديال: "سلسلة توريد" للمواهب لا عرسٌ للقيم

                        لقد تم تفتيت البطولات القارية والإقليمية وتحويلها إلى "محطات تقييم" (Scouting Platforms) تغذي أندية النخبة في أوروبا والخليج. اللاعبون ليسوا بشراً في هذا النظام، بل هم "أصول" يجري صقلها ورفع قيمتها السوقية لتصل إلى ذروتها في المونديال، الذي أصبح "الكرنفال التجاري" الذي يضمن استمرارية الدورة الاقتصادية. أما التحكيم المثير للجدل، وتوجيه مسارات المجموعات، فلم تعد مجرد أخطاء بشرية، بل هي "إدارة للمخاطر" تضمن وصول الأسماء الرنانة إلى الأدوار النهائية لحماية عقود الرعاية.

​3. "القميص" كأداة استعمار ثقافي

                       إن ما نراه في شوارعنا اليوم – من قمصان أندية أوروبا التي يرتديها شبابنا – ليس مجرد ذوق رياضي، بل هو نتاج "تنميط ثقافي" شامل. لقد نجحت الفيفا والشركات التابعة لها في تحويل المشجع من "فاعل اجتماعي" إلى "مستهلك نمطي". والأندية المحلية، خوفاً من التهميش أو التلاشي، باتت تحاكي هذا النموذج العالمي في هويتها البصرية وإدارتها، مما أدى إلى ذوبان الحصون الأخيرة للرياضة الأهلية التقليدية التي كانت جزءاً من نسيجنا الوطني.

​4. الحركات المضادة: انتحار أم ضرورة؟

                       في ظل هيمنة النظام العالمي الحالي، تبدو أي محاولة للمقاومة الجماهيرية وكأنها "انتحار"، خاصة في غياب الحاضنات الدولية التي كانت متاحة في حقب سابقة. لكن الرهان يظل معقوداً على "الوعي". إن وعي الجماهير بـ "خلفية المشهد" هو المنافس الوحيد الذي تخشاه هذه الشركة العملاقة. فالمشجع الذي يدرك أن النتيجة حُسمت إدارياً قبل أن تبدأ، هو مشجع يغادر "منطقة التسليع" ويبدأ في طرح الأسئلة الصعبة التي تهز عرش السمعة، وهي أغلى ما تملكه هذه الشركات.

​خاتمة:

                    إن كرة القدم قد تحولت إلى نظام لا يقبل التجزئة، يعيد تشكيل وعي الملايين وفق مصالحه. ولكن، ما دام هناك "وعي نقدي" يرفض القبول بالنتيجة كقدر، وما دامت هناك أقلام ترفض الترويج لهذا "النشيد التجاري" الموحد، فإن جذوة القيم الرياضية الحقيقية ستظل متقدة تحت رماد التسليع. نحن لا ندعو للعدمية، بل ندعو لإعادة تعريف مكاننا داخل هذا النظام، قبل أن نتحول نحن أنفسنا إلى مجرد بضاعة في قمصاننا التي نرتديها.

السبت، 4 يوليو 2026

ضرورات السيادة الوطنية

 انسحاب الوفد السوداني من مجلس حقوق الإنسان: بين دبلوماسية المواجهة وضرورات "السيادة الوطنية"

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد

مع جيميني 

                      ​يمثل انسحاب وزير الخارجية السوداني من جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، احتجاجاً على تقرير لجنة تقصي الحقائق، نقطة تحول في "دبلوماسية القطيعة" التي باتت تسم علاقة السلطة السودانية بالمؤسسات الأممية. هذا الانسحاب ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير عن استراتيجية "المواجهة السياسية" التي انتهجتها الخرطوم رداً على ما تراه تسييساً لملف حقوق الإنسان، وتجاهلاً ممنهجاً لطبيعة الحرب ضد "كيان متمرد" ومرتزقة عابرين للحدود.

​أبعاد المشهد في سياق التحولات الراهنة:

​أزمة الثقة الممتدة:

                    يأتي هذا التصعيد تتويجاً لثلاثة عقود من التوتر، حيث باتت السلطة السودانية تنظر للتقارير الأممية كأدوات ضغط لفرض أجندات سياسية، لا كوثائق فنية محايدة. وفي المقابل، يجد المجتمع الدولي نفسه محاصراً بضغوط حقوقية تتجاهل تعقيدات "الأمن القومي" السوداني.

​عقيدة "البقاء الوجودي": 

                     إن هذا الموقف يعكس قناعة النخبة الممسكة بزمام الأمور بأن الخطر الوجودي الذي تواجهه الدولة لا يسمح بترف "الدبلوماسية اللينة". فالرهان هنا قائم على خياراته المتاحة في "إعادة التموضع" اقليميا و ودوليا بالقدر الذي يقيه ضغط المنظمات الدولية. 

​من "دبلوماسية التبرير" إلى "فرض الواقع":                              تعتمد السلطة الحالية على أوراق ضغط ميدانية واقتصادية. فمع الانتصارات العسكرية المتلاحقة، وتجفيف الحاضنة الاجتماعية للمتمردين، وتفعيل مشاريع التنمية المستدامة في الولايات، تسعى الخرطوم لفرض واقع يقول إن "استقرار الدولة" هو شرط لا غنى عنه لأي حديث عن حقوق الإنسان أو التحول السياسي.

​رسالة إلى المجتمع الدولي:

                        من خلال هذا الانسحاب، ترسل السلطة رسالة مباشرة مفادها: "لا يمكن التعامل مع السودان كطرف مُدان في قفص الاتهام، بينما يغفل العالم عن الانتهاكات الممنهجة التي يمارسها المتمردون وحلفاؤهم من المرتزقة".

​الخلاصة:

                         إن قرار الانسحاب يعبر عن رغبة السلطة في الخروج من "مربع الدفاع الحقوقي" إلى "مربع السيادة الوطنية". ومع ذلك، تظل هذه الخطوة مقامرة استراتيجية؛ فبينما توفر "أكسجيناً تكتيكياً" للحكومة في معركتها الوجودية، فإنها تضع السودان أمام تحدي الحفاظ على قنوات اتصال دولية تمنع انزلاق البلاد نحو عزلة تامة. إن المعركة الحقيقية الآن ليست فقط في الميدان العسكري، بل في كيفية إدارة "أوراق القوة" السودانية — من موارد استراتيجية وموقع جيوسياسي — لانتزاع اعتراف دولي بدولةٍ لا تقبل الوصاية، وتبحث عن طريقها الخاص للتعافي بعيداً عن صخب أروقة جنيف.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

الغراب الذي حصد الجائزة

 عبد العزيز بركة ساكن: حينما يحلّق "الغراب" ليحصد الاعتراف العالمي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                      في مشهد أدبي يزداد فيه احتفاء العالم بالأصوات التي تكتب من "الهوامش" وتقتحم سكون السرد التقليدي، جاء فوز الروائي السوداني الكبير عبد العزيز بركة ساكن بجائزة "لور باتايون" (Prix Laure-Bataillon) لعام 2026 عن روايته "الغراب الذي أحبني" كأفضل رواية مترجمة إلى الفرنسية، ليؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: أن الإبداع الصادق هو الجسر الأقوى الذي يعبر الحدود.

​السرد الذي كسر الجدران

​                      لقد عرفتُ بركة ساكن منذ سنوات كواحد من أكثر الروائيين الذين أثاروا اهتمامي بجودة سردهم. ولطالما كان حلمي، مثل الكثيرين من محبي الأدب، أن أقتني رواياته بمجرد صدورها. لقد تابعتُ عبر السنوات كيف صنع بركة ساكن شهرته وانتشاره بفضل "قوة السرد" وحده، وبفضل قدرته الفائقة على التقاط نبض الطبقات المسحوقة.

​                        في روايته الشهيرة "الجنقو مسامير الأرض"، تلمسُ صدق تجربته في الانحياز للمهمشين، وهو ذات النفس الذي يستمر في أعماله اللاحقة وصولاً إلى روايته المتوجة بالجائزة "الغراب الذي أحبني"، والتي أثبتت مجدداً أن بركة ساكن لا يكتب للقراءة فقط، بل يكتب ليخلق عالماً موازياً يمتزج فيه الواقع بالقسوة بالجمال.

​لماذا هذا الفوز استثنائي؟

                     ​إن جائزة "لور باتايون" ليست مجرد جائزة عابرة؛ إنها شهادة دولية تُمنح للروائي ومترجمه معاً، مما يجعلها احتفاءً مشتركاً بالنص الأصلي وببراعة نقل روحه إلى لغة أخرى. وفوز رواية "الغراب الذي أحبني" بهذا التتويج يؤكد أن الأدب السوداني يمتلك "عالمية محلية"؛ فهو يحكي عن وجع الإنسان وتاريخه وتفاصيله الصغيرة، لكنه يلامس في الوقت ذاته قضايا الإنسان في كل مكان.

