السبت، 12 سبتمبر 2026

مسعد بولس؛ حصاد الجمود

                      ​دبلوماسية الدوران في المكان: مسعد بولس وحصيلة الجمود الدولي على ضفاف البحر الأحمر.

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني

                       أعاد مجلس الأمن يوم أمس إنتاج قراره القديم بحذافيره، وكأن شيئاً لم يكن على مدى أشهر من التحولات العميقة التي شهدتها الأزمة السودانية. فبينما عبرت الحرب القائمة عن مراحل متسارعة من التمدد وتغير مواقع الأطراف وتبدل تحالفاتها ومواقفها، جاء القرار المجدد ليعكس حالة من الجمود التام وغياب استيعاب الواقع الميداني الجديد.

​                     هذا المخاض الدبلوماسي العقيم يضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى من الحراك الأمريكي المكثف الذي قاده المبعوث مسعد بولس خلال تلك الفترة؛ إذ تبدو النتيجة المخيبة للامال وكأنها دوران في فلك نقطة البداية، فما الذي كان يفعله الرجل حقاً بينما كانت الخارجية الأمريكية تخرج بحصاد هذا النص المكرر؟

​                        في المقابل، تتسع دائرة الاستقطاب في الحرب السودانية باطراد، لتتجاوز الحدود المحلية وتشق طريقها نحو أفق أوسع على طول ساحل البحر الأحمر. وفي هذا الحيز الاستراتيجي الحساس، يبدو أن الحضور الروسي قد حجز مقعده المتقدم برضا وتفاهمات صامتة أو معلنة بين ثلاث دول رئيسية: السعودية، ومصر، والسودان المستضيف. هكذا، يبدو أن المجتمع الدولي يكتفي بتكرار القرارات الورقية، بينما تُعاد هندسة الخرائط والنفوذ على الأرض وفي مياه البحر الأحمر بهدوء وتوازنات جديدة.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الموتى الاحياء

 قراءة في قولة محمود درويش: "تنسى كأنما لم تكن"

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع ميتا 


أولاً: صدمة العبارة  

لم يقل درويش "ستموت". قال "تُنسى". فالموت الحقيقي عنده ليس توقف القلب، بل هو أن يصبح الاسم بلا صدى، وأن يمرّ الزمن فلا يلتفت أحد.  

إنها قسوة ناعمة، لأن القاضي هنا هو الزمن وحده. لا محكمة، ولا حداد، هناك فقط نسيان.


ثانياً: "كأنما لم تكن"  

وهنا يكمن الوجع الأكبر. ليست "كأنك متّ" بل "كأنك لم تبدأ أصلاً".  

كل الضحكات، وكل جلسات الشاي مع الأصدقاء، وكل الهوامش التي خططناها في الكتب، وكل الأحاديث التي دارت في جوف الليل... كل ذلك يتبخر.  

فتتساءل النفس: إذن، لماذا كنا هنا؟


ثالثاً: المخرج: أن يكون للمرء إسهام  

وهنا تتحول الجملة من حكم إلى دعوة. دعوة لأن نترك أثراً. 

ولا يشترط أن يكون الأثر شهرة عالمية أو اسماً في كتب التاريخ.

كان درويش يدرك أن "الذاكرة الصغيرة" هي التي تنقذنا من الفناء.  

قد يكون الإسهام معلماً أثّر في ثلاثين طالباً.  

أو من غرس شجرة في شارع. صار ظلها ملتقى للاحباء َ

أو من كتب رسالة منعت أحدهم من اليأس وانتقلت به إلى ازمنة ملأي بالفرح َ

أو قصة تُحكى للأبناء فتبقى.


هذا الإسهام هو الباب الذي يتعثر عنده النسيان قليلاً، فيقول: "مهلاً، لقد كان هنا إنسان".


الخاتمة: سؤال مفتوح  

فهل الشهرة وحدها هي الضمانة ضد النسيان؟  

أم أن البقاء في قلوب خمسة أشخاص أصدق وأبقى من أن تكون حديث الناس لأسبوع؟

ام ان ما قاله اديبنا العالمي الطيب صالح انك اذا خرجت من هذه الدنيا بمحبة شخص واحد تكفى شفيعة لك يوم القيامة. 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

حلايب وخرائط الأمم المتحدة

  حلايب وخرائط الأمم المتحدة.. وعي الضرورة في مواجهة فخ الأجندات الجانبية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                     ​لا تكف الدوائر المغرضة وورش التخطيط الممتدة عن محاولات صناعة الأزمات واختلاق الفتن في مفاصل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر. وفي كل مرحلة تمر بها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر محاولات رخيصة لاستثمار التفاصيل التقنية والفنية البحتة لصب الزيت على النار، وكأن المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيه، ليأتي من يحاول جر الرأي العام نحو معارك وهمية تشعل الخلافات الجانبية.

