المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2013

الغسل بالكلمات

                          (سأعلّق السنة الجديدة من اقدامها على حبل غسيل وانتظرها حتى تجف من بلل الماضى) هذه كلمات القاص و الشاعر اللبنانى الجميل باسكال عساف ، بنفسه يريد ان يصنع سنته القادمة نظيفة كصحراء الربع الخالى ، نظيفة كدواخله ، تعجبنى هذه الارادة الممتلئة بالتفاؤل والعزيمة ، ويخيفنى بشدة الانتظار طوال الوقت الذى تحتاجه السنة القادمة لتجف فيه من بلل الماضى ، فالانتظار هنا ذاكرة تفتح نوافذها على جراحات نازفة تحتاج الى بحر ليغسلها ، والى ملح يعصر عويلها الذى كان يسلمّك كل ليلة الى ليل مجنون ، فالانتظار هنا يعنى الجلوس على جرح والبلل عويل طويل من نزيفه الحارق ، ولكنها فى الآخر ستجف وستخرج بيضاء ككف موسى عليه السلام ، لم تكن حالما ابدا ايها الشاعر الجميل وانت تنظر الى سنتنا القادمة ، الآن انظر من خلال عينيك وارى كم العوالق المتراكمة فى نفوس الكثيرين ، العوالق التى تبنى داخلهم منفى موحشا لن يروا العمر فيه سوى عام جاف ممتد بلا نهاية ، نفوس تحتاج ان تغطس فى  محيط وبحر لتغتسل منها ، تحتاج لكل الملح فيهما ليتغلغل داخل...

حنايا الكون

                       واسعة هذه النفس البشرية ، واسعة بقدر اتساع الكون ، تستطيع وهى متكئة على عنقريب فى غرفة طينية صغيرة ، ارضيتها مفروشة برمل ناعم ، تستطيع وهى تتفقد بيوت النمل المنتشرة عليها مثل شامات على الوجه ، تستطيع ان تنتقل مع الأسئلة اليومية عن الخلق و المتنقلة على مدار اللحظة ما بين العقل والقلب ، تستطيع ان تنتقل الى عوالم مزدحمة بالجمال وتموج بالحركة ، عوالم تحيا بقربك ولكنك لا تعيرها التفاتة لضيق فى النفس او ضيق فى القلب او ضيق فى العقل ، او ببساطة لأنك بعيد عن الله .                         التيجانى يوسف بشير اكتشف سر القرب من الله ، القرب الذى يفتح ابوابه على عوالم متسعة بالجمال وينقلك اليها اينما كنت :                                                                       ...

لغة النوبة هذّبت العالم

                        النوبيون معجزة البشرية على مر العصور ، ليس لأنهم أول من بنى الاهرامات ، ولا لأنهم أول من اهتم بالفضاء ، ولا لأنهم أول من ابتدع الكتابة ، ولا لأنهم اول .. واول.. واول الى آخر ما اسفرت عنه الحفريات والبحوث التى تناولت هذا التأريخ المجيد المبدع الخلاّق ، ولكن لأنهم لا يزالون يتحدثون اللغة التى تحدث بها من قبل نبى الله وسيدنا نوح عليه السلام ، ولأنهم لا يزالون يتحدثون بذات اللغة التى كتب بها نبى الله وسيدنا موسى عليه السلام على الألواح والصحف .                          كل الأنبياء كانوا هنا ومروا من هنا ، وعرفوا هذه اللغة التى ابدعت فى تهذيب البشر ، فترجموها الى اكثر من لغة واكثر من كتاب ، هذه اللغة ، هى النافذة الأولى التى نظر عبرها ملايين الملايين من البشر الى السماء ، الى حيث الجمال الخالد ، الى النور الذى يضىء ظلمة الاكوان ، الى رب العزة والجلالة ، الى الله ارحم الراحمين ، هى النافذة الاولى التى نقلت البشرية الى ثقافتها السائدة اليوم ....