                       ​لقد نجح بركة ساكن في أن يجعل القارئ الفرنسي يرى العالم من خلال عدسته الخاصة، ليصبح الكاتب السوداني صوتاً مسموعاً في المشهد الثقافي العالمي، بعيداً عن صخب السياسة وتقلبات المواقف.

​رسالة أمل

                     ​اليوم، ونحن نحتفي بهذا الفوز، لا نحتفي فقط بعبد العزيز بركة ساكن كفرد، بل نحتفي بتجربة أدبية صمدت طويلاً. إن هذا التتويج هو استحقاق لموهبة لم تعتمد على غير إبداعها، وهو تأكيد بأن كل كلمة صادقة تُكتب بحرفية عالية ستجد طريقها يوماً ما لتضع صاحبها في صدارة المشهد العالمي.

​                      هنيئاً لبركة ساكن هذا الإنجاز، وهنيئاً للقراء الذين سيجدون في "الغراب الذي أحبني" صوتاً أدبياً لا يشبه إلا نفسه.

                    أشعر بسعادة عامرة وانا أرى هذا المبدع يقف على منصة التتويج العالمية ليؤكد ما كنت اؤمن به دائما أن جودة السرد هي الباقية. 

السبت، 27 يونيو 2026

الأبيض تفضح المجتمع الدولي

 عندما يتحول دور المؤسسات الدولية الكبرى من "منع الجريمة وفرض السلام" إلى مجرد "شاهد يوثق الكارثة قبل وقوعها"،

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                     انتهت امس جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة،للأزمة السودانية بمخرجات كشفت العجز البائن الذي احاط بأعلى مؤسسات الأمم المتحدة، واسوأ ما خرجت به تجسيدا لهذا العجز هو التحذير من وضع كارثي وشيك في مدينة الأبيض نتيجة للحصار والتحشيد الذي يقوم به الدعم السريع.

                       وجاء هذا التحذير بمثابة اعلان لسكان المدينة بأخلائها لتجنب الكارثة الوشيكة، وهو اعلان يأتي متناسقا مع تحوله الدرامي في وظيفته من مؤسسة معقود عليها منع الحروب وحفظ الأمن والسلم الي شاهد وموثق مستقبلي لكوارث عجز عن درءها بعد أن أصبح خاضعا لمعايير سياسية تهمها مصالحها وليس الحق والعدل.

                    التاريخ القريب والبعيد يثبت للأسف أن التعويل على الإرادة الدولية وحدها في غياب حراك حقيقي يفرض التغيير غالباً ما ينتهي ببيانات قلق لا تحمي طفلاً ولا توقف قذيفة، ومتى ما وقعت الكارثة تخرج علينا بحشد من الصياغات العاطفية حول سوء الأحوال الإنسانية،،

                  كان الله في عون الأبيض، وأهلها، وكل شبر في السودان يدفع ضريبة هذه الحرب العبثية. صمود الناس وتلاحمهم في الداخل يظل، رغم كل الوجع، هو جدار الصد الحقيقي والأخير.

الخميس، 25 يونيو 2026

اغتيال جون كينيدي

 ​بين مطرقة السرية وسندان الحقيقة: قراءة في أبعاد الإفراج عن ملفات اغتيال كينيدي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                        ​يحمل التاريخ في طياته أحداثاً فارقة لا تقف خطورتها عند لحظة وقوعها، بل تمتد لتشكل وعي الأمم وسلوك الأنظمة لعقود طويلة. ومن بين هذه الأحداث، يظل يوم الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1963، يوم اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، جرحاً غائراً في مفهوم العدالة السياسية الدولية، ونموذجاً صارخاً لكيفية تحول غياب الحقيقة إلى مهدد للاستقرار العالمي.

                         ​انطلاقاً من المبادئ الثابتة التي يجب أن تحكم النشاط الإنساني والسياسي، ناقشتُ سابقاً في مقال سابق بالمدونة بعنوان (اغتيال رئيس) قضية الاغتيال من زاويتين جوهريتين لا تنفصلان: ضرورة تحصين حياة القادة والرواد، وحتمية كشف الحقيقة وإنفاذ العقاب. واليوم، مع الخطوة التاريخية التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بالإفراج عن عشرات الآلاف من الوثائق السرية المرتبطة بالحادثة، نجد أنفسنا أمام فرصة حقيقية لإعادة قراءة المشهد وتقييمه.

​أولاً: 

تحصين القيادة كركيزة للاستقرار

                           ​إن مبدأ تحصين حياة الرؤساء المنتخبين والقادة الرواد ليس ترفاً سياسياً، بل هو صمام أمان للشعوب. عندما يُغتال قائد في وضح النهار ووسط حراسة مشددة، تنهار الطمأنينة العامة، وتصل رسالة مبطنة مفادها أن "العنف" يمكن أن يكون بديلاً لصناديق الاقتراع وللإرادة الشعبية. إن حماية القادة هي حماية للمؤسسات والديمقراطية نفسها من التغول والانهيار.

​ثانياً:

 مكافحة الإفلات من العقاب وإخفاء الحقيقة

                          ​إن الزاوية الثانية والأخطر في هذا الملف هي "آلية التعتيم". بمقتل المتهم الرئيسي (لي هارفي أوزوالد) بعد 48 ساعة فقط من الحادثة وأمام شاشات التلفزيون، دُفنت الحقيقة القضائية مبكراً، وحلّت محلها تحقيقات سياسية تركت خلفها ثقوباً سوداء.

​                           هنا تبرز القيمة الحقيقية لقرار دونالد ترامب بفتح هذه الملفات؛ ورغم أن الوثائق لم تأتِ بجديد صاعق يغير اسم المنفذ المباشر، ولم تؤيد فرضيات قديمة -مثل الفرضية البصرية المغلوطة التي اتهمت السائق بناءً على انعكاسات ضوئية في فيلم "زابرودر"- إلا أن الإنجاز الحقيقي لهذا الإفراج يكمن في إشاعة الطمأنينة وكسر جدار السرية. لقد كشفت الوثائق عن تقصير استخباراتي كارثي ومحاولات مؤسسية ممنهجة للتغطية على الفشل، مما يثبت صحة المخاوف من أن إخفاء الحقيقة لستة عقود كان بغرض حماية "الآلة العميقة" وليس حماية الأمن القومي.

​السينما والوعي: 

كيف صنعت الكلمة والفن الفارق؟

​                          لا يمكن قراءة هذا الملف دون استحضار التحفة السينمائية الأيقونية JFK (1991) للمخرج أوليفير ستون، وبطولة النجم القدير كيفن كوستنر (الذي أبدع أيضاً في فيلم The Bodyguard). في هذا الفيلم، جسد كوستنر شخصية المدعي العام الشجاع "جيم غاريسون"، وقدم مرافعة تاريخية فككت "الرصاصة السحرية" وحذرت من تحول الدولة إلى أجهزة سرية تدير الصراع خلف الستار.

​                        المفارقة الملهمة هنا هي أن هذا الفيلم ثوّر الرأي العام، وكان السبب المباشر في صدور قانون 1992 الذي استند إليه ترامب لاحقاً للإفراج عن الوثائق. وهذا يثبت أن الفن والكلمة المكتوبة يمتلكان قوة تغيير القوانين وإجبار القوى العظمى على الانصياع للشفافية.

​خلاصة:

 ثورة الإنترنت وعصر اليقظة الشعبية

                         ​إن الخوف الحقيقي الذي صاحب اغتيال كينيدي هو أن يتحول الاغتيال والتعتيم إلى آلية معتمدة في الصراع السياسي، تُستخدم عبر الأجهزة السرية محلياً وخارجياً في الخلافات مع الدول الأخرى.

                       ​لكن عزاءنا اليوم، ومصدر قوتنا، هو أننا نعيش عصر الإنترنت ـ أعظم ثورات عالمنا المعاصر ـ التي سحبت بساط احتكار المعلومة من الغرف المغلقة. بفضل اللامركزية الرقمية، والتوثيق اللحظي، والمنصات الحرة، تحولت شبكة الإنترنت إلى سلطة شعبية قادرة على إحاطة أوكار التآمر والجريمة بالمخاوف، وشلّ قدراتها على طمس الحقائق. لم يعد بإمكان أي جهة صياغة رواية زائفة وفرضها على العقول؛ فالوعي الشعبي اليوم، المسلح بالمعرفة والمبادئ، بات هو الحصن الحقيقي لحماية المستقبل وكشف خبايا الماضي.

السبت، 20 يونيو 2026

فواتير الدم والغاز

 فواتير الدم والغاز: عندما يقود "القطيع الدولي" أمن العالم نحو الهاوية

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مع جيميني 

                          ​لم يكد الحبر يجف على مقالنا بالأمس، ولم يكد العالم يتنفس الصعداء لساعات معدودات ظنّاً بأن حريق لبنان قد وُضع على سكة الإخماد الدبلوماسي، حتى عادت الآلة العسكرية الإسرائيلية لتشعل الحريق ثانية، وبضراوة غير مسبوقة نفثت حممها في أرجاء الجنوب اللبناني. هذا الانفجار المتجدد لم يحرق مسودات الاتفاق فحسب، بل دفع بالمنطقة سريعاً نحو "العصر الحديدي" للمواجهة المباشرة، بعد أن اضطرت إيران لإشهار أقصى أوراق الضغط الإستراتيجية وأغلقت مضيق هرمز، الشريان الحيوي لعصب الاقتصاد العالمي.