                         ​إن الحديث المتجدد عن ظهور مثلث حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية على بعض الخرائط الحديثة للأمم المتحدة لا يعدو في حقيقته كونها إجراءً فنيًّا بحتًا يتعلق بالمعايير الجغرافية وتحديث الإسقاطات المكانية وعلم الخرائط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال قراراً سياسياً أو حكماً قضائياً دولياً ينهي نزاعاً حدودياً معلقاً. فشعبة الخرائط الدولية تتعامل مع الإدارات الفعلية القائمة على الأرض وتوثق الخطوط الإدارية التقليدية، تماماً كما تظل الشكاوى والمذكرات السودانية الدورية التي تحفظ الحق التاريخي مسجلة في أروقة الأمم المتحدة كحق أصيل لا يتبدد بالتقادم.

                       ​لكن الخطير في الأمر ليس الجانب التقني البحت، بل هو محاولة توظيف هذه القضية من قبل بعض الدوائر لتحويلها إلى "فخ شعبي" ونفخ النار في الرماد لضرب أطناب الثقة بين الخرطوم والقاهرة. إن الوعي الجمعي يقتضي منا اليوم أن ندرك بدقة طبيعة المرحلة ومآلاتها. فمصر لم تكن يومًا إلا عمقاً استراتيجياً وسنداً حقيقياً للشعب السوداني ومؤسساته في محنته الراهنة، مستضيفةً الملايين من أبنائه بحرارة وكرامة، وواقفةً بقوة في المحافل الدولية والإقليمية لدعم سيادة السودان وسلامة أراضيه.

                     ​إن محاولة المزايدة على المواقف الوطنية أو افتعال أزمة دبلوماسية أو شعبية حول تفصيل خرائطي في هذا التوقيت بالذات، هي خدمة مجانية لأعداء الاستقرار. إن الأولويات الوطنية العليا اليوم واضحة جلية، وتتلخص في استعادة الأمن، دحر التمرد، الحفاظ على كيان الدولة، وتجاوز الكارثة الإنسانية الكبرى التي تكالبت على السودان.

​                    أما الحقوق التاريخية والسيادية، فدونهَا المؤسسات الدبلوماسية التي تعرف كيف تدير ملفاتها بمسؤولية وثبات تحفظ الحقوق دون أن تنجر خلف أجندات العبث والوقيعة. إن وعينا بهذه المؤامرات الصغيرة هو السور المنيع الذي سيسقط في محاربته كل فخاخ الفرقة، لتبقى أواصر الإخوة والدم والمصير المشترك أقوى من كل خطوط على ورق.

الاثنين، 31 أغسطس 2026

السودان؛ لعنة الجغرافيا واطماع التاريخ

 السودان: لعنة الجغرافيا وأطماع التاريخ.. قراءة في خارطة التهديدات الاستراتيجية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​تاريخ البحر الأحمر وحلايب ليس فصلاً طارئاً في الجيوسياسية المعاصرة، بل هو امتداد لصراع المصالح الكبرى وطرق التجارة العابرة للقارات منذ أقدم العصور. إن الموقع الفريد للسودان — الذي يمتد من خاصرته الشرقية عبر سواحله الاستراتيجية إلى عمقه الإفريقي — يتحول في أوقات تآكل المركز إلى مسرح لأطماع تاريخية متجددة، تجسدها اليوم شبكة معقدة من التهديدات المطبقة على حدود البلاد من كل المحاور.