مأوى جرحى الروح

                         الرصيف ثقب ارضى ابيض ، يجذب جرحى الروح الى عالم من فراغ ، او هكذا نراه عالما من فراغ ، مثلما نرى على رصيف شارع النيل وحيدا جالسا على كنبة من اسمنت وخشب ، نراه تمثالا يحدق فى الفراغ القائم بين الماء والسماء ، يحدق طويلا طويلا كأنه يفرغ فيه حملا ثقيلا ادمى روحه ، اى مدخل على هذا الثقب سيفضى بك الى فضاء مزدحم بالألم والعذاب ، سيفضى بك الى انسانية تتجرح فى اللحظة آلاف المرات جراء عالم متوحش ، يدوس وهو يركض نحو الخراب النهائى على اجمل وانبل خلق الله ، فلا مفر سوى الهروب منه الى الارصفة ، لا يهم ان كانت ارصفة على ضفاف النيل او امام البنايات العالية ، المهم ان يكونوا خارج مدى نظر هؤلاء البشر المسكونين بالوحوش .                           فى البنايات العالية وحينما يموت احد المقيمين على ارصفتها او يعجز عن النهوض صباحا ، لا يطلب سكانها - بشر من جلدة اسمنتية مطابقة لمواصفات البناء - لا يطلبون الاسعاف وانما يهاتفون مسئول البلدية مستفسرين عن ا...

قبل ان تصل القبيلة

                       لو كانت الامنيات تجدى ، لتمنيت ان تسيطر حكومة الجنوب على الاوضاع فى هذه اللحظة ، لا لشىء الا لكى لا تنتقل هذه الصراعات الى القبيلة ، وما يثير القلق فعلا ان بوادر هذا الانتقال تبدوقائمة فى انقسام الحرس الرئاسى الذى يخشى ان يتمدد عموديا داخل الجيش ثم ينتشر بين القبائل ، وفى هذا الافق المزدحم والمنذر بفوضى قاتلة ، تتردد انباء عن احتلال بور من قبل قوات ينتمون الى قبيلة النوير ، ولأن بور هى عاصمة القسم الثانى من قبيلة الدينكا ، فيبدو اننا على موعد مع داحس وغبراء جنوبية ، ثم يضيف توجيه الحكومة الامريكية لرعاياها مغادرة جوبا فورا ، ترقبا قلقا للقادم من الدماء المراقة ، ليختتم الامين العام للأمم المتحدة هذا المشهد المأساوى بمخاوفه عن اقتراب الجنوب من الانزلاق فى حرب اهلية .                         لو كنا فى روما القديمة ، سنصف هذا المشهد الذى يحيط بأرض الجنوب الآن ، بأن هذه الارض تستعد لأستقبال اله القتل والدمار ، ومتى حلّ هناك فستصبح كل من الحكومة ف...

لنحرق هذه الحقائب

                      موانى الدخول فى الدول الافريقية ، تبدو معابرا سهلة  لأسلحة خطرة ، اسلحة لا تطلق الرصاص ولا الغازات القاتلة ، اسلحة ورقية شديدة الخطر ، محمولة على حقائب انيقة بأقفال عالية التقنية ، وموصولة باقمار اصطناعية ترشدها الى مكاتب او منازل او فنادق يتواجد بها مسئول افريقى و توقيع معتمد و ختم ، هذه الحقائب الملأى باليورو والدولار ، هى التى اشعلت الحروب فى معظم بلدان افريقيا .                         الحرب فى افريقيا تكون بدايتها فى هذه الاماكن ، تفرغ الحقائب محتوياتها من اليورو او الدولار وتضع مكانها شهادة بحث بارض تقاس مساحتها بخطوط الطول والعرض ، ارض كل الكنوز التى فى باطنها سر محفوظ فى قرص صلب داخل قمر اصطناعى ، هذا القمر الساحر الذى يعلم بدقة متناهية ، حجم النفط داخلها وعمره الانتاجى ، ويعلم حجم المعدن داخلها وعمره الانتاجى ، ويعلم مدى خصوبتها وحجم انتاجها ، ويعلم ان الحقيبة الملأى باليورو او الدولار التى استحوزت عليها ، ستفرغ نفسها اولا هناك فى بنو...