                        ​أمام هذا المشهد المتفجر، يبرز السؤال الوجودي والأخلاقي الحارق: إلى متى يظل هذا العالم عاجزاً، ومشلول الإرادة، ومكبوتاً عن كبح جماح العدوان الإسرائيلي المزمن على جيرانه؟

​                   عصر اليوم، خرج نائب الرئيس الأمريكي بتصريحات باردة تتحدث عن "القدرة على الحفاظ على وقف إطلاق النار ومواصلة المفاوضات"، وهي تصريحات تبدو في ضوء الغارات المستعرة إما استخفافاً بالعقول، أو دليلاً فاضحاً على فجوة عميقة بين أقوال البيت الأبيض وأفعال تل أبيب. إن واشنطن والقوى الكبرى يمتلكون كافة أدوات الضغط واللجم، من السلاح إلى المال إلى الفيتو، لكنهم يفتقرون تماماً إلى الإرادة السياسية والأخلاقية لاستخدامها، مما منح إسرائيل حصانة دائمة لتجاوز كل الخطوط الحمر والعبث بأمن الكوكب.

                       ​إن المفارقة الصادمة والظالمة في هذه الحروب الإقليمية، هي أن النخب السياسية والعسكرية تدير الصراعات عبر "أزرار عن بعد" من داخل غرف مكيفة، بينما الفواتير الباهظة والقاتلة تُدفع من أقوات وجيوب وعظام الفقراء والمستضعفين في بلدان أخرى قد تكون بعيدة عن مركز النيران.

​                        كيف نفهم، بلغة الإنسانية والعدل، أن يرتد هذا التصعيد الجنوني فوراً غلاءً يطحن بيوتنا هنا في السودان؟ كيف يستقيم عقل العالم بينما يقف المواطن البسيط مذهولاً أمام أسطوانة غاز تجاوز سعرها عتبة المائة ألف جنيه سوداني، في وقت لا يتقاضى فيه المعاشي والمتقاعد ـ الذي أفنى عمره في خدمة المجتمع ـ معاشاً شهرياً يقف عاجزاً عند حدود الخمسين ألف جنيه؟ هذه ليست مجرد أرقام، هذه هي "الكتمة الاقتصادية" الرهيبة التي تحول حياة الملايين إلى جحيم، لمجرد أن طرفاً واحداً في الشرق الأوسط يصر على إشعال الحرائق لفرض شروطه الإذعانية.

​                      إن أي محاولة تفكر فيها الولايات المتحدة أو حلفاؤها لفتح مضيق هرمز بالقوة العارية لن تكون نزهة بحرية، بل هي الوصفة المثالية لإحراق الخليج بأكمله وتدمير منشآت الطاقة، مما سيقود الاقتصاد العالمي إلى سكتة دماغية شاملة تضاعف أسعار المحروقات والأقوات إلى مستويات لا يمكن تخيلها.

                       ​إن خطوة إغلاق المضيق هي صرخة في وجه النفاق الدولي: "إذا أردتم غازاً ونفطاً رخيصاً، فاكبحوا جماح حليفتكم أولاً".

​لكن المنظومة الدولية الحالية، وللأسف الشديد، باتت تتصرف كـ "القطيع" الذي توجهه الرغبات الإسرائيلية حيثما تريد. فبدلاً من أن يتوجه المجتمع الدولي بقوته ونفوذه وجيوشه نحو منبع الأزمة الرئيسي في تل أبيب وينزع "مفتاح الحرب" من اليد الطاغية التي تعبث به، نراه يهرع لمعالجة الأعراض الجانبية مهدداً ومتوعداً، متجاهلاً البوصلة الأخلاقية.

                      ​نكتب اليوم لا لنسمع أصحاب الأزرار الذين يحركون الحروب عن بعد، فهم صمٌّ بكمٌ لا يسمعون إلا لغة مصالحهم، بل نكتب من أجل الوعي، ومن أجل المكتومين بنار هذه الحروب؛ لتسجيل موقف تاريخي يرفض أن تظل معايش العالم، وأقوات أطفاله، واستقرار بيوته، رهينة لغطرسة عسكرية لا تجد من يلجمها. إن العالم بحاجة إلى قوة عادلة تنزع مفتاح العبث من يد إسرائيل، قبل أن تدحرج الحرب القطيع الدولي بأكمله نحو الهاوية الكبرى.

الجمعة، 19 يونيو 2026

اخماد حريق لبنان

          بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني      

    في الازمة الإسرائيلية اللبنانية؛ 

 حدثت تطورات دراماتيكية متسارعة ومتطابقة  قبل قليل حيث كادت الأمور أن تنفجر بالكامل بسبب معادلة "الذرائع والعمليات الميدانية"، لكن الساعات الأخيرة حملت إعلاناً حاسماً.

​                     رصد لما جرى اليوم (الجمعة 19 يونيو 2026):

​1. الانهيار الصباحي: "حريق" كاد يعصف بالمفاوضات

                       ​شهدت ليلة أمس وصباح اليوم تصعيداً هو الأعنف، حيث شنت إسرائيل غارات مكثفة ضربت أكثر من 80 هدفاً في الجنوب والبقاع (أسفرت عن مقتل 21 شخصاً)، وجاء ذلك بذريعة الرد على مقتل 4 جنود إسرائيليين في اشتباكات بالجنوب، وهو ما اعتبرته تل أبيب "خرقاً لوقف النار" وحاولت توظيفه لفرض واقع ميداني جديد.

​هذا التصعيد كاد أن يعصف بالاتفاق الإقليمي الأكبر بالكامل:

​تجميد المحادثات: 

                         أبلغت إيران الوسطاء رسمياً بتأجيل وسحب وفدها من المحادثات السياسية الإستراتيجية التي كان مقرراً عقدها اليوم في سويسرا مع الجانب الأمريكي.

​الشرط الإيراني الحاسم: 

                         صرح نواب من حزب الله لوسائل الإعلام بأن طهران أبلغتهم بوضوح: "لا استمرار للمحاسبات أو التفاهمات مع واشنطن دون تطبيق كامل وفعلي لوقف إطلاق النار الشامل في لبنان".

​2. التدخل العاجل وإعلان التثبيت (دخل حيز التنفيذ)

​                     امام خطر الانهيار الكامل للمسار الدبلوماسي ومذكرة التفاهم (الأمريكية - الإيرانية) الموقعة قبل يومين، قاد وسطاء من الولايات المتحدة وقطر اتصالات مكثفة وعاجلة مع الأطراف كافة لإنقاذ الموقف.

​النتيجة الرسمية الآن:

                       ​أعلن مسؤول أمريكي رفيع لوسائل الإعلام (من بينها رويترز والوكالات العالمية) منذ قليل، أن إسرائيل وحزب الله وافقا رسمياً على التزام متجدد وصارم بوقف إطلاق النار، وقد دخل حيز التنفيذ بالفعل اليوم الجمعة تمام الساعة 4:00 عصراً بالتوقيت المحلي لبيروت.

​3. الوضع الميداني الحالي

​تراجع حدة النيران: تشير التقارير الميدانية إلى أن حدة القصف المتبادل والعمليات العسكرية قد تراجعت بشكل ملحوظ بعد الساعة الرابعة عصراً، وبدأ الهدوء الحذر يخيم على الجبهة مجدداً.

​الخطوة التالية: 

                      ما جرى اليوم هو "تثبيت طارئ" للهدنة لمنع نسف الطاولة، لتمهيد الطريق أمام الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة والمقرر عقدها في واشنطن في الفترة من 23 إلى 25 يونيو الجاري، لبحث ملفات الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش اللبناني، والوصول لاتفاق أمني مستدام.

​                        إسرائيل حاولت عبر تصعيد الساعات الماضية استغلال الثغرات والاشتباكات الميدانية لفرض واقع وشروط إذعانية جديدة، إلا أن الربط الإيراني الحاسم بين ملف لبنان والملفات الإقليمية الأخرى (مثل كعكة تفاهمات هرمز وغيرها التي تم الاتفاق عليها هذا الأسبوع) أجبر الأطراف الدولية على التدخل السريع للجم الاندفاعة الإسرائيلية وتثبيت الاتفاق في آخر لحظة.

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

اغطية النبي (٢)

 أغطيةُ النَّبيِّ: قراءةٌ متجدِّدةٌ في فِلْسَفَةِ الِهجْرةِ والتحوُّلاتِ الكُبْرى

​بقلم: محمد أيوب فضل الله

مع جيميني 

                    ​قبل نحو أربعة عشر عاماً، خططتُ على صفحات هذه المدونة (هاروناب) موضوعاً احتفائياً بالعام الهجري الجديد، واخترت له حينها عنواناً استقر في ذاكرتي: "أغطية النبي". وطوال السنوات الماضية، ظل يراودني إحساس خفيّ بأن ثمة قصوراً شاب ذلك التناول؛ فقد كانت الرؤية وقتها -ربما- مأخوذة بجماليات السرد العاطفي والروحي التقليدي. اليوم، ومع تقلبات الزمان واتساع مسافة الوعي، أجدني مدفوعاً لإعادة غزل ذلك المفهوم القديم، فالنص الذي لا ينمو بنمو صاحبه هو نص جامد، وذكرى الهجرة ليست مجرد تقويم يطوى، بل هي "بنية فكرية" متحركة تحتاج إلى تفكيك مستمر.

​                    ان "الغطاء" في الوجدان الإنساني والمأثور اللغوي ليس مجرد قطعة قماش، بل هو الستر، والأمان، والدفء، وعلامة التحول من حال إلى حال. وإذا أعدنا قراءة رحلة الهجرة النبوية من خلال فلسفة "الأغطية"، سنكتشف أنها لم تكن مجرد انتقال جغرافي هرباً من اضطهاد، بل كانت خطوة واعية لإعادة صياغة الوجود الإنساني والسياسي.

​أولاً: غطاء الفداء والتَّمويه الاستراتيجي

​                        تبدأ الهجرة بـ "غطاء مادي" يحمل أعمق دلالات التضحية؛ بردة النبي ﷺ التي تخفّى بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراشه. هذا الغطاء لم يكن مجرد ستر لجسد الفادي، بل كان "تمويهاً استراتيجياً" عبقرياً أربك حسابات الخصوم العسكرية والأمنية. إنه يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تنجح بالنوايا الروحية مجردة، بل بالتدبير الدقيق وإدارة الصراع بوسائل الذكاء السياسي والعسكري، حيث يصبح الغطاء هنا أداة لحفظ النواة الأولى للدولة.

​ثانياً: غطاء الغار.. انتصار اللامرئي والهش

​                       في غار ثور، يتجلى غطاء من نوع آخر: نسيج العنكبوت. وهنا نقف أمام مفارقة فلسفية وجودية عميقة؛ كيف يمكن لأوهن البيوت في الكون (بيت العنكبوت) أن يتحول إلى أمتن غطاء يحمي مستقبل أمة بأكملها؟

إن غطاء الغار يرمز إلى انتصار "اللامرئي" والضعيف مادياً عندما يستند إلى عمق روحي ويقين مطلق. لقد تحولت الهشاشة المادية إلى درع حصين أثبتت للخصوم أن حسابات القوة المادية العمياء تسقط دائماً أمام قوة الفكرة والرسالة.

​ثالثاً: غطاء المدينة.. من القبيلة إلى الأمة

​                        عندما وصل النبي ﷺ إلى يثرب، لم يكن يبحث عن مأوى شخصي، بل كان يبحث عن "غطاء اجتماعي وسياسي". لقد وفّر الأنصار هذا الدفء والحاضنة الشعبية لكيان غريب يبحث عن مستقر.

من تحت هذا الغطاء المديني، حدث التحول البنيوي الأكبر في تاريخ العرب؛ إذ تم الانتقال من "مفهوم القبيلة" القائم على وشائج الدم والعصبية الضيقة، إلى "مفهوم الأمة والدولة" القائم على الفكرة والعقد الاجتماعي الذي تمثل في (وثيقة المدينة). لقد صهرت الهجرة الهويات الوجدانية الضيقة لتصنع غطاءً جامعاً يتسع للتنوع ويؤسس للعدالة واستقرار المجتمعات.

​رابعاً: الهجرة كبُعْد وجودي وإنساني معاصر

​                       إننا إذ نستقبل العام الهجري الجديد، نرى الهجرة بعيون اليوم؛ عيون عالم تتقاذفه الصراعات وتبحث فيه شعوب بأكملها عن ستر وأمان. الهجرة في جوهرها هي "صناعة الأمل من رحم اللجوء والاضطرار". إنها الدرس الوجودي الأكبر الذي يعلم الإنسان أنه عندما تُغلق في وجهه الجغرافيا ويضيق به الموطن، فإن عليه ألا يستسلم للاستضعاف، بل ينطلق ليفتح بوعيه وإرادته آفاقاً جديدة في التاريخ.

                     ​لقد كانت "أغطية النبي" أغطية للستر، والتحول، وبناء المؤسسات، وزرع الأمل. واليوم، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى دثار من ذلك الوعي الهجري، لنعيد بناء مجتمعاتنا على قيم السلام، والفاعلية، والانتقال من الشتات إلى الاستقرار البنيوي.

                   ​كل عام وأنتم بخير، وعام هجري مبارك يفيض بالخير والسلام.

السبت، 13 يونيو 2026

نزع فتيل الفضيحة

 نزع فتيل الفضيحة: نحو فلسفة تنويرية للتحرر من الابتزاز

​بقلم: محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                      في مقالي السابق "خطفتها فضيحة"، المستوحى من جرح الشاعر محمود درويش، تفككنا معاً كيف تحولت "الفضيحة" من وصمة اجتماعية عابرة إلى سلاح جيوسياسي فتاك؛ أداة قهر واغتيال معنوي قادرة على تغيير مسار الحروب والسياسات الدولية، كما رأينا في توازنات القوى الأخيرة وتأثير "الملفات السوداء" على صناع القرار (ترامب والحرب على ايران). 

                     ​اليوم، نقف عند السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نتحرر من غواية هذا السلاح؟ وكيف نجرد الفضيحة من قدرتها على الابتزاز؟

​إذا تأملنا الخريطة الثقافية للعالم، سنجد أن البشرية انقسمت إلى مدرستين في التعامل مع هذا الوعاء المظلم: آلية غربية براديكاليتها، وآلية شرقية بقسوتها. وبينهما، تضيع إنسانية الإنسان المحاصر بخطئه.

​أولاً: الآلية الغربية.. تصفير العداد بإلغاء "الخطيئة"

                        ​أدرك العقل الغربي الحديث، والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة، أن أخطر ما في الفضيحة ليس الفعل ذاته، بل "السرية" التي تحيط به. السر هو البيئة الحاضنة التي يتنفس فيها المبتزون.

​لذلك، اعتمد الغرب استراتيجية "إلغاء الوصمة" (Destigmatization)، ونقل الفعل من الظلام إلى العلن. ولعل أبرز تجليات هذه السياسة هو دمج "المثلية الجنسية" في مصفوفة حقوق الإنسان الدولية. ورغم أن هذا الفعل يصطدم بالمنظومات الدينية والأخلاقية ، إلا أن الفلسفة الغربية جادلت بوجوده الطبيعي حتى في عالم الحيوان والحشرات، لتقدم له غطاءً قانونياً وحقوقياً.

​النتيجة؟ في المجتمعات الغربية اليوم، لم يعد هذا الفعل يشكل "فضيحة" صالحة للابتزاز السياسي أو الشخصي. لقد سُلط الضوء على الغرفة المظلمة، فمات المبتزون جوعاً لفقدانهم عنصر الصدمة. لكن الثمن الفلسفي كان باهظاً: لقد تم التحرر من الابتزاز عبر "تطبيع الفعل" وإلغاء مفهوم الخطيئة نفسه.

​ثانياً: الآلية الشرقية.. المقصلة التي تغذي المبتز

​        على الجانب الآخر، تعيش المجتمعات الشرقية والمحافظة في جلباب "المثالية الزائفة". هنا، يُنظر إلى الخطأ البشري بوصفه "خروجاً مطلقاً عن الملة أو الجماعة".

​في الشرق، نبالغ في جلد المخطئ، وننصب له المحاكمات الأخلاقية والشعبية على منصات التواصل وفي المجالس. هذا الحصار الاجتماعي العنيف جعل من "الستر" سيفاً ذا حدين:

​هو حماية للعبد، نعم.

​ولكنه تحول إلى "ثغرة ذهبية" ينفذ منها كل شيطان مبتز (سواء كان جهاز مخابرات، أو خصماً سياسياً، أو مجرماً إلكترونياً).

​الشرق، بقسوته على المخطئ، يقدم أكبر خدمة للمبتزين؛ فهو يخيّر الضحية بين الانصياع الأعمى للقهر، أو الانتحار المعنوي والجسدي

ثالثاً: الطريق الثالث.. تنوير مستوحى من "حجر" المسيح

​                     هل نحن مجبرون على الاختيار بين "تطبيع الخطأ" كما فعل الغرب، أو "تدمير المخطئ" كما يفعل الشرق؟

                    ​بالتأكيد لا. الطريق الثالث يكمن في صياغة "أطروحة تنويرية أخلاقية" تعيد الاعتبار لإنسانية الإنسان وضعفه الحتمي، دون المساس بمنظومة الحلال والحرام. طريق يتأسس على الكلمة الخالدة للسيد المسيح عليه السلام وهو يواجه حشداً يريد رجم امرأة:

​"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"

                     ​إن التنوير الحقيقي الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم، لحماية سياسييها ونخبها وشبابها من الابتزاز، يرتكز على ثلاث قواعد ذهبية:

                    ​نزع القداسة الزائفة:

                      أن يعترف المجتمع جمعياً بأننا لسنا ملائكة. الخطأ البشري حتمية، والاعتراف بالذنب والتوبة والندم هي أفعال تحررية شجاعة تطهر الإنسان وتمنحه حصانة نفسية ضد التهديد.

                     ​تحويل الغضب الأخلاقي: 

                    يجب أن يتوقف المجتمع عن جلد "الضحية المخطئة"، وأن يوجه جام غضبه وقوانينه لـ "المبتز ومغتال الشخصية". الخطيئة الشخصية شأن بين العبد وربه (ورحمته وسعت كل شيء)، أما الابتزاز فهو جريمة ضد الإنسانية والمجتمع.

​                 الأمان الروحي كدرع سياسي:

                لو علم كل مسؤول أو فرد أن مجتمعه سيحميه من الابتزاز إذا قرر الاعتراف بخطئه وتصحيحه، لما رأينا قادة دول ينصاعون لأجندات تدميرية لمجرد "تغطية فضيحة شخصية".

​خاتمة

​                    إن العالم اليوم يعاني من جفاف روحي مرعب. الغرب قتل الفضيحة بقتل "الأخلاق"، والشرق أحيا الفضيحة بقتل "الرحمة".

​                      إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تؤمن بأن الإنسان لو جاء خالقه بتراب الأرض خطايا ثم استغفر وتأب لغفر له. وعندما نُهيكل مجتمعاتنا على ثقافة "الرحمة والمواجهة الحرة" بدلاً من "الرعب والإنكار"، يومها فقط.. سيسقط سلاح الابتزاز، وتسترد البشرية نظرتها التي خطفتها الفضيحة.

الجمعة، 12 يونيو 2026

بين جمر امدرمان وظلال هرمز

 بين جمر أم درمان وظلال هرمز: كيف تطبخ "الرايات الكاذبة" في الهجير؟

​بقلم: محمد أيوب فضل الله

مع جيميني 

                       ​تلامس مؤشرات الحرارة في أم درمان هذه الأيام عتبة الأربعين درجة، وهو هجير لا يكتفي بإحراق الوجوه، بل يكاد يذيب القدرة على التفكير الهادئ في بلدٍ أُلفت فيه صراعات السياسة فوق صفيح ساخن. يُعيدنا هذا الطقس اللاهب إلى الملاحظة النفسية العميقة التي سجلها الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل في أعقاب فشل انقلاب هاشم العطا صيف عام 1971؛ حين أشار — في سياق رصده لقطارات الإعدامات السريعة والمشحونة التي طالت القيادات المدنية والشيوعية، ورغم التدخل السوفيتي المستميت عبر القاهرة لكبح جماحها — إلى أن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة بعد منتصف النهار في السودان، يصحبُه بالضرورة غليان عاطفي وتوتر نفسي، يطمس معالم التفكير العقلاني العميق، ويجعل القرارات الكبرى تُطبخ على جمر الانفعال والاندفاع لا على نار الحكمة الهادئة.

​                       بيد أن هذا "الطهي العسكري" المتسرع تحت وطأة الهجير والأزمات، ليس حكراً على جغرافيا بعينها، بل هو أداة نظامية عابرة للزمن، تُستدعى بدقة في مطابخ الاستراتيجيات الدولية كلما أريدَ تمرير قرار عسكري مصيري دون منح الرأي العام فرصة للتفكير بهدوء وعمق. وما يحدث اليوم في مياه مضيق هرمز اللاهبة عسكرياً وسياسياً، ليس سوى استنساخ معاصر لآلية "صناعة الذهول" التي تُبنى عليها عمليات "الرايات الكاذبة" (False Flags).

​                     من "ليبيرتي" 1967 إلى "الأباتشي" 2026: الآلية ذاتها

                      ​في يونيو من عام 1967، كانت إسرائيل بحاجة إلى غطاء أمريكي كامل لاندفاعتها العسكرية، وضمان تحييد واشنطن ومنعها من اتخاذ موقف صارم كالذي اتخذته إدارة أيزنهاور في العدوان الثلاثي عام 1956. هنا برزت حادثة السفينة الأمريكية "يو إس إس ليبيرتي" (USS Liberty)؛ ورغم أنها لم تكن سفينة قتالية، بل سفينة أبحاث وتجسس إلكتروني، فقد تعرضت لهجوم إسرائيلي منسق وقاتل. كانت الفرضية الأكثر جلاءً خلف هذا الهجوم — بعيداً عن التبرير الدبلوماسي اللاحق بـ "النيران الصديقة" — هي إغراق السفينة بالكامل ونسب الجريمة إلى مصر، لجر واشنطن كشريك دموي في الحرب، أو على الأقل تعمية الرادارات الأمريكية وحجب المعلومات عنها لمنعها من لجم الهجوم.

                       ​اليوم، وبعد عقود، تتكرر الهندسة ذاتها في مضيق هرمز. سقطت مروحية "أباتشي" أمريكية،  وقبل أن يصدر أي إعلان فني أو تحقيق مستقل، وفوق ذلك كله: دون أي تبنٍّ أو إعلان رسمي من طهران بتحمل المسؤولية، انطلقت الماكينة العسكرية الأمريكية في ردٍّ فوري وعنيف استهدف الرادارات والدفاعات الجوية الإيرانية.

​                       الهدف الاستراتيجي هنا واضح؛ خلق "شرعية عسكرية فورية" تفرض واقعاً ميدانياً جديداً، وتحرم الجميع — بما في ذلك مراكز القرار والبرلمانات — من رفاهية السؤال والتحقيق: من أطلق النار أولاً؟ وهل كان الحادث تصادماً تقنياً أم فخاً مدبراً؟

                     ​بنية الصمت: لماذا تبتلع الشاشات ألسنتها؟

​التساؤل الذي يفرض نفسه وسط هذا الهجير السياسي:

                      لماذا يصمت الإعلام السائد (Mainstream Media) ويتلعثم أمام احتمالات "الراية الكاذبة"؟

                       ​الجواب يكمن في بنية الإعلام المعاصر، الذي تحول في أوقات الحروب من أداة استقصائية تبحث عن الحقيقة إلى ترس في ماكينة "صناعة الموافقة" (Manufacturing Consent). في لحظة الاشتباك، يتم استدعاء عقيدة "الأمن القومي" الصارمة، ليتحول الإعلام إلى ناقل رسمي لبيانات البنتاغون والقيادة المركزية. يصبح التشكيك في الرواية الرسمية أو طرح أسئلة عميقة بمثابة "خيانة" أو إضعاف للجبهة الداخلية، تماماً كما ابتلعت الإدارة الأمريكية كبرياءها عام 1967 وأغلقت ملف "ليبيرتي" حماية لتحالفاتها العليا.

​                      علاوة على ذلك، فإن تعقيد البيئة الاستخباراتية في مضيق هرمز وشح المعلومات المستقلة يجعلان الصحافة التقليدية عاجزة عن تقديم رواية بديلة، فتكتفي بالرواية الجاهزة التي تُقدم لها في غرف الإيجاز الصحفي، تاركةً الحقيقة لتكون — كالعادة — الضحية الأولى في المعركة.

​                     إن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يتبع النوتة الموسيقية ذاتها. بين حرارة الصيف التي تُعطل التفكير الهادئ، وبين حرارة المعارك الجيوسياسية التي تُتخذ قراراتها في غرف مغلقة، تظل "الراية الكاذبة" السلاح الأكثر فتكاً لتوجيه الشعوب نحو حروب لم تكن تريدها، ويظل الصمت الإعلامي هو الستار الكثيف الذي يُحجب خلفه الحقيقة، حتى تضع الحرب أوزارها وتصبح مجرد سطور في مذكرات المؤرخين.

الاثنين، 8 يونيو 2026

اكتمال سيناريو العزل ام التقسيم

 بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                        البيان المشترك لامريكا وفرنسا والمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والايقاد والجامعة العربية الداعم للمبادرة الخماسية ، رغم القوة التي يتمتع بها كاكبر كتلة دولية أعلنت اهتمامها بالشأن السوداني الا ان بيانها تعمد الصمت عن "أسماء الكيانات" الممنوعة لتسهيل جمع الأطراف، لكن هذا "الغموض البنّاء" دولياً سيتحول إلى "لغم حقيقي" محلياً بمجرد بدء اللجنة الخماسية في إرسال دعوات الحوار الفعلية وتحديد قوائم الحاضرين.

إذا فشلت اللجنة الخماسية في تجاوز "لغم الإقصاء" ولم تنجح في جمع القوى المدنية على طاولة واحدة، فإن المبادرة لن تتوقف فجأة، بل ستتحول ديناميكيتها إلى مسارات بديلة ومقلقة، لأن المجتمع الدولي يبحث عن "مخرج إجرائي" للأزمة ولا يملك رفاهية الانتظار المفتوح.

