المشاركات

مشاركة مميزة

كمال الجزولي

​كمال الجزولي: تفكيك النص وتشييد الموقف – عندما يرتدي الناقد عباءة القانوني بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​1. مدخل: الحزن المرجأ والمثقف الشامل ​تأتي الكتابة عن الراحل المقيم كمال الجزولي كنوع من محاولة استرداد الأنفاس وسط غبار الحرب واللجوء والمنافي الفاجعة؛ فالموت الذي غيّبه في أرض مصر، لاجئاً من ويلات حرب التهمت الأخضر واليابس في وطننا، ترك غصّة في الحلق جعلت النعي المباشر ضرباً من المحال. كمال الجزولي لم يكن مجرد كاتب أو سياسي، بل كان قامة تتقاطع فيها دروب الفكر والشعر والقانون، حتى غدت شخصيته نسيجاً متفرداً عانى من شظف الاعتقالات والمطاردات، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن انحيازه للجمال والعدالة. ​2. جدلية الشاعر ورجل القانون: في ضوء أطروحة "ديريدا" ​حين نتأمل إسهامات كمال الجزولي في النقد الأدبي والفكري، يتبادر إلى الذهن مباشرة ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي "جاك ديريدا" في أطروحاته التفكيكية، من أن رجال القانون حين يشتغلون بالنقد الأدبي، يأتي منتجهم كأحد أقوى أنواع النقد وأكثرها تماسكاً. ​هذه "الصرامة القانونية" هي المحرك الخفي لقلم الجزولي الناقد...

بندول واشنطون

​بندول واشنطن: "فلسفة الهشاشة" وشلل الخيارات أمام طهران بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                      ​تُقدّم السياسة الخارجية الأمريكية في شرق المتوسط والخليج العربي اليوم نموذجاً حياً لما يمكن تسميته بـ "فلسفة الهشاشة الاستراتيجية" ؛ حيث تظهر القوة الأعظم في العالم، مدججة بأعتى ترسانة عسكرية، في حالة من التردد المزمن والتأرجح المستمر بين الوعيد العسكري الصارم والتهدئة الدبلوماسية المفاجئة. هذا المشهد يدفع الكثير من المراقبين إلى التساؤل: هل فقدت الإدارة الأمريكية السيطرة على قراراتها؟ ​في الواقع، لم تفقد واشنطن السيطرة بالمعنى الحرفي، لكنها تعيش حالة من "شلل الخيارات" . فالتردد الذي أصبح سمة ملازمة لسياساتها، خصوصاً في مواجهتها المحتدمة مع إيران، هو نتاج طبيعي لتصادم حسابات الردع التقليدية مع كلفة جيوسياسية واقتصادية باهظة غير محسوبة، يمكن تفكيكها عبر أربعة أبعاد بنيوية: ​أولاً: معضلة الردع وفخ الاستنزاف ​تبنت الإدارة الأمريكية الحالية عقيدة صلبة تقوم على "إعادة بناء الردع" عبر ضربات خاطفة وقاسية؛ تمثلت في...

سيرة الجرح والارتحال

صورة
 مريم الأخرى: سيرة الجرح والارتحال بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​قراءة في تداخل الرمز واللحن ​                  تعد أغنية "مريم الأخرى" واحدة من أصعب وأجمل الأعمال الغنائية في تاريخ الموسيقى السودانية المعاصرة؛ فهي ليست مجرد "أغنية"، بل هي نص وجودي بأمتياز يبدو مدعاة للتعب ، استعار فيه الشاعر لغة التراث الديني ليصوغ بها مأساة الإنسان المعاصر. ​1. الميلاد من رحم الانكسار (الخطيئة المقدسة)                      ​تبدأ الجمالية من العنوان ذاته "مريم الأخرى". الشاعر هنا يتبرأ من الميلاد السهل المستقر، ويعلن انتماءه للمجدلية؛ تلك الشخصية التي غسلت أقدام التاريخ بدموعها. ​جمالية الرمز:                            عندما يقول "أنجبتني مريم الأخرى قطاراً وحقيبة"، فإنه يحول "الخطيئة" التاريخية إلى "فعل ولادة". هو يعترف بأنه ابن وطن مثقل بالجراح والخطايا، لكنه وطن يظل مقدساً بآلامه. ​اللحن:     ...

