المشاركات

مشاركة مميزة

الموتى الاحياء

 قراءة في قولة محمود درويش: "تنسى كأنما لم تكن" بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع ميتا  أولاً: صدمة العبارة   لم يقل درويش "ستموت". قال "تُنسى". فالموت الحقيقي عنده ليس توقف القلب، بل هو أن يصبح الاسم بلا صدى، وأن يمرّ الزمن فلا يلتفت أحد.   إنها قسوة ناعمة، لأن القاضي هنا هو الزمن وحده. لا محكمة، ولا حداد، هناك فقط نسيان. ثانياً: "كأنما لم تكن"   وهنا يكمن الوجع الأكبر. ليست "كأنك متّ" بل "كأنك لم تبدأ أصلاً".   كل الضحكات، وكل جلسات الشاي مع الأصدقاء، وكل الهوامش التي خططناها في الكتب، وكل الأحاديث التي دارت في جوف الليل... كل ذلك يتبخر.   فتتساءل النفس: إذن، لماذا كنا هنا؟ ثالثاً: المخرج: أن يكون للمرء إسهام   وهنا تتحول الجملة من حكم إلى دعوة. دعوة لأن نترك أثراً.  ولا يشترط أن يكون الأثر شهرة عالمية أو اسماً في كتب التاريخ. كان درويش يدرك أن "الذاكرة الصغيرة" هي التي تنقذنا من الفناء.   قد يكون الإسهام معلماً أثّر في ثلاثين طالباً.   أو من غرس شجرة في شارع. صار ظلها ملتقى للاحباء...

حلايب وخرائط الأمم المتحدة

  حلايب وخرائط الأمم المتحدة.. وعي الضرورة في مواجهة فخ الأجندات الجانبية بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                       ​لا تكف الدوائر المغرضة وورش التخطيط الممتدة عن محاولات صناعة الأزمات واختلاق الفتن في مفاصل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر. وفي كل مرحلة تمر بها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر محاولات رخيصة لاستثمار التفاصيل التقنية والفنية البحتة لصب الزيت على النار، وكأن المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيه، ليأتي من يحاول جر الرأي العام نحو معارك وهمية تشعل الخلافات الجانبية.                          ​إن الحديث المتجدد عن ظهور مثلث حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية على بعض الخرائط الحديثة للأمم المتحدة لا يعدو في حقيقته كونها إجراءً فنيًّا بحتًا يتعلق بالمعايير الجغرافية وتحديث الإسقاطات المكانية وعلم الخرائط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال قراراً سياسياً أو حكماً قضائياً دولياً ين...

السودان؛ لعنة الجغرافيا واطماع التاريخ

 السودان: لعنة الجغرافيا وأطماع التاريخ.. قراءة في خارطة التهديدات الاستراتيجية بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​تاريخ البحر الأحمر وحلايب ليس فصلاً طارئاً في الجيوسياسية المعاصرة، بل هو امتداد لصراع المصالح الكبرى وطرق التجارة العابرة للقارات منذ أقدم العصور. إن الموقع الفريد للسودان — الذي يمتد من خاصرته الشرقية عبر سواحله الاستراتيجية إلى عمقه الإفريقي — يتحول في أوقات تآكل المركز إلى مسرح لأطماع تاريخية متجددة، تجسدها اليوم شبكة معقدة من التهديدات المطبقة على حدود البلاد من كل المحاور. ​جغرافية الأطماع الممتدة من الفراعنة إلى العهد السليماني                   تشير الشواهد التاريخية من العصور الفرعونية، مروراً بالتاريخ الإثيوبي وصولاً إلى التراث العبري والآيات القرآنية، أن هذه البقعة الحيوية الممتدة من  حلايب وشلاتين ظلت دائماً محط أنظار الإمبراطوريات الطامحة. تشير الروايات التاريخية والمصادر العتيقة إلى أن الملك سليمان عليه السلام سعى لإنشاء ميناء في منطقة حلايب لربط التجارة الإفريقية والآسيوية بالمحيط الهندي،...

شبح التقسيم واوهام الحلول الجذرية

  شبح التقسيم وأوهام الحلول الجذرية: قراءة هادئة في مآلات الحرب الطويلة بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​حين تطيل الحرب أمدها وتتداخل خيوط الأزمة، تتسلل فكرة "التقسيم" رويداً رويداً إلى واجهة النقاشات، لتتحول من مجرد "هواجس نخبويّة" إلى كابوس حقيقي يفرض نفسه على وجدان الداخل السوداني. ومع أن قراءة الحراكات الدبلوماسية والميدانية الراهنة لا تلوح في أفقها القريب أي فرصة حقيقية أو مؤشر قريب لوقف الحرب، تتصاعد المخاوف القديمة من أن تتحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع جغرافي دائم، وأن يصبح التشظي هو المخرج الوحيد لانسداد الأفق. ​ولكن، هل يمثل التقسيم حقاً "حلاً حاسماً" لإنهاء المأساة، أم أنه مجرد وخزة وهمية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر دموية؟ ​أولاً: لماذا يتجدد الحديث عن التقسيم الآن؟ ​ استنزاف الميدان وحالة الاستعصاء العسكري: غياب القدرة الحاسمة لأي من طرفي القتال على حسم المعركة نهائياً، بالتزامن مع ترسخ سيطرة ميدانية لكل طرف على مناطق جغرافية محددة، يغذي قراءة أن السودان بات واقعياً "كيانات أمر واقع". ​ فشل المظلات الجامعة: تعثر م...

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية (تحديث إضافي)

  ​السودان؛ سقف الدبلوماسية الأممية (تحديث إضافي)   بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                            لم تكن جلسة مجلس الأمن المنعقدة اليوم لتتوقف عند حدود السرد التقليدي لتقارير الأزمة الإنسانية أو استعراض المواقف الدبلوماسية المعلنة، بل تجاوزتها لتدشن منعطفاً جديداً يحمل في طياته الكثير من التعقيدات. فعلى وقع الضغوط الإنسانية الهائلة والفجوة التمويلية المتسعة التي حذرت منها وكالات الأمم المتحدة، برزت على الطاولة مقترحات حادة، على رأسها التحرك الأمريكي لطرح نقاشات مكثفة حول مقترح شامل لحظر الأسلحة والطيران في مناطق النزاع، وسط مخاض شاق لضبط آليات التنفيذ وتجنب تقاطعات المصالح الدولية. ​                         وما إن أُسدل الستار على الجلسة المفتوحة حتى انتقل الثقل الحقيقي إلى قاعات المشاورات المغلقة وخلف الكواليس؛ حيث لا تزال النقاشات قائمة ومحمومة بين أعضاء المجلس لبلورة صياغات توافقية حول مسودات القرار الم...

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية

 سقف الدبلوماسية وأوهام آلة الحرب: قراءة هادئة في مخرجات مجلس الأمن بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                       عاشت الأوساط السودانية خلال الأيام القليلة الماضية على وقع موجة مقلقة من التهويل والشائعات، التي روّجت لاقتراب تدخل عسكري غربي مباشر وفرض "آلة حرب" ستغطّي سماء البلاد، في محاولة واضحة لمضاعفة الضغوط النفسية على الداخل الذي يعاني أصلاً أعباء الحرب وتداعياتها اليومية. ​وجاءت جلسة مجلس الأمن الدولي التي انعقدت اليوم الإثنين (24 أغسطس 2026) لتضع الأمور في نصابها الصحيح، وتفصل تماماً بين الواقع الدبلوماسي المعقّد وبين التهويل الإعلامي المفتعل. ​واقع المشهد الأممي: إحاطات إنسانية بلا تفويض عسكري ​                 عقد المجلس جلسته المفتوحة والمشاورات المرتبطة بها بناءً على دعوة من رئاسة الشهر (الدنمارك)، لتقتصر مخرجاتها على الطابع المعتاد للإحاطات الأممية: ​تركيز إنساني وبحت:                     ...

حريق سد مروي

حين يحترق سد مروي ويختنق الشارع: أزمات الخدمات على خط النار السياسي بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                    تعيد حادثة الحريق المفاجئ في محطة سد مروي، وما تبعه من انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن العاصمة وولايات سودانية عدة، تسليط الضوء بقوة على هشاشة ما تبقى من بنى تحتية في البلاد. وتتجاوز هذه الحادثة البعد الفني البحت لتضع الأوضاع المعيشية والسياسية برمتها على حافة صفيح ساخن، لاسيما حين تتزامن مع تعثر المبادرات السياسية وتآكل قدرة المواطن على التحمل. ​شرارة الكهرباء وغضب الشارع                   ​تاريخياً، وفي أدبيات التغيير والضغط الجماهيري في السودان، تظل أزمات الخدمات المباشرة – وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء واقترانها بندرة الوقود والخبز – هي المحرك الأسرع للاحتقان الشعبي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة اليومية، وتوقفها يعني شلل تام في المستشفيات، محطات المياه، الأسواق، وكل تفاصيل الإنتاج. وتأتي هذه الصدمة الخدمية في أسوأ توقيت ممكن، متزامنة مع طقس قا...