​في حال انسداد الأفق أمام حوار شامل، فإن مآلات المبادرة الخماسية تتلخص في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

​1. سيناريو "بمن حضر" (الشرعية الواقعية)

​إذا أصرت قوى مدنية رئيسية (مثل تحالف تأسيس أو تقدم أو لجان المقاومة) على مقاطعة الحوار بسبب رفضها لوجود تيار النظام السابق، أو العكس، قد تلجأ اللجنة الخماسية إلى تفعيل خيار "منهجية بمن حضر".

​الآلية:

                   المضي قدماً في الحوار مع القوى المدنية والسياسية المرنة، والكتل المجتمعية، والرجالات الأهلية، والتيارات التي تقبل بالتسوية الصامتة.

​الخطورة:

                   هذا سينتج عنه "جسم مدني هجين" ضعيف الشرعية الشعبية والثورية، لكنه سيحصل على "صك اعتراف دولي" (De facto legitimacy) ليمثل الواجهة المدنية في أي مفاوضات لاحقة لوقف إطلاق النار.

​2. تجاوز القوى السياسية التقليدية نحو "تكنوقراط محليين"

​                       عندما ييأس المجتمع الدولي من النخب السياسية الحزبية وتناقضاتها، فإنه يميل عادة إلى تجاوزها بالكامل.

​الآلية:

                       قد تتجه الخماسية إلى صياغة مسار يركز على نقابات مهنية، كفاءات وطنية مستقلة في الداخل والخارج، وقيادات من مجتمعات النازحين واللاجئين، وصياغة "ميثاق فني لإدارة الدولة" (تكنوقراط) بعيداً عن المحاصصة الحزبية. 

​الخطورة:

                     هذا المسار سيواجه حرباً شعواء من كل الكتل السياسية (اليمينية واليسارية على حد سواء) التي ستشعر أن البساط قد سُحب من تحت أقدامها.

​3. العودة إلى "المقاربة الأمنية الصرفة" وتجميد المسار المدني

​                     فشل جمع المدنيين سيعزز السردية القائلة بأن "الأزمة السودانية أزمة عسكرية بالأساس، وأن المدنيين غير جاهزين للحكم".

​الآلية:

                     سيتحول ثقل الضغط الدولي من "اللجنة الخماسية والمنابر المدنية" العريضة، ليعود وينحصر في غرف مغلقة ومنابر أمنية وعسكرية صِرفة (مثل منبر جدة أو قنوات التواصل الاستخباراتية المباشرة)، للتركيز فقط على ترتيبات وقف إطلاق النار، وتقسيم مناطق النفوذ، وإيصال المساعدات الإنسانية.

​الخطورة: 

                      هذا المآل يعني عملياً تأجيل أو تجميد حلم الانتقال الديمقراطي المدني إلى أجل غير مسمى، والقبول بالأمر الواقع العسكري كقائد وحيد للمرحلة.

​📌 خلاصة:

                       الفشل في جمع القوى المدنية بسبب شروط الإقصاء المتبادلة لن يعاقب المجتمع الدولي، بل سيعاقب "القوى المدنية نفسها". سيفقدها القدرة على قيادة الشارع وتشكيل المستقبل، ويمنح الأطراف العسكرية والدولية المبرر الكامل لتجاوز الأحزاب وصناعة تسوية فوقية تفرض فرضاً.

                   ويجب الا يغيب عن وعينا ان ثمة أساسات لفصل جغرافي قد وضعت فيما يختص بالملف الأمني الإنساني حسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي في المؤتمر السنوي للخارجية الأمريكية، وهي أساسات صالحة لتقسيم سياسي 

السبت، 6 يونيو 2026

عراك النخب الصفري

         عراك النخب الصفري؛ عندما يهدد البديل الدولي بعزل السياسة في السودان

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

              لا توجد إحصائية رسمية تحدد رقماً ثابتاً ونهائياً لجميع المبادرات التي طُرحت لحل الأزمة السودانية، نظراً لتعدد المسارات الإقليمية، الدولية، والمحلية، فضلاً عن تداخل الأزمة وتطورها من مرحلة الانتقال السياسي (ما قبل أبريل 2023) إلى مرحلة الحرب الحالية.

​                    ومع ذلك، رصدت التقارير والمراكز الدراسية ما يزيد عن 9 إلى 10 مبادرات رئيسية وكبرى على المستويين الإقليمي والدولي، إلى جانب عشرات المبادرات والنداءات المحلية والداخلية.

                    إن العقبة الأساسية التي واجهت هذا العدد الكبير من المبادرات لم تكن نقص الأفكار أو الحلول المطروحة، بل غياب الإرادة السياسية الكافية للتنفيذ من قبل أطراف الصراع، بالإضافة إلى تباين الأجندات وتعدد المنابر الذي أدى أحياناً إلى تشتيت الجهود الدولية بدلاً من تكاملها.

                   فالي متى يستطيع المجتمع الدولي اذا جاز التعبير الصبر على هذا العراك الصفري للنخب السياسية السودانية؟

                    ثمة سيناريو يتراءي في أفق هذا الوضع المأزوم يبدو أفضل الحلول لهذه الازمة ويتلخص في الاتي؛ 

                 ١/ عزل الملف الإنساني والأمني من النخب السياسية وقصره على الجيش والدعم السريع وقد بدا هذا السيناريو واضحا في حديث وزير الخارجية الأمريكية الذي أشار فيه لتخصيص مدينتين لدي كل من طرفي النزاع لاستقبال وتوزيع الإغاثة وذلك خلال المؤتمر الصحفي السنوي. 

 ​٢/ الانتقال من "تسهيل الحوار" إلى "فرض الوصاية الإنسانية والأمنية":

                     إن هذا التوجه الدولي الأخير يحمل في طياته رسالة مشفرة، شديدة اللهجة، للنخب المدنية والسياسية السودانية؛ مفادها أن قطار المجتمع الدولي لن ينتظر طويلاً في محطة "الخلافات الحزبية والمحاصصات السياسية". فحينما تصبح الكارثة الإنسانية مهدداً للأمن الإقليمي والدولي، يسقط خيار "الانتظار" ويبدأ خيار "التجاوز".

​٣/ السيناريو البديل: عزل النخبة وتحييدها:

                     إن استمرار هذا العراك الصفري سيفضي حتماً إلى بلورة معادلة دولية جديدة تتعامل فقط مع "من يملك الأرض" و"من يحرك السلاح"، مما يعني حصر العملية التفاوضية في شقها العسكري والإنساني الصرف، وإلقاء المكون السياسي والنخبوي خارج التاريخ وخارج غرف صناعة القرار. هذا السيناريو لن يقود إلا إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع (امراء الحرب)، وتحويل السودان إلى كانتونات معزولة تُدار بالإغاثة والممرات الآمنة، بينما تكتفي النخب السياسية بمقاعد المتفرجين في عواصم المنفى.

​خاتمة كرت الضغط الأخير:

​خلاصة القول:

إن المبادرات الدولية لن تظل تلوح بجزرة "التحول الديمقراطي" إلى الأبد في ظل تعنت أعمى. إن على النخب السياسية السودانية أن تدرك -قبل فوات الأوان- أن الصبر الدولي قد نفد بالفعل، وأن البديل القادم لن يكون طاولة حوار جديدة يتبادلون فيها الاتهامات، بل سيكون "تجاوزاً كاملاً لخطابهم السياسي" وعزلاً لملف الأزمة عن أيديهم.

​الخيار اليوم أمام هذه النخب يتلخص في معادلة واحدة: إما الاستفاقة العاجلة وإنتاج إرادة وطنية موحدة تفرض حلاً سياسياً شاملاً، أو الاستعداد لسيناريو "التهميش الإقليمي والدولي" حيث يُدار السودان بالبندقية والإغاثة... بعيداً عنهم تماماً. . 

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

عتمة المنصات وفراغ المقاعد

    قراءة في غياب أمريكا والقوي الفاعلة كالاسلاميين وحلفائهم عن الخماسية المزمع انعقاد اجتماعاتها باديس ابابا. 

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                  تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية 

تاريخاً طويلاً ومعقداً من التشابك الإداري والمؤسسي لمدارس الدبلوماسية الأمريكية مع الملف السوداني منذ عقود.

​الغياب هنا لا يعني مجرد مقعد شاغر، بل يعني غياب حزمة من الأدوار البنيوية التي كانت تمنح هذه المنصات حركتها، وتكامل هذا الغياب مع تغييب القوى المحلية الفاعلة (ومن بينها التيار الإسلامي) يخلق فراغاً يمكن إضاءته عبر النقاط التالية:

​1. غياب "الذاكرة المؤسسية" للملف

​                      الولايات المتحدة ليست مجرد قوة عظمى تملك حق الفيتو أو أدوات الضغط المالي؛ هي تملك "الأرشيف الأعمق" لتفاصيل الهوية السياسية السودانية وصراعاتها منذ أواخر الثمانينات.