فى البدء كانت صرخة

                      الصرخة الاولى التى واجهنا بها الحياة ، هل كانت استغاثة ؟ ام كانت تعبيرا عن الألم ؟ كم عدد المرات التى صرخنا فيها طيلة مسار حياتنا ؟ وكم عدد المرات التى وجدنا فيها استجابة رؤوم كتلك التى وجدناها لحظة الميلاد وعلّقتنا على ثدى بدأ عطاءه على الفور من اجل بقائنا فى الحياة ، كأن بينه وبيننا عشرة طويلة ؟ لا ابحث عن اجابات هنا بقدر ما اسعى للتأمل فى عالم الصرخة ، اذ كثيرا ما تراودنى فكرة ان رائعة الطيب صالح (عرس الزين) مصدرها صرخة ، صرخة خرجت عفوا فى زمن ما من مكان ما واضاءت مخبأ امرأة جميلة فى مجتمع محافظ ، فرأى فيها اداة لتحرير ظلمة تلك المخابىء المنتشرة فى المجتمع ، لتجىء رواية (عرس الزين) محمولة على هذه الصرخة .                       ترى من اى نواح النفس تخرج هذه الصرخة المتعددة النبرات والاهداف ؟ تصرخ لتستغيث ، وتصرخ تعبيرا عن الجزع ، وتصرخ تعبيرا عن الألم ، وتصرخ تعبيرا عن الفرح ، وتصرخ ضجرا من الحياة ، ولكنها فى عمومها تبدو لى تعبيرا عن ضعف انسانى ، او ن...

انى اعتزر فهل تصالح ؟

                      حبى لشعبى السودانى بلا حدود ، فهو احدّ الشعوب ذكاءا ، لا كما تشيع الاستطلاعات المضللة التى تختبىء وراءها اجندة تستدهفنا فى وجودنا وثرواتنا ، احبه لأنه علّمنا منذ زمان بعيد ان العقل هو عصمتنا عند المكائد ، تماما كالصبر عند الشدائد ، انظر الى هذا المثل الرائع الذى يقول (الأضينة دقوا واعتزر ليهو) ما اجمل هذا التحريض الذى يدفعك ان تنأى سريعا من تأثير ثقافة الاعتزار على ما فيها من نبل ورقى انسانى حتى لا تكون (اضينة) ، ولكنه تحريض ضد اولئك الذين يتخذون من الاعتزار مطية لتبرير افعالهم المتعمدة التى الحقت الكثير من الاذى بالناس من اجل مصالح ضيقة ، وضد اولئك الذين يلجأون الى الاعتزار بعد ان يكونوا قد فقدوا القدرة على اصلاح الاذى الذى الحقوه بغيرهم ، غنى يا (وردى) غنى ( اعتزارك مابفيدك ..ودموعك ما بتعيدك  العملتو كان بأيدك .. انا ما لى ذنب فيه ) قمة الطرب فى هذه الايام ان تستمع لراحلنا المقيم (وردى) وهو يصدح بأغنية (بعد ايه) .                         وم...

لا يسعها شىء

صورة
                      ما اسم ذلك الشاعر الانجليزى الذى قال مرة انه اذا اعياك عشق امرأة فحوّلها الى ادب ؟ اظنه (كيتس) ، يا له من رجل يستحق من العزاء مقدار حمى العشق التى انهكته واستهلكته حتى الموت ، وربما كانت حمى العشق هى التى اوهمته ان كل العاشقين يمتلكون مثله ذلك الألهام الذى استطاع به ان يكتشف حبال الوصل الممتدة بين جمال الطبيعة وجمال المرأة التى عشقها حتى الموت ، للدرجة التى يعجز معها ان يفرز عما اذا كان الجمال الجالس معه هو امرأته ام مرج مزدحم بزهر وورد بألف لون وألف عطر ، ثم يهرب منه محموما ويصيغه شعرا يثبت ان وراء كل شعر جميل امرأة ، ثم يصير الشعر الذى صاغه ضلعا ثالثا فى هذا المثلث المتساوى الجمال .                       (حوّلها الى ادب) هى قاعدة ليست بالضرورة ان تكون شعرا او قصة او رواية او نثرا مرسلا الى ما لانهاية فى عالم العشق ، فلوحة منسية فى غرفة رجل منس...