​جغرافية الأطماع الممتدة من الفراعنة إلى العهد السليماني

                  تشير الشواهد التاريخية من العصور الفرعونية، مروراً بالتاريخ الإثيوبي وصولاً إلى التراث العبري والآيات القرآنية، أن هذه البقعة الحيوية الممتدة من  حلايب وشلاتين ظلت دائماً محط أنظار الإمبراطوريات الطامحة. تشير الروايات التاريخية والمصادر العتيقة إلى أن الملك سليمان عليه السلام سعى لإنشاء ميناء في منطقة حلايب لربط التجارة الإفريقية والآسيوية بالمحيط الهندي، في محاولة مبكرة للسيطرة على عصب التجارة العالمية. هذا الطموح التاريخي يفسر بوضوح لماذا يظل ساحل البحر الأحمر أفضل حاضنة آمنة للموانئ عبر التاريخ، ولماذا يعود صراع النفوذ ليشتعل ضراوة كلما صعدت قوة إقليمية أو دولية ذات أطماع تجارية وعسكرية عابرة للقارات، عاكساً حقيقة أن الصراع ليس مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هو معركة وجودية حول التحكم في بوابة التاريخ والجغرافيا.

​الطوق الجيوسياسي المطبق على السودان

                       لا تنفصل أزمة الداخل السوداني واقتصاد الحرب المشتعل عن هذا الحصار الجيوسياسي المتعدد المحاور. فعلى الحدود الشرقية، تظل الامتدادات المسرحية للحروب والتوترات نافذة لتداخل المصالح الإقليمية. وفي الغرب، تتشابك فوضى دارفور مع أزمات الساحل الإفريقي وإفرازات الصراع في النيجر ومالي، لتتحول الحدود الرخوة إلى شرايين تغذيها شبكات التهريب وتجارة السلاح والمرتزقة. أما في الجنوب المنفصل، فقد باتت الحدود الملتهبة مصدراً لانطلاق العصابات وشبكات الجريمة العابرة للحدود. يضاف إلى ذلك تقاطعات اللاعبين الدوليين، عبر بوابات الساحل، بينما تقف إثيوبيا مكبلة بأزماتها وبقيود ميدانها العسكري وارتباطاته الإقليمية التي جعلت موقفها من السودان متارجحا بين الحياد والعداء. 

​هذا التشابك العضوي بين اقتصاد الحرب، وأطماع الموانئ على البحر الأحمر، والصراعات الإقليمية الممتدة، يؤكد أن أي تسوية محلية قاصرة لن تقي السودان خطر التفكك. إن حماية الدولة الوطنية تبدأ حتماً بإدراك أن الجغرافيا السودانية هي حلقة الوصل الكبرى في صراع النفوذ العالمي، مما يفرض إعادة بناء استراتيجية وطنية تدرك خطورة هذه التهديدات المشتعلة على سيادة البلاد وبنيتها الداخلية برمتها.

الخميس، 27 أغسطس 2026

شبح التقسيم واوهام الحلول الجذرية

 

شبح التقسيم وأوهام الحلول الجذرية: قراءة هادئة في مآلات الحرب الطويلة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

​حين تطيل الحرب أمدها وتتداخل خيوط الأزمة، تتسلل فكرة "التقسيم" رويداً رويداً إلى واجهة النقاشات، لتتحول من مجرد "هواجس نخبويّة" إلى كابوس حقيقي يفرض نفسه على وجدان الداخل السوداني. ومع أن قراءة الحراكات الدبلوماسية والميدانية الراهنة لا تلوح في أفقها القريب أي فرصة حقيقية أو مؤشر قريب لوقف الحرب، تتصاعد المخاوف القديمة من أن تتحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع جغرافي دائم، وأن يصبح التشظي هو المخرج الوحيد لانسداد الأفق.

​ولكن، هل يمثل التقسيم حقاً "حلاً حاسماً" لإنهاء المأساة، أم أنه مجرد وخزة وهمية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر دموية؟

​أولاً: لماذا يتجدد الحديث عن التقسيم الآن؟

  1. استنزاف الميدان وحالة الاستعصاء العسكري: غياب القدرة الحاسمة لأي من طرفي القتال على حسم المعركة نهائياً، بالتزامن مع ترسخ سيطرة ميدانية لكل طرف على مناطق جغرافية محددة، يغذي قراءة أن السودان بات واقعياً "كيانات أمر واقع".
  2. فشل المظلات الجامعة: تعثر مسارات التفاوض، وتراجع فعالية المبادرات الإقليمية والدولية، وتعارض الأجندات الخارجية، كلها عوامل تعزز الشعور بأن استعادة "السودان القديم" بصيغته المركزية باتت مهمة مستحيلة.
  3. التوظيف السياسي للضغط: تلوح بعض الدوائر الخارجية أحياناً بملف التقسيم أو الفيدرالية الرخوة كأداة ضغط غير مباشرة لإجبار الأطراف على الجلوس للتسوية، تحت شعار: "إما الحل السياسي الشامل، أو التشظي".

