بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
محمود درويش: منازلة الغياب بـ "توقيت القلب"
لم يكن محمود درويش شاعراً يصف الفقد، بل كان "مبارزاً" استدرج الغياب من ضبابه إلى حلبة القصيدة. رأى في الغياب خصماً عاتياً لم يتركه يتخطاه، فأحضره أمامه ونازله بالاستعارة، محوّلاً "الكسور النفسية" إلى منارات تضيء محيطات المسافرين.
لقد علّمنا درويش أن:
الغياب كثافة مأهولة: فالمقهى الذي يظنه العابرون "فارغاً"، هو في الحقيقة "يغصُّ بالغائبين" الذين استضافهم الشاعر في ذاكرته، رافضاً نسيانهم.
( لدي ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحيدا في مقهى يظنه الجميع فارغا ولكنه يغص بالغائبين)
الزمن إنسانيٌّ بامتياز: حيث يتوقف نبض الساعة عند رحيل المحبوب، ويبقى الصباح "ليلاً لحين إشعارٍ آخر"، في تمردٍ شعريٍّ على فيزياء الوقت
(الصباح الذي لا تسمع فيه؛ صباح الخير؛ ممن تحب يبقى الصباح ليلا لحين اشعار اخر) .
المنفى جغرافيا اللغة: فمن منفىً إلى منفى، لم يجد درويش وطناً آمناً إلا في "أرض القصيدة"، حتى صار الموتُ نفسه — في نهاية المطاف — هو "الراحة الأبدية" التي تطلّبها قلبه المتعب من عناء الترحال.
وعلى الرغم من هاجس "النسيان" الذي طارده كظله، إلا أن يقينه بـ