عودة تيموثى عبد القيوم

                        تيموثى هو تيموثى ماكفاى ألامريكى الذى قام بتفجيرات اوكلاهوما فى 19 ابريل 1995 ، التفجيرات التى راح ضحيتها 168 ابن آدم ، وطيلة الفترة من 19 ابريل 1995 تاريخ تنفيذه لهذه التفجيرات وحتى تأريخ اعدامه فى 11 يونيو 2001 بذلت السلطات الامريكية جهودا مضنية ومغرية ليبدى شيئا من الندم على جريمته النكراء ، الا انه ظل ثابتا ومتمسكا بتلك الفكرة التى استولت عليه ودفعته دفعا لتنفيذ عملية التفجير ودفعته اخيرا الى قبره ، وتلك الفكرة ليست جديدة على البشر ، فكرة الانتقام من نظام قائم داخل دولة او فى المجتمع او حتى داخل مؤسسة عمل صغيرة ، فهى فكرة حيّة داخل النفس البشرية على مر العصور ، ليس فيها بحث عن بطولة وانما معنى للوجود ، ولو قدر لهذا النظام او ذاك داخل الدولة او داخل المجتمع او داخل مصنع صغير ان يسمع وسوساتها ليلا ونهارا ، لأعاد النظر فى مفاهيمه واساليبه التى يدير بها شئون البشر ، ولقام بأعادة تأسيسها على معايير عادلة وشفافة ، لا تهضم حقا ولا تهدر ...

مانديلا مات

                                           مانديلا مات              اى اخدود عظيم سيسع هذا الرفات

كسلا ام القبيلة ؟

                        ما يجرى من هجوم على البصات السفرية المتجهة الى كسلا ، لا يبدو لى حدثا محليا مرتبطا بموقف قبلى من السلطات ، ففى الصورة العامة تبدو كسلا والقبيلة هدفا مزدوجا من وراء الهجمات على البصات السفرية المتجهة اليها ، فمثل هذا الهجوم عند تصاعده يؤدى الى عزلة المدينة ونزوح سكانها اذا استحكمت هذه العزلة ، فمن هو المستفيد من موت هذه المدينة ؟                           السلطات الامنية تعلم ان حدودنا الشرقية ظلت محل نشاط لجماعات مسلحة منذ امد بعيد ، ولكننا كعادتنا حاصرناه داخل مصطلحاتنا المحببة (شفتة ، مهربون ، تجار ممنوعات ) الى آخر تلك المسميات الهاربة من حقيقة تلك التشكيلات المسلحة واهدافها وما انجزته من مهام على مدى تلك العقود الطويلة من نشاطها المسلح على تلك المساحات من ارض الوطن ، فثمة مساحات تبدو فى ازدياد وتتجه الى التحرر من ا...

اغنيات الشعب لا ترحل

                        من بطن حوارى منسية ، خرج ضياؤه اول مرة نجما فى سماء مصر ، ثم اتسع ليشع فى الأرض التى تتكلم عربى ، ولأن الارض التى تتكلم عربى ظلت ولا زالت فى حاجة الى أغنية او موال يخرج من اوجاعها ويعود اليها ثانية مواسيا ومشجعا ومحرضا ايضا ، لم تصدق ان كل الذى تحتاجه ، هو ان ترفع رأسها لترى نجما يغنى لها ، هكذا بدأ اوّل تعلقها بصوت انهكه حبه للأرض المزدحمة بالوجع والموجوعين :                         الخط دا خطى             والكلمة دى لىّ                         غطى الورق غطى        بالدمع يا عينىّ     ...