​ثانياً: لماذا يُعد "التقسيم" كارثة وليست حلاً حاسماً؟

​على عكس ما يروّجه البعض من أنه مخرج ينهي نزيف الدماء، فإن تفكيك الدولة السودانية عبر التقسيم يحمل في طياته بذور حروب لا تنتهي، للأسباب الآتية:

  • غياب النقاء الجغرافي والإثني: التداخل السكاني الهائل بين مكونات السودان المختلفة يجعل أي عملية فصل جغرافي مستحيلة دون عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي واسع النطاق، مما سيكلف أرواحاً بالملايين.
  • تحول الحدود إلى بؤر صراع دائم: الكيانات الناتجة عن أي تقسيم مفترض ستكون رخوة اقتصادياً وضعيفة أمنياً، وستتحول إلى "دول فاشلة" تتنازعها التدخلات الخارجية، لتصبح الحدود الجديدة خطوط مواجهة دائمة بدلاً من أن تكون جسوراً للاستقرار.
  • إجهاض فكرة الدولة الوطنية: قبول التقسيم يعني بوضوح الهزيمة النهائية لمشروع العيش المشترك، وشرعنة لقانون الغاب والدويلات المسلحة، وهو ما ترفضه الذاكرة الجمعية للشعب السوداني الذي أثبت مراراً قدرته على تجاوز المحن الكبرى.

​ثالثاً: بديل التقسيم.. معركة الوعي والصمود الوطني

​إن الإقرار بأن الحرب قد تطول لغياب أفق الحل السريع لا يعني بالضرورة الاستسلام لفكرة التشظي. إن الرهان الحقيقي يكمن في:

  • مناعة المجتمع والدولة: الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية وهيكلها الإداري والمؤسسي، باعتبارها صمام الأمان الوحيد ضد الفوضى الشاملة.
  • إحباط حرب الإرادة: إن أخطر ما تواجه الجبهة الداخلية ليس الميدان العسكري فحسب، بل "حرب اليأس" التي تسعى لترويج أن التقسيم هو المخرج الوحيد، لدفع المواطن للقبول بأي تسوية مجحفة أو الانهيار النفسي.

​إن السودان يمر بمخاض عسير وطويل بلا شك، لكن تاريخه يشهد بأن أزماته الكبرى كثيراً ما كانت تلد صياغات جديدة للوطن، تظل فيها وحدة التراب والنسيج الاجتماعي هي الثابت الذي لا يقبل المساومة، مهما اشتدت عواصف الحرب ورياح التشكيك.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية (تحديث إضافي)

 

​السودان؛ سقف الدبلوماسية الأممية (تحديث إضافي) 

 بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                            لم تكن جلسة مجلس الأمن المنعقدة اليوم لتتوقف عند حدود السرد التقليدي لتقارير الأزمة الإنسانية أو استعراض المواقف الدبلوماسية المعلنة، بل تجاوزتها لتدشن منعطفاً جديداً يحمل في طياته الكثير من التعقيدات. فعلى وقع الضغوط الإنسانية الهائلة والفجوة التمويلية المتسعة التي حذرت منها وكالات الأمم المتحدة، برزت على الطاولة مقترحات حادة، على رأسها التحرك الأمريكي لطرح نقاشات مكثفة حول مقترح شامل لحظر الأسلحة والطيران في مناطق النزاع، وسط مخاض شاق لضبط آليات التنفيذ وتجنب تقاطعات المصالح الدولية.

​                         وما إن أُسدل الستار على الجلسة المفتوحة حتى انتقل الثقل الحقيقي إلى قاعات المشاورات المغلقة وخلف الكواليس؛ حيث لا تزال النقاشات قائمة ومحمومة بين أعضاء المجلس لبلورة صياغات توافقية حول مسودات القرار المرتقب. وتُشير المعطيات الحالية إلى أن هذه المشاورات الشاقة قد تستغرق ما بين أسبوع إلى أسبوعين، مستهدفةً صياغة نهائية لطرحها للتصويت الفعلي إما أواخر شهر أغسطس الحالي أو خلال مطلع شهر سبتمبر المقبل. إن                             هذا المخاض الدبلوماسي المستمر يؤكد أن سقف التعاطي الأممي لم يغلق ببيانات اليوم، بل دخل مرحلة تفاوضية دقيقة ومفتوحة على كل الاحتمالات، مما يفرض على الرصد والتحليل السوداني متابعة هذه الكواليس الحية بدقة، إدراكاً بأن تداعيات هذه النقاشات ستلقي بظلالها المباشرة على المشهد الميداني والسياسي في البلاد.