​                        واشنطن هي من قادت وقرأت تفاصيل مسار "الإيقاد" الذي أفضى إلى اتفاقية السلام الشامل (CPA) في 2005، وعايشت عن قرب تحولات بنية الحكم الإسلامي في السودان وتناقضاته الداخلية، وخبرت طبيعة النخب السياسية والعسكرية السودانية بمختلف توجهاتها.

​                      غياب هذا الثقل المعرفي والمؤسسي عن طاولة الخماسية يحرم المنصة من "مهندس تاريخي" يدرك تماماً أين تقع الألغام في أي نص سياسي، وما هي الصيغ التي يمكن أن تقبلها الأطراف السودانية بناءً على تجارب العقود الثلاثة الماضية.

​2. تراجع "الضامن الدولي الأوحد" والغطاء الدبلوماسي

​                      في العرف الدبلوماسي، وجود أمريكا داخل أي منصة يمنح المخرجات ما يمكن تسميته بـ "صك الاعتراف الدولي".

​                      القوى السياسية السودانية، بمختلف لافتاتها، كانت تاريخياً ترى في المقعد الأمريكي وسيلة لضمان أن ما يتم الاتفاق عليه سيمر عبر أروقة مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الكبرى.

​غياب هذا الوجود يجعل منصة الخماسية تبدو وكأنها تتحرك في مسار "محلي/إقليمي" معزول، يفتقر إلى المظلة الدولية التي تحمي أي تفاهمات سياسية مستقبلية وتمنحها صفة الديمومة.

​3. معضلة "الفراغ الهيكلي" في غياب القوى الفاعلة (الإسلاميين نموذجاً)

​                     على الجانب الآخر من المعادلة، فإن إضاءة غياب القوى الفاعلة على الأرض، وبشكل خاص التيار الإسلامي والمجموعات المرتبطة ببنية الدولة والجيش، تكشف عن معضلة موضوعية:

​انقطاع شبكة الاتصال الواقعية:

                   أي منصة سياسية تهدف إلى صياغة مستقبل السودان تحتاج إلى "خطوط إمداد" مفتوحة مع مراكز القرار الحقيقية. تغيب هذه الكتلة يحول النقاش داخل الخماسية إلى حوار يدور في جزر معزولة، حيث يغيب الطرف الذي يملك القدرة على تحويل الأفكار السياسية إلى واقع ملموس داخل مؤسسات الدولة أو على جبهات العمل الميداني.

​غياب الشريك الصعب:

                       في أدبيات حل النزاعات، التفاوض الحقيقي لا يتم مع المتطابقين في الرؤية، بل مع "الخصم الصعب" الذي يملك أدوات التأثير. غياب هذا المكون يسقط من المنصة صفتها "التفاوضية" ويجعلها أقرب إلى منصة لتنسيق المواقف بين أطراف متجانسة أصلاً.

​بإيجاز هادئ:

غياب أمريكا يسحب من الخماسية "الذاكرة والغطاء الدولي"، وتغييب القوى الفاعلة كالإسلاميين يسحب منها "الواقعية والاتصال بالأرض". هذا الفراغ المزدوج يجعل المنصة تتحرك في عتمة سياسية، حيث المخرجات المحتملة لا تجد ظهيراً دولياً يتبناها، ولا سنداً محلياً قادراً على تمثيل بؤرة القرار الحقيقي في السودان.

عار الجيش الإسرائيلي

       إدراج الجيش الإسرائيلي في قائمة العار وما يعنيه هذا الادراج. 

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

          إدراج الأمين العام للأمم المتحدة للقوات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في "قائمة العار" السنوية للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يُمثل بالفعل تحولاً دبلوماسياً وقانونياً لافتاً، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية الأدوات القانونية والاقتصادية المتاحة للمجتمع الدولي في مواجهة مثل هذه الجرائم.

​                     مسألة "كفاية" العقوبات المقترحة (مثل حظر الأسلحة، العقوبات الذكية، وتعليق الاتفاقيات التجارية) يمكن قراءتها من خلال مستويين: الأثر المباشر والأثر الاستراتيجي بعيد المدى.

​1. من المنظور الردعي والعملي (هل تكفي لوقف الجرم؟)

​                     يرى الكثير من الخبراء القانونيين والحقوقيين أن هذه العقوبات —رغم قوتها النظرية— غالباً ما تواجه عقبات تجعل أثرها الفوري دون مستوى الجرم، وذلك لعدة أسباب:

​غياب الإلزام التلقائي؛ 

                     إدراج أي دولة في تقرير الأمم المتحدة السنوي للعنف الجنسي يُعد آلية "لتسمية المخالفين وتشهيرهم" (Naming and Shaming)، ولكنه لا يفرض عقوبات تلقائية. تحويل هذا الإدراج إلى إجراءات عقابية ملزمة يتطلب قراراً من مجلس الأمن الدولي، وهو ما يصطدم عادة بحق النقض (الفيتو) من الدول الحليفة (كالولايات المتحدة).

​الاعتماد على الإرادة الفردية للدول:

                           الإجراءات مثل وقف بيع الأسلحة أو تعليق الاتفاقيات التفضيلية تظل خاضعة لقرارات سيادية فردية لكل حكومة على حدة. طالما أن الدول الموردة الرئيسية للأسلحة أو الشركاء التجاريين الكبار لا يتخذون خطوات فعلية، فإن أثر العقوبات يظل محدوداً اقتصادياً وعسكرياً.

​الالتفاف على العقوبات الاقتصادية:

                       تاريخياً، أثبتت العقوبات التجارية أو الاقتصادية أنها تستغرق وقتاً طويلاً لإحداث تغيير في سلوك الدول، وغالباً ما تجد النظم السياسية والعسكرية وسائل للالتفاف عليها أو امتصاص صدماتها.

​2. من المنظور السياسي والقانوني (القيمة الاستراتيجية للعقوبات)

​رغم عدم كفايتها المادية المباشرة، إلا أن فرض مثل هذه العقوبات أو حتى السعي نحوها يحمل أبعاداً لا يمكن الاستهانة بها:

​نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية:

                      إدراج قوات رسمية لدولة ما في قائمة تضم تنظيمات وجماعات مسلحة يجرّد تلك القوات من غطائها الأخلاقي دولياً، ويجعل من الصعب على الحكومات الغربية الدفاع عن استمرار شراكتها معها أمام الرأي العام الداخلي.

​تأسيس أرضية للملاحقة الجنائية:

                      تساهم التقارير الأممية الموثقة في تعزيز ملفات التحقيق المفتوحة أمام جهات العدالة الدولية مثل محكمة الجنايات الدولية (ICC) ومحكمة العدل الدولية (ICJ). العقوبات هنا لا تُعتبر حلاً نهائياً، بل أدوات ضغط موازية للمسار القضائي لإنهاء "ثقافة الإفلات من العقاب".

​التأثير على عقود التسلح المستقبلية: 

                     حتى بدون قرار ملزم من مجلس الأمن، فإن تصنيف القوات العسكرية كأطراف تمارس العنف الممنهج يرفع الكلفة السياسية والقانونية على الشركات والحكومات التي تستمر في تصدير التقنيات العسكرية إليها، نظرًا للقوانين المحلية في بعض الدول (مثل قوانين لوائح التصدير في الاتحاد الأوروبي أو قانون "ليهي" في أمريكا) التي تحظر دعم وحدات عسكرية متورطة في انتهاكات جسيمة.

​خلاصة القول:

                 العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وحظر السلاح ليست كافية بمفردها كمقابل لجسامة الجرم من الناحية الإنسانية والأخلاقية، لكنها تظل أدوات لا غنى عنها لتضييق الخناق السياسي، ورفع تكلفة الانتهاكات، وتهيئة الظروف لمساءلة قانونية حقيقية قد لا تظهر نتائجها سريعاُ ولكنها تؤسس لمرحلة جديدة من الملاحقة الدولية.

الخميس، 28 مايو 2026

كمال الجزولي


​كمال الجزولي: تفكيك النص وتشييد الموقف – عندما يرتدي الناقد عباءة القانوني

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​1. مدخل: الحزن المرجأ والمثقف الشامل

​تأتي الكتابة عن الراحل المقيم كمال الجزولي كنوع من محاولة استرداد الأنفاس وسط غبار الحرب واللجوء والمنافي الفاجعة؛ فالموت الذي غيّبه في أرض مصر، لاجئاً من ويلات حرب التهمت الأخضر واليابس في وطننا، ترك غصّة في الحلق جعلت النعي المباشر ضرباً من المحال. كمال الجزولي لم يكن مجرد كاتب أو سياسي، بل كان قامة تتقاطع فيها دروب الفكر والشعر والقانون، حتى غدت شخصيته نسيجاً متفرداً عانى من شظف الاعتقالات والمطاردات، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن انحيازه للجمال والعدالة.

