بين "تفاهمات الكبار" وضغوط "الميدان": لماذا تعثر المسار السوداني الإثيوبي؟
بقلم: [ محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
حين استقبلت الخرطوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ثم تبع ذلك اللقاء الهام في جيبوتي بحضور نائب رئيس مجلس السيادة السيد مالك عقار، والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله بصفته رئيساً للإيغاد، استبشر المراقبون بوجود "إرادة سياسية" قادرة على طي ملفات شائكة. لقد كانت تلك اللقاءات نجاحاً دبلوماسياً حقيقياً، حيث وضعت النقاط على الحروف في قضايا أمن الحدود والسيادة.
ولكن، لماذا نرى اليوم عودة للتراشق الدبلوماسي واستدعاءً للسفراء؟ وهل كان ما نُشر عن "نجاحات عقار" مجرد تفاؤل عابر؟
١. دبلوماسية المواجهة الشجاعة
الحقيقة التي يجب توثيقها هي أن الجانب السوداني، ممثلاً في مالك عقار، لم يذهب لتلك المفاوضات من باب "تجاهل الواقع"، بل ذهب وهو يضع ملف "الخروقات الأمنية والمسيرات" فوق الطاولة بكل صراحة. النجاح الذي تحقق حينها تمثل في انتزاع التزام سياسي رفيع المستوى بوقف أي أعمال عدائية تنطلق من الأراضي الإثيوبية. كان الاتفاق يهدف صراحة إلى "احتواء الماضي" وتأسيس مرحلة من الثقة المتبادلة.
٢. جيبوتي.. الوساطة في مهب الريح الإقليمية
لقد بذلت جيبوتي، بقيادة الرئيس إسماعيل عمر جيله، جهداً مقدراً لاحتواء الأزمة ووضعها في إطار "الإيغاد". وهذا الجهد، رغم تعثره الأخير، يظل محاولة نبيلة لمواجهة ضغوط إقليمية ودولية هائلة تحيط بالقرن الأفريقي. إن "التراجع" الذي نلمسه اليوم لا يُعبر عن فشل الوساطة الجيبوتية بقدر ما يُعبر عن حجم التعقيدات التي تواجهها دول المنطقة في الحفاظ على حيادها واتفاقاتها في ظل الاستقطاب الحاد.
٣. "عقدة" القرار في أديس أبابا
بتحليل المشهد بعمق، يتضح أن المشكلة ليست في "نصوص الاتفاقات" التي وقعها مالك عقار وآبي أحمد، بل في "تعدد مراكز القرار" داخل إثيوبيا. يبدو أن هناك فجوة بين "المسار السياسي" الذي يمثله رئيس الوزراء، وبين "المسار الأمني والعسكري" الذي تفرضه المنظومة الأمنية الإثيوبية على الأرض.
هذه المنظومة، وتحت وطأة ضغوط ميدانية أو إغراءات إقليمية، اختارت الاستمرار في نهج لا يتسق مع وعود قيادتها السياسية، مما وضع آبي أحمد في موقف حرج أمام التزاماته الدولية تجاه السودان وجيبوتي.
٤. الحقيقة
إن ما حدث مؤخراً من استدعاء للسفير السوداني ليس تراجعاً عن نجاحات سابقة، بل هو صرخة احتجاج ضد "عدم الالتزام" بتنفيذ ما اتفق عليه الكبار في جيبوتي وبورتسودان. لقد أدى السودان ما عليه بصدق، وفتح أبوابه للتهدئة، لكن يبدو أن الأطراف الأمنية في إثيوبيا آثرت تغليب لغة "المناورة الميدانية" على لغة "العهود الدبلوماسية".
الخلاصة:
لقد نجح مالك عقار في انتزاع "الاعتراف والعهد"، لكن الواقع المرير يخبرنا أن العهود السياسية في منطقتنا تظل رهينة بمدى قدرة القادة على لجم منظوماتهم الأمنية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق