تجارة كونية.. بين طفرة التقنية وآفاق الوجود
بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
في ديسمبر 2010، كتبتُ على مدونتي موضوعاً بعنوان «تجارة كونية»، وكان الباعث على إثارتي للموضوع في ذلك الوقت متابعة حدثين علميين بارزين: أولهما عودة إحدى المركبات المدارية وإحالة مكوك الفضاء إلى التقاعد، وثانيهما إجراء نحو 500 تجربة علمية متقدمة على متن المحطة الفضائية الدولية. كانت تلك البدايات التقنية تُعبر عن طفرة فارقة في مجال استكشاف الفضاء، وتدفع العقل الإنساني طوعاً للقفز من حدود الهندسة والمادة إلى رحاب السؤال الوجودي الكبير.
واليوم، مع عودة موضوع "الفضائيين" والأجسام المجهولة للسيطرة على وسائل الإعلام، وتصدر سباق الفضاء التجاري المشهد العالمي، نجد أن التساؤلات القديمة لا تزال تحمل الإثارة والغموض ذاته. إنها تضعنا في منطقة برزخية تجمع بين القلق والمخاوف من المجهول، وبين الفضول الإنساني المتقد لمعرفة ما إذا كنا وحدنا في هذا الكون الفسيح، أم أن ثمة مخلوقات أخرى تشاركنا هذا الملكوت بل وربما تتفوق علينا ذكاءً وخبرة.
أولاً: الشوق البشري والخطاب القرآني
إن توق الإنسان للبحث عن "الآخر" في أطراف الكواكب ليس مجرد شطحة من شطحات الخيال العلمي، بل هو انعكاس لرفض الروح الإنسانية للشعور بالعزلة والضآلة في صحراء المجرات المترامية.
وحين نستحضر النص القرآني، نجد إشارات لافتة تفتح آفاقاً واسعة للتدبر؛ فالحق تبارك وتعالى يخبرنا بأنه كرّم بني آدم وفضّلهم على "كثير" ممن خلق، مستثنياً القليل الذي ظل محل تفكر وتأمل. بل إن القرآن الكريم في خطابه لإبليس حين امتنع عن السجود لآدم يورد قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، وهو نص صريح يشير إلى وجود مراتب لمخلوقات عالية سامية الكنه والوجود. كما تتردد في الآيات إشارات متكررة إلى السجود والتسبيح والوعي المنسوب لأهل "السموات والأرض"، بما يؤكد أن عوالم الخلق أوسع بكثير من مدركاتنا الحسية المباشرة.
ثانياً: من التجربة الروحية إلى الهيمنة المادية
لا شك أن السباق الفضائي المعاصر، بملامحه التجارية والاستثمارية والصراعات الجيوسياسية على الموارد، قد ابتعد كثيراً عن المعنى الروحي والتأملي للكون؛ إذ أصبحت النظرة إلى أطراف المجرات محكومة بحسابات البورصة والجدوى الاقتصادية بدلاً من خشوع الوجدان أمام عظمة البارئ.
ولكن، وعلى الرغم من جفاف هذه المادية الصارمة، تظل الطفرات العلمية والإنجازات التقنية تخدم — بصورة غير مباشرة — ذات التوق المعرفي الأصيل؛ فهي توفر للعين والبصيرة البشرية أدوات جديدة لبلوغ ما أشار إليه القرآن الكريم حول اتساع السموات والأرض ودقة الخلق. إن كشف العلم عن أعماق الآفاق، حتى وإن تستر بدوافع تجارية، ينتهي دائماً بإيقاف الإنسان أمام محدوديته وعجزه، ليتحقق القول الإلهي: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
خاتمة
إن "التجارة الكونية" الحقيقية ليست هي تلك التي تقاس بأرباح الشركات أو سباق الدول للتسلح والتعدين في الفضاء، بل هي التجارة المعرفية والروحية التي يخوضها العقل البشري وهو يقرأ كتاب الله المنشور (الكون) في ضوء كتابه المسطور (القرآن). وسيظل الباب مفتوحاً أمام الإنسان، يبحث ويتأمل، ممتلئاً بالفضول والإجلال أمام عوالم "العالمين" التي لا تحيط بكنهها إلا إرادة الخالق العظيم.