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

 بين "تفاهمات الكبار" وضغوط "الميدان": لماذا تعثر المسار السوداني الإثيوبي؟ ​بقلم: [ محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                     حين استقبلت الخرطوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ثم تبع ذلك اللقاء الهام في جيبوتي بحضور نائب رئيس مجلس السيادة السيد مالك عقار، والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله بصفته رئيساً للإيغاد، استبشر المراقبون بوجود "إرادة سياسية" قادرة على طي ملفات شائكة. لقد كانت تلك اللقاءات نجاحاً دبلوماسياً حقيقياً، حيث وضعت النقاط على الحروف في قضايا أمن الحدود والسيادة. ​ولكن، لماذا نرى اليوم عودة للتراشق الدبلوماسي واستدعاءً للسفراء؟ وهل كان ما نُشر عن "نجاحات عقار" مجرد تفاؤل عابر؟ ​١. دبلوماسية المواجهة الشجاعة ​                        الحقيقة التي يجب توثيقها هي أن الجانب السوداني، ممثلاً في مالك عقار، لم يذهب لتلك المفاوضات من باب "تجاهل الواقع"، بل ذهب وهو يضع ملف "الخروقات الأمنية والمسيرات" فوق الطاولة بكل صراحة. النجاح الذي ...

دبلوماسية العبور الكبير

 دبلوماسية العبور الكبير: قراءة في أبعاد زيارة د. كامل إدريس للفاتيكان ​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد مع جيميني                        ​في لحظة تاريخية فارقة، اتجهت أنظار العالم نحو "ساحة القديس بطرس"، حيث استقبل قداسة البابا لاوون الرابع عشر رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس. هذه الزيارة ليست مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل هي "قفزة استراتيجية" وشهادة ميلاد ثانية للسودان في قلب المنظومة الدولية، تنهي حقبة العزلة وتدشن عصر "السودان الجديد". ​أولاً: صك البراءة القانوني (تفكيك عقدة الإرهاب)                       ​لسنوات طويلة، حوصر السودان في زوايا "القوائم السوداء" وتهم الإرهاب التي ورثناها عن حقب أيديولوجية مظلمة. واليوم، تأتي هذه الزيارة لتكون رداً قانونياً صامتاً وبليغاً.                      ​إن استقبال أعلى سلطة روحية وأخلاقية في الغرب لرئيس وزراء السودان، والجلوس معه على طاولة المفاوضات، يعني بوضوح أن العال...

دبلوماسية الضرورة وانتزاع السيادة

 دبلوماسية "الضرورة" وانتزاع السيادة: كيف أعادت بورتسودان وجيبوتي ترتيب أوراق الإقليم؟ ​بقلم: محمد أيوب فضل الله مع جيميني                     ​بينما كانت الأنظار تتجه نحو الجبهات المشتعلة، كانت ثمة "معركة صامتة" تدور في غرف الدبلوماسية المكوكية بين بورتسودان، القاهرة، وجيبوتي. هذه التحركات التي بدأت بزيارة "خاطفة" لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وانتقلت بملفات ثقيلة مع رئيس مجلس السيادة إلى القاهرة، ثم تبلورت في "مطبخ الإيغاد" بجيبوتي عبر نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار؛ لم تكن مجرد بروتوكولات عابرة، بل كانت هندسة دقيقة لواقع سوداني جديد بدأنا نلمس نتائجه اليوم بعودة الروح لمطار الخرطوم الدولي. ​1. من "منصات العداء" إلى "بروتوكولات الأمان"                        ​لقد مثّل ملف "المسيرات" المجهولة العتبة الأصعب في العلاقة مع الجار الإثيوبي. وبقراءة فاحصة، نجد أن زيارة آبي أحمد لبورتسودان لم تكن "مبادرة حسن نية" مجردة، بل كانت استجابة لواقع أدركت فيه أديس أبابا أن استم...

سيمفونية الصمود

صورة
   سيمفونية الصمود.. قراءة في جماليات "أدب الصرخة" ​ بقلم: محمد أيوب فضل الله مع جيميني  ​لا تبدأ المقاومة بطلقة، بل تبدأ بـ "كلمة" تؤمن بحقها في الوجود، وبصوتٍ يرفض الاضمحلال أمام صخب الظلم. في هذا المقطع الذي أتشاركه معكم اليوم، نجد تجلياً فريداً لما يمكن تسميته "أدب الصرخة" ؛ حيث تتحول الأغنية والخطاب إلى وثيقة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتعيد صياغة مفهوم الكرامة الإنسانية. ​ جدلية الألم والأمل ​يرتكز الخطاب في هذا العمل على ثنائية لافتة؛ فهو لا يغرق في "الرثائية" أو البكاء على الأطلال، بل يستحضر الألم ليصنع منه قوة دفع. الكلمات التي تقول: "نرفع أصواتنا كما تُرفع المتاريس" ، تنقل "الصوت" من كونه أداة تعبير مجردة إلى "كتلة مادية" قادرة على الحماية والمواجهة. هنا، تصبح الكلمة هي الدرع، واللحن هو المتراس. ​ أنسنة القضية ورفض "التسليع" ​ثمة لمحة أخلاقية عميقة في التحليل الذي قدمه المقطع حين حذّر من "تحويل الألم إلى سلعة" . هذا النقد الموجه لمن يقتاتون على الحروب يعيد الاعتبار للإنسان ال...