​2. جدلية الشاعر ورجل القانون: في ضوء أطروحة "ديريدا"

​حين نتأمل إسهامات كمال الجزولي في النقد الأدبي والفكري، يتبادر إلى الذهن مباشرة ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي "جاك ديريدا" في أطروحاته التفكيكية، من أن رجال القانون حين يشتغلون بالنقد الأدبي، يأتي منتجهم كأحد أقوى أنواع النقد وأكثرها تماسكاً.

​هذه "الصرامة القانونية" هي المحرك الخفي لقلم الجزولي الناقد. فالقانوني يُدرّب على تفكيك النص التشريعي، والبحث عن المسكوت عنه بين السطور، وتتبع الثغرات، وإعادة بناء الواقعة استناداً إلى القرائن اللغوية والمادية. عندما نقل الجزولي هذه العدّة المعرفية الصارمة إلى ساحة الأدب والنقد، لم يتعامل مع النصوص بعاطفة الشاعر وانفعاله الفوري فحسب، بل تعامل معها بمبضع الجرّاح وعين المحقق الصارم. لذا، تميزت مقالاته ودراساته ببنية حجاجية منيعة وتماسك منهجي يندر تكراره، محولاً النقد من "انطباعات تذوقية" إلى "بنية معرفية متماسكة".

​3. كمال الجزولي كاتباً وشاعراً: أثر السياسة والاعتقال

​لقد ظُلمت القامة الشعرية للجزولي بفعل الطغيان السياسي؛ فالرجل الذي وهب وقته للنضال في صفوف اليسار، ودفع ضريبة ذلك سنواتٍ من عمره خلف قضبان المعتقلات، حُرمت منه الساحة اللامعة للانتشار الشعري. دواوينه وكتاباته -التي قد يصعب العثور عليها أحياناً بسبب ظروف النشر والتوزيع السودانية المعقدة والملاحقات- تختزن صوتاً شعرياً ممتلئاً بالثورة والوعي الإنساني. إن "السياسة" هنا لم تكن خصماً للأدب، بل كانت المختبر الحقيقي الذي صهر تجربة الشاعر وصقل عقل الناقد.

​4. في فضاء المبدعين العرب: صلات ممتدة

​لم يكن الجزولي منغلقاً على الشأن المحلي، بل كان -بحكم دوره الفاعل في اتحاد الكتاب السودانيين- جسراً ممتداً بين الوجدان الثقافي السوداني وحركة الحداثة العربية. كانت تربطه صداقة وطيدة وعميقة بالشاعر الفذ "محمود درويش" وثلة من كبار المبدعين العرب، صلاتٌ لم تقم على العلاقات المجاملة، بل على وحدة الهم الإنساني والتحرري، والإيمان المشترك بـ "المقاومة بالجمال" في وجه القبح والشمولية.

​5. خاتمة: رحيل الجسد وبقاء المنهج

​رحل كمال الجزولي بعيداً عن أزقة الخرطوم وأم درمان التي أحبها ودافع عنها، ليموت غريباً كعادة الكبار في زمن الانكسار. لكن الإرث الذي تركه كمال، والنموذج الفكري الذي قدمه في المزاوجة بين صرامة القانون وعذوبة الشعر وتماسك النقد، يظل منارة هادية للأجيال القادمة. إنه الغائب الحاضر الذي فكك نصوص الاستبداد، وشيّد في قلوبنا وعقولنا مواقف لا تموت

الاثنين، 25 مايو 2026

بندول واشنطون


​بندول واشنطن: "فلسفة الهشاشة" وشلل الخيارات أمام طهران

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

                    ​تُقدّم السياسة الخارجية الأمريكية في شرق المتوسط والخليج العربي اليوم نموذجاً حياً لما يمكن تسميته بـ "فلسفة الهشاشة الاستراتيجية"؛ حيث تظهر القوة الأعظم في العالم، مدججة بأعتى ترسانة عسكرية، في حالة من التردد المزمن والتأرجح المستمر بين الوعيد العسكري الصارم والتهدئة الدبلوماسية المفاجئة. هذا المشهد يدفع الكثير من المراقبين إلى التساؤل: هل فقدت الإدارة الأمريكية السيطرة على قراراتها؟

​في الواقع، لم تفقد واشنطن السيطرة بالمعنى الحرفي، لكنها تعيش حالة من "شلل الخيارات". فالتردد الذي أصبح سمة ملازمة لسياساتها، خصوصاً في مواجهتها المحتدمة مع إيران، هو نتاج طبيعي لتصادم حسابات الردع التقليدية مع كلفة جيوسياسية واقتصادية باهظة غير محسوبة، يمكن تفكيكها عبر أربعة أبعاد بنيوية:

​أولاً: معضلة الردع وفخ الاستنزاف

​تبنت الإدارة الأمريكية الحالية عقيدة صلبة تقوم على "إعادة بناء الردع" عبر ضربات خاطفة وقاسية؛ تمثلت في عمليات عسكرية نوعية استهدفت القيادات الإيرانية مباشرة. لكن المعضلة التي واجهت واشنطن هي أن الردع لم يفضِ إلى الاستسلام، بل دفع طهران إلى خوض "حرب بقاء" غير متناظرة، شملت سلاسل إمداد الطاقة العالمية وعصب الملاحة في مضيق هرمز.

​هنا تجلت "فلسفة الهشاشة": فالإمبراطوريات الكبرى تبدو هشة عندما تعجز أدواتها الضخمة عن حسم صراعات هجينة. وجدت واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تلتهم تريليونات الدولارات، أو التراجع خطوة إلى الوراء عبر هدن مؤقتة ومفاوضات بالوساطة. هذا البندول المتأرجح ليس تراجعاً وظيفياً، بل هو محاولة بائسة للخروج من النفق دون إعلان الهزيمة.

​ثانياً: الاستقطاب الداخلي وكلفة "البلد المُنقسم"

​يعاني صانع القرار في البيت الأبيض من كوابح داخلية شرسة تعطل مرونة الحركة؛ إذ يتنازع القرار جناحان:

  • ​جناح الحسم العسكري: الذي يرى في أي مرونة أو تفاوض علامة ضعف تطيح بهيبة الدولة القائدة.
  • ​جناح التحذير الاقتصادي: الذي يستشعر فداحة الكلفة المالية (في وقت تتجاوز فيه ميزانيات الدفاع التكميلية عشرات المليارات)، ويخشى ارتدادات أسعار النفط والتضخم على الناخب الأمريكي.

​هذا التجاذب الداخلي الحاد يجعل القرار الخارجي يخرج مشوهاً ومتناقضاً: حشود عسكرية وتصريحات نارية في الصباح، وبحث حميم عن قنوات وساطة عربية وإقليمية في المساء.

​ثالثاً: جدار القوى الكبرى (الفيل في الغرفة)

​لم يعد الصراع أمريكياً-إيرانيّاً خالصاً، بل تحول إلى جبهة من جبهات إعادة تشكيل النظام الدولي. تدرك واشنطن أن الضغط المفرط الذي يهدد بانهيار النظام في طهران، سيدفع الأخيرة كلياً إلى الارتماء في أحضان المحور الشرقي (بكين وموسكو). التدخل الصيني الصامت — سواء عبر الدعم المالي أو تزويد طهران بمنظومات رصد متطورة — يمثل كابحاً جوهرياً؛ فالولايات المتحدة تخشى أن أي صدام واسع قد يفجر مواجهة مباشرة مع المصالح الصينية الحيوية، أو يدفع بكين للرد في جبهات أكثر حساسية كتايوان أو بحر الصين الجنوبي.

​رابعاً: فيتو الحلفاء وجغرافيا الخوف

​على الرغم من التقاء المصالح الظاهري بين واشنطن وحلفائها الإقليميين في كبح النفوذ الإيراني، إلا أن اشتعال النيران الفعلية على الأرض يغير الحسابات. الحلفاء الإقليميون، الذين تقع بنيتهم التحتية واقتصاداتهم النامية في مرمى النيران المباشرة، مارسوا ضغوطاً مكثفة خلف الكواليس لفرملة الاندفاع الأمريكي. لقد فضّلت العواصم الإقليمية فتح قنوات التهدئة لحماية أمنها القومي، مما حرم واشنطن من الغطاء الإقليمي والدبلوماسي اللازم لأي عمل عسكري واسع النطاق.

​خاتمة:

​إن التردد الأمريكي في ملف الصراع مع إيران ليس غياباً للقوة، بل هو انعكاس للفجوة الهائلة بين لغة التهديد السياسي (البروباغندا) وبين القدرة على تحمل التبعات الواقعية على الأرض. إنها اللحظة التاريخية التي تكتشف فيها القوة العظمى أن الهيمنة لم تعد شيكاً على بياض، وأن "الهشاشة" قد تصيب أعتى الجيوش عندما تصبح أدوات الحرب التقليدية عاجزة عن فك شفرة صراعات القرن الحادي والعشرين.

مشاركة مميزة

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                            ​تتجه الأنظار...