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية

 سقف الدبلوماسية وأوهام آلة الحرب: قراءة هادئة في مخرجات مجلس الأمن

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                       عاشت الأوساط السودانية خلال الأيام القليلة الماضية على وقع موجة مقلقة من التهويل والشائعات، التي روّجت لاقتراب تدخل عسكري غربي مباشر وفرض "آلة حرب" ستغطّي سماء البلاد، في محاولة واضحة لمضاعفة الضغوط النفسية على الداخل الذي يعاني أصلاً أعباء الحرب وتداعياتها اليومية.

​وجاءت جلسة مجلس الأمن الدولي التي انعقدت اليوم الإثنين (24 أغسطس 2026) لتضع الأمور في نصابها الصحيح، وتفصل تماماً بين الواقع الدبلوماسي المعقّد وبين التهويل الإعلامي المفتعل.

​واقع المشهد الأممي: إحاطات إنسانية بلا تفويض عسكري

​                 عقد المجلس جلسته المفتوحة والمشاورات المرتبطة بها بناءً على دعوة من رئاسة الشهر (الدنمارك)، لتقتصر مخرجاتها على الطابع المعتاد للإحاطات الأممية:

​تركيز إنساني وبحت:

                         انصبّ الجهد الأساسي للوكالات الأممية (مثل مكتب الشؤون الإنسانية والشؤون السياسية) على محاولة معالجة العجز الحاد في تمويل خطة الإغاثة، ومطالبة الأطراف بتأمين ممرات آمنة لدخول الغذاء والدواء.

​غياب القرارات الملزمة: 

                     لم يصدر عن الجلسة أي قرار تحت الفصل السابع، ولا توجد أي تفويضات أُممية لإرسال قوات دولية لحماية المدنيين أو فرض تدخل عسكري خارجي.

​لماذا تُعد أطروحات "التدخل الغربي" بعيدة عن الواقع؟

                     ​إن الحديث عن غطاء جوي غربي أو تدخل عسكري واسع يغطي سماء السودان يفتقر إلى قراءة جادة لطبيعة موازين القوى الدولية والإقليمية، لعدة أسباب جوهرية:

​الموقف السيادي ورفض الحكومة: 

                       ترفض الدولة السودانية بشكل قاطع أي طرح يمس بالسيادة الوطنية أو يقترب من فكرة القوات الأممية لحماية المدنيين، وهو موقف تقف دونه تعقيدات سياسية وميدانية تجعل أي فرض قسري أمراً غير وارد في الحسابات الدولية الراهنة.

​انقسامات مجلس الأمن:

                         يعاني المجلس من تباينات واضحة واستقطاب حاد يجعل من المتعذر توافق الكبار على قرارات جذرية ذات طابع عسكري، ليظل سقف المجلس محصوراً في البيانات السياسية العامة والمناشدات الإنسانية.

​أولويات القوى الكبرى: 

                      تنشغل الدوائر الغربية بملعب الأزمات الدولية الكبرى الأخرى (مثل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط)، وتتعامل مع الملف السوداني بمنطق إدارة الأزمة الإنسانية والضغط الدبلوماسية المحدود لا بالانخراط العسكري المباشر.

​رسالة اطمئنان للداخل

                    ​إن جبهة الداخل السوداني أحوج ما تكون اليوم إلى اليقظة والوعي الحاد ضد حروب الشائعات والتهويل النفسي التي تهدف إلى كسر الإرادة العامة وبث الرعب.

​                     إن ما يدور في أروقة الأمم المتحدة لا يعدو أن يكون نقاشات تقليدية وحوارات دبلوماسية روتينية حول الإغاثة وحماية المدنيين وفق المعايير القائمة، بعيداً كل البعد عن تلك الأطياف المزعومة لآلات الحرب الأجنبية التي يُروج لها في الوسائط. إن الوعي بطبيعة هذه المعطيات هو الدرع الحقيقي في وجه محاولات الترهيب، والاطمئنان إلى أن السيادة الوطنية تظل محصنة ضد أوهام التدخل الخارجي.

مشاركة مميزة

                      ​دبلوماسية الدوران في المكان: مسعد بولس وحصيلة الجمود الدولي على ضفاف البحر الأحمر. بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع ج...