السبت، 11 أبريل 2026

عمي المراكز

 ​السودان: صراع "الشرعية الميدانية" و"الوصاية الدولية".. قراءة في برقية الخرطوم المنتظرة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد

                     في ستينيات القرن الماضي حدثت مفارقة دبلوماسية بارزة بطلها السفير الأمريكي بالخرطوم وصارت مثلا للتعبير عن غموض الأوضاع بالخرطوم وسرعة تقلباتها، وملخصها ان الخارجية الأمريكية إبان ثورة أكتوبر ١٩٦٤ استفسرت سفيرها بالخرطوم عن الأوضاع ومالات النظام القائم فكان رده ان الأوضاع مستقرة والنظام ثابت ومتماسك، وبعد وقت قصير ارسل برقية ثانية تفيد بتدهور الأوضاع وان سقوط النظام بات مرجحا، فاستفسرته الخارجية الأمريكية باي البرقيتين تاخذ في الحسبان عند تقييم الوضع في السودان فرد عليها بالاثنين معا.

                  هذه الواقعة التاريخية ليست مجرد مفارقة او نكتة سياسية بل هي تجسيد لما يسمى في العلوم السياسية ب(عمي المراكز) حيث تفشل الأجهزة الدبلوماسية الاستخباراتية من قراءة ما تحت السطح وتكتفي برصد القشرة.

المجتمع الدولي اليوم كالخارجية الأمريكية في العام ١٩٦٤ يتلقى برقيتين متناقضتين عن السودان. 

البرقية الأولى من مؤتمرات الخارج؛ 

                   تقول ان الدولة تلاشت وان الحل في نخبة مدنية منتقاة تفرض من فوق.

البرقية الثانية من واقع الأرض؛ 

                 تقول ان هنالك مؤسسات عسكرية مدنية ودفاعات شعبية وكتل تقليدية و شبابية تسهم في التكايا والخنادق متمسكة بكيان الدولة وترفض الوصايا.

                 الارتباك الدولي تجاه الازمة السودانية رغم قيامه بعدة محاولات لم تستقر بعد واخرها هذه المؤتمرات المتنقلة داخل أوروبا هذا الارتباك ناتح عن عجزه في اتخاذ قرار بناءا على إحدى البرقيتين لأنهم يدركون ان الواقع القديم (ما قبل١٥ أبريل) قد مات فعلا وان الواقع الجديد لم تكتمل ملامحه بعد ولكنه موجود في حراك الداخل.

                  نتيجة لهذا الارتباك ظلت الازمة السودانية تواجه ازدواجية غريبة جدا في تعامل المجتمع الدولي معها فعقب ثورة ديسمبر ٢٠١٩ تقبل أكثر النظم شذوذا على مر التاريخ، حكومة يرأسها مدني (عبد الله حمدوك) سيادتها في يد القائد العام للجيش، تعمل وفقا لوثيقة دستورية مضروبة ومحل تشاكس من اول يوم لأستلام السلطة. وسلطة بلا محكمة دستورية وبلا برلمان الي اخر منقصاتها المعروفة والتي أدت إلى سقوطها المحتوم بأنقلاب أكتوبر ٢٠٢١.

                  ذات المجتمع الدولي الذي قبل بتلك السلطة (الخلاقة) وبعلاتها الشاذة في تنافيها مع الديمقراطية رفض الانقلاب بحلفائه من الكتل المدنية وابقي على شرعية قائد الجيش.

                  وقد بدا واضحا ان المجتمع الدولي ذرائعي ألي حد ان تمسكه بالديمقراطية في رفضه للانقلابات يمكن التقاضي عنه اذا كانت السلطة في يد نخبة منتقاة من نخب المؤتمرات المتنقلة، وان قيام نظام ديمقراطي مثالي في هياكل لن يجد القبول اذا لم يساكن تلك الهياكل النخب المنتقاة.

                  هذا الارتباك الذي يسم تعامل المجتمع الدولي مع الازمة السودانية يضعه في قلب نظرية عمي المراكز فهو لا يرى أن بعض شباب ثورة ديسمبر يحارب مع الجيش في ميادين القتال وبعضهم يعمل في تنظيم أعمال التكايا لأنقاذ الجوعي الذين لم تسمح ظروفهم من مغادرة مناطق القتال وظلوا على هذا الجهد حتى الآن دون أن يتلقوا اي مساهمة من منظمة اممية او دولية وإنما جهد من القادرين والمغتربين وبعضهم ظل يعمل على إسكان النازحين في البيوت المهجورة.

                    هذه المجموعات التي أثرت البقاء في السودان للاسهام في إدارة شئونه طيلة زمن الحرب والي الان كفعل وطني أفضل من مطاردة مؤتمرات ينتظر مستضيفوها مصالحا خاصة.

                     السودان الان بين صراع الشرعية الميدانية و"الوصاية الدولية فهل من المرجح ان ينتظر العالم برقية الخرطوم الثالثة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...