الاثنين، 21 سبتمبر 2026

اوهام نيويورك ورهان الارض

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                          ​تتجه الأنظار مع انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نحو أروقة الدبلوماسية الدولية، حيث تسجل أطراف الصراع حضوراً مكثفاً. ورغم ضخامة هذا التواجد وارتفاع سقف التوقعات لدى البعض، إلا أن الواقع السياسي والبروتوكولي لهذه المحافل يؤكد أن الأمل في إحداث اختراق حقيقي أو تسوية سريعة لإنقفاذ السودان يظل ضعيفاً للغاية. فالعواصم الكبرى ومنظماتها الأممية تتحرك وفق مصالح متشابكة وحسابات جيوسياسية معقدة، مما يجعل التعويل على "الضمير الدولي" مجرد انتظار لسراب لن يغني عن جياع الوطن شيئاً.

​الملف الإنساني.. رهينة الأجندات الضيقة

                        ​إن القضية الأكثر إلحاحاً اليوم هي المسألة الإنسانية؛ فالمجاعة باتت تضرب بعمق حتى المدن التي كانت مستقرة، والمسيّرات لم تترك ملاذاً آمناً بعيداً عن أتون المعاناة التي تكتوي بها كافة مناطق البلاد. ومع الأسف، فإن هذه المأساة الإنسانية تخضع لمعايير مسيسة وأجندات ضيقة، حيث يُترك المواطن البريء رهينة في أيدي أطراف الصراع وقوى إقليمية ودولية توظف رغيف الخبز والدواء كأداة ضغط وتركيع. لقد بان جلياً أن العجز الدولي المفتعل في إيصال الإغاثة وفتح الممرات الآمنة يعكس إرادة غائبة وتواطؤاً غير معلن، مدفوعاً بإنفاق مالي وسياسي ضخم من أطراف تسعى لتصفية حسابات ومشاريع مدمرة على أنقاض الوطن.

​الأرض هي الملاذ: نزرع لنأكل

​                       في ظل هذا الانسداد السياسي والعجز الإنساني المتعمد، يصبح الرهان على الخارج خطيئة كبرى. إن قضية الشعب السوداني الأولى والملحة الآن هي إسقاط أوهام الحلول المستوردة، والتوجه بكلياتهم نحو الأرض؛ استصلاحاً، وزراعةً، وإنتاجاً، ولو بأبسط الأدوات البدائية المتاحة.

                       ​إن العودة الشاملة إلى الإنتاج الزراعي المحلي هي السلاح الأقوى لالحاق الهزيمة بنكبة الجوع المتفاقمة، وتحطيم مخططات من أرادوا تركيع هذا الشعب عبر تجويعه. حين نزرع أرضنا بأيدينا، فإننا ننتزع لقمة عيشنا من بين أنياب الحصار، ونكسر أداة الابتزاز التي يستخدمها أعداء السودان في الداخل والخارج.

                        ​إنها معركة بقاء واستقلال، والوعي بها هو أول خطوة نحو الانتصار. فليكن شعارنا اليوم وكل يوم: "نزرع لنأكل.. فنحيا أحراراً على ترابنا الطهور".

الأحد، 20 سبتمبر 2026

مفارقات الردع واوهام الحماية

 

مفارقات الردع وأوهام الحماية: كيف تعيد حرب الطاقة هندسة تحالفات المنطقة؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

​1. المفارقة الحوثية: عندما تنتج الشعارات عكس غاياتها

                          ​تتجلى أولى ملامح الغرابة في المشهد الإقليمي في طبيعة الأثر الاستراتيجي للهجمات الحوثية؛ فالجماعة التي ترفع شعارات العداء المطلق لإسرائيل ومناهضة مشاريع التطبيع، تمارس ضغطاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً على البنية التحتية الحيوية في المملكة. هذا الضغط —الذي طال منشآت ينبع وأنابيب نقل النفط البديلة— لا يكسر الإرادة السياسية للرياض بقدر ما يُسرّع حاجتها الماسة لبناء مظلة ردع أمنية إقليمية شاملة. ومن المفارقات الساخرة أن هذا التصعيد المسلح، بدلاً من أن يبعد السعودية عن خيارات التسوية، يتحول إلى المحفز الأكبر لدفعها نحو الانخراط في مسارات إعادة ترتيب المشهد الإقليمي والالتحاق بقافلة السلام والتطبيع لحماية أمنها القومي واقتصادها من حرب استنزاف بلا هوادة.

​2. الصمت الدولي وابتزاز الطاقة: أزمة أنابيب "ينبع" ومضيق هرمز

​                         في مقابل هذا التصعيد، يبرز موقف دولي مريب وصمت مطبق تجاه التهديد المباشر لشرايين الطاقة العالمية. إن استهداف المحاور البديلة التي عُولت لتجاوز خطر الاختناقات البحرية في مضيق هرمز يعرض الاقتصاد العالمي لهزات عنيفة. ورغم ذلك، تكتفي القوى الكبرى —وعلى رأسها الولايات المتحدة— بالغموض الاستراتيجي وحسابات التكلفة الضيقة، مما يرسخ قناعة لدى عواصم القرار في المنطقة بأن الاعتماد على المظلة الغربية بات مغامرة مكلفة، وبأن أمن إمدادات الطاقة بات رهينة لبيئة إقليمية بالغة السيولة والاضطراب.

​3. أسواق الطاقة في مهب الريح: ثمن الهدوء الغائب

                       ​لا يمكن فصل هذه التهديدات عن تداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية؛ فالتأثير على منشآت بحجم ما يملكه الاقتصاد السعودي لا يقتصر على حدود الإيرادات المحلية للمملكة، بل يبعث برسائل هلع لأسواق النفط والمال العالمية. إن انقطاع هذه الإمدادات أو تعطلها يهدد بإشعال أسعار الطاقة عالمياً، مما يضع الحكومات الغربية أمام مأزق حقيقي، يكشف تناقض سياساتها التي تكتفي بالمراقبة بينما تتقوض الاستقرار الاقتصادي الدولي على وقع الصواريخ والطائرات المسيرة.

​4. اختبار الحلف السعودي-التركي-الباكستاني: حدود المناورة والاستقلال

​                          في ظل هذا الفراغ الأمني، يطفو على السطح التفكير في بدائل استراتيجية ومحاور إقليمية جديدة، كاختبار لتماسك حلف ثلاثي يجمع السعودية، تركيا، وپاكستان (بما يملكه من مقومات مالية، وتقنية عسكرية، وعمق استراتيجي). لكن هذا الخيار يصطدم ببديهيات صلبة تحد من مداه؛ فتركيا تظل محكومة التزاماتها الأطلسية ومصالحها الغربية، بينما تعاني پاكستان من هشاشة اقتصادية وارتهان لمؤسسات التمويل الدولية وضغوط واشنطن. وعليه، يظل هذا المحور أداة ضغط وتنوع مهمة للرياض، لا قطيعة جذرية مع المدار الأمريكي، بل مناورة ضمن سقفه المسموح به.

​الخاتمة

                       ​بين مركزية قابضة في إدارة الجبهة الداخلية، واضطرابات عاصفة تحاصر شرايين الطاقة إقليمياً، تقف المملكة أمام مفترق طرق تاريخي. إن الهجمات الجارية لا تعيد رسم خريطة التحالفات والترتيبات السياسية فحسب، بل تختبر أيضاً قدرة الدولة على هندسة استجابات هيكلية تحمي استقرارها الاقتصادي وتماسكها الداخلي في مواجهة عواصف لا ترحم المترددين.

السبت، 12 سبتمبر 2026

اليوم العالمي للقانون

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                   غدا يحتفل العالم باليوم العالمي للقانون، وتأتي هذه الذكرى ومعظم شعوب العالم قد عانت الكثير من مجتمعاتها من مظالم عجزت مؤسسات الحقوق من انصافها. 

                       إن استقبال هذه الذكرى يجب ألا يكون وقفة حداد على ما فات، بل إعلان تمسك واثق بحق الإنسان في العيش بكرامة وعدالة. إنها دعوة لتجاوز لغة اليأس والقصور، وتذكير بأن القانون لم يُخلق ليكون سوطاً بيد المنتهكين الكبار، بل وُلِد أداةً لحماية الضعفاء وصون الحقوق الأساسية.

​                           وحين تتداعى الهياكل التقليدية وتتآكل هيبة المنظومات، تبقى شعلة العدالة مضيئة بوعي المجتمعات الحية، وبشجاعة أولئك الأفراد الشرفاء الذين يرفضون التنازل عن المبادئ، وبما تبتكره العقول من أدوات ومساحات جديدة ترفض الانكسار وتصر على انتزاع الإنصاف، لتبقى روح الحق سيدة ومتبوعة مهما اشتدت عواصف الباطل.

مسعد بولس؛ حصاد الجمود

                      ​دبلوماسية الدوران في المكان: مسعد بولس وحصيلة الجمود الدولي على ضفاف البحر الأحمر.

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني

                       أعاد مجلس الأمن يوم أمس إنتاج قراره القديم بحذافيره، وكأن شيئاً لم يكن على مدى أشهر من التحولات العميقة التي شهدتها الأزمة السودانية. فبينما عبرت الحرب القائمة عن مراحل متسارعة من التمدد وتغير مواقع الأطراف وتبدل تحالفاتها ومواقفها، جاء القرار المجدد ليعكس حالة من الجمود التام وغياب استيعاب الواقع الميداني الجديد.

​                     هذا المخاض الدبلوماسي العقيم يضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى من الحراك الأمريكي المكثف الذي قاده المبعوث مسعد بولس خلال تلك الفترة؛ إذ تبدو النتيجة المخيبة للامال وكأنها دوران في فلك نقطة البداية، فما الذي كان يفعله الرجل حقاً بينما كانت الخارجية الأمريكية تخرج بحصاد هذا النص المكرر؟

​                        في المقابل، تتسع دائرة الاستقطاب في الحرب السودانية باطراد، لتتجاوز الحدود المحلية وتشق طريقها نحو أفق أوسع على طول ساحل البحر الأحمر. وفي هذا الحيز الاستراتيجي الحساس، يبدو أن الحضور الروسي قد حجز مقعده المتقدم برضا وتفاهمات صامتة أو معلنة بين ثلاث دول رئيسية: السعودية، ومصر، والسودان المستضيف. هكذا، يبدو أن المجتمع الدولي يكتفي بتكرار القرارات الورقية، بينما تُعاد هندسة الخرائط والنفوذ على الأرض وفي مياه البحر الأحمر بهدوء وتوازنات جديدة.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الموتى الاحياء

 قراءة في قولة محمود درويش: "تنسى كأنما لم تكن"

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع ميتا 


أولاً: صدمة العبارة  

لم يقل درويش "ستموت". قال "تُنسى". فالموت الحقيقي عنده ليس توقف القلب، بل هو أن يصبح الاسم بلا صدى، وأن يمرّ الزمن فلا يلتفت أحد.  

إنها قسوة ناعمة، لأن القاضي هنا هو الزمن وحده. لا محكمة، ولا حداد، هناك فقط نسيان.


ثانياً: "كأنما لم تكن"  

وهنا يكمن الوجع الأكبر. ليست "كأنك متّ" بل "كأنك لم تبدأ أصلاً".  

كل الضحكات، وكل جلسات الشاي مع الأصدقاء، وكل الهوامش التي خططناها في الكتب، وكل الأحاديث التي دارت في جوف الليل... كل ذلك يتبخر.  

فتتساءل النفس: إذن، لماذا كنا هنا؟


ثالثاً: المخرج: أن يكون للمرء إسهام  

وهنا تتحول الجملة من حكم إلى دعوة. دعوة لأن نترك أثراً. 

ولا يشترط أن يكون الأثر شهرة عالمية أو اسماً في كتب التاريخ.

كان درويش يدرك أن "الذاكرة الصغيرة" هي التي تنقذنا من الفناء.  

قد يكون الإسهام معلماً أثّر في ثلاثين طالباً.  

أو من غرس شجرة في شارع. صار ظلها ملتقى للاحباء َ

أو من كتب رسالة منعت أحدهم من اليأس وانتقلت به إلى ازمنة ملأي بالفرح َ

أو قصة تُحكى للأبناء فتبقى.


هذا الإسهام هو الباب الذي يتعثر عنده النسيان قليلاً، فيقول: "مهلاً، لقد كان هنا إنسان".


الخاتمة: سؤال مفتوح  

فهل الشهرة وحدها هي الضمانة ضد النسيان؟  

أم أن البقاء في قلوب خمسة أشخاص أصدق وأبقى من أن تكون حديث الناس لأسبوع؟

ام ان ما قاله اديبنا العالمي الطيب صالح انك اذا خرجت من هذه الدنيا بمحبة شخص واحد تكفى شفيعة لك يوم القيامة. 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

حلايب وخرائط الأمم المتحدة

  حلايب وخرائط الأمم المتحدة.. وعي الضرورة في مواجهة فخ الأجندات الجانبية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                     ​لا تكف الدوائر المغرضة وورش التخطيط الممتدة عن محاولات صناعة الأزمات واختلاق الفتن في مفاصل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر. وفي كل مرحلة تمر بها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر محاولات رخيصة لاستثمار التفاصيل التقنية والفنية البحتة لصب الزيت على النار، وكأن المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيه، ليأتي من يحاول جر الرأي العام نحو معارك وهمية تشعل الخلافات الجانبية.

                         ​إن الحديث المتجدد عن ظهور مثلث حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية على بعض الخرائط الحديثة للأمم المتحدة لا يعدو في حقيقته كونها إجراءً فنيًّا بحتًا يتعلق بالمعايير الجغرافية وتحديث الإسقاطات المكانية وعلم الخرائط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال قراراً سياسياً أو حكماً قضائياً دولياً ينهي نزاعاً حدودياً معلقاً. فشعبة الخرائط الدولية تتعامل مع الإدارات الفعلية القائمة على الأرض وتوثق الخطوط الإدارية التقليدية، تماماً كما تظل الشكاوى والمذكرات السودانية الدورية التي تحفظ الحق التاريخي مسجلة في أروقة الأمم المتحدة كحق أصيل لا يتبدد بالتقادم.

                       ​لكن الخطير في الأمر ليس الجانب التقني البحت، بل هو محاولة توظيف هذه القضية من قبل بعض الدوائر لتحويلها إلى "فخ شعبي" ونفخ النار في الرماد لضرب أطناب الثقة بين الخرطوم والقاهرة. إن الوعي الجمعي يقتضي منا اليوم أن ندرك بدقة طبيعة المرحلة ومآلاتها. فمصر لم تكن يومًا إلا عمقاً استراتيجياً وسنداً حقيقياً للشعب السوداني ومؤسساته في محنته الراهنة، مستضيفةً الملايين من أبنائه بحرارة وكرامة، وواقفةً بقوة في المحافل الدولية والإقليمية لدعم سيادة السودان وسلامة أراضيه.

                     ​إن محاولة المزايدة على المواقف الوطنية أو افتعال أزمة دبلوماسية أو شعبية حول تفصيل خرائطي في هذا التوقيت بالذات، هي خدمة مجانية لأعداء الاستقرار. إن الأولويات الوطنية العليا اليوم واضحة جلية، وتتلخص في استعادة الأمن، دحر التمرد، الحفاظ على كيان الدولة، وتجاوز الكارثة الإنسانية الكبرى التي تكالبت على السودان.

​                    أما الحقوق التاريخية والسيادية، فدونهَا المؤسسات الدبلوماسية التي تعرف كيف تدير ملفاتها بمسؤولية وثبات تحفظ الحقوق دون أن تنجر خلف أجندات العبث والوقيعة. إن وعينا بهذه المؤامرات الصغيرة هو السور المنيع الذي سيسقط في محاربته كل فخاخ الفرقة، لتبقى أواصر الإخوة والدم والمصير المشترك أقوى من كل خطوط على ورق.

الاثنين، 31 أغسطس 2026

السودان؛ لعنة الجغرافيا واطماع التاريخ

 السودان: لعنة الجغرافيا وأطماع التاريخ.. قراءة في خارطة التهديدات الاستراتيجية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​تاريخ البحر الأحمر وحلايب ليس فصلاً طارئاً في الجيوسياسية المعاصرة، بل هو امتداد لصراع المصالح الكبرى وطرق التجارة العابرة للقارات منذ أقدم العصور. إن الموقع الفريد للسودان — الذي يمتد من خاصرته الشرقية عبر سواحله الاستراتيجية إلى عمقه الإفريقي — يتحول في أوقات تآكل المركز إلى مسرح لأطماع تاريخية متجددة، تجسدها اليوم شبكة معقدة من التهديدات المطبقة على حدود البلاد من كل المحاور.

​جغرافية الأطماع الممتدة من الفراعنة إلى العهد السليماني

                  تشير الشواهد التاريخية من العصور الفرعونية، مروراً بالتاريخ الإثيوبي وصولاً إلى التراث العبري والآيات القرآنية، أن هذه البقعة الحيوية الممتدة من  حلايب وشلاتين ظلت دائماً محط أنظار الإمبراطوريات الطامحة. تشير الروايات التاريخية والمصادر العتيقة إلى أن الملك سليمان عليه السلام سعى لإنشاء ميناء في منطقة حلايب لربط التجارة الإفريقية والآسيوية بالمحيط الهندي، في محاولة مبكرة للسيطرة على عصب التجارة العالمية. هذا الطموح التاريخي يفسر بوضوح لماذا يظل ساحل البحر الأحمر أفضل حاضنة آمنة للموانئ عبر التاريخ، ولماذا يعود صراع النفوذ ليشتعل ضراوة كلما صعدت قوة إقليمية أو دولية ذات أطماع تجارية وعسكرية عابرة للقارات، عاكساً حقيقة أن الصراع ليس مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هو معركة وجودية حول التحكم في بوابة التاريخ والجغرافيا.

​الطوق الجيوسياسي المطبق على السودان

                       لا تنفصل أزمة الداخل السوداني واقتصاد الحرب المشتعل عن هذا الحصار الجيوسياسي المتعدد المحاور. فعلى الحدود الشرقية، تظل الامتدادات المسرحية للحروب والتوترات نافذة لتداخل المصالح الإقليمية. وفي الغرب، تتشابك فوضى دارفور مع أزمات الساحل الإفريقي وإفرازات الصراع في النيجر ومالي، لتتحول الحدود الرخوة إلى شرايين تغذيها شبكات التهريب وتجارة السلاح والمرتزقة. أما في الجنوب المنفصل، فقد باتت الحدود الملتهبة مصدراً لانطلاق العصابات وشبكات الجريمة العابرة للحدود. يضاف إلى ذلك تقاطعات اللاعبين الدوليين، عبر بوابات الساحل، بينما تقف إثيوبيا مكبلة بأزماتها وبقيود ميدانها العسكري وارتباطاته الإقليمية التي جعلت موقفها من السودان متارجحا بين الحياد والعداء. 

​هذا التشابك العضوي بين اقتصاد الحرب، وأطماع الموانئ على البحر الأحمر، والصراعات الإقليمية الممتدة، يؤكد أن أي تسوية محلية قاصرة لن تقي السودان خطر التفكك. إن حماية الدولة الوطنية تبدأ حتماً بإدراك أن الجغرافيا السودانية هي حلقة الوصل الكبرى في صراع النفوذ العالمي، مما يفرض إعادة بناء استراتيجية وطنية تدرك خطورة هذه التهديدات المشتعلة على سيادة البلاد وبنيتها الداخلية برمتها.

مشاركة مميزة

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                            ​تتجه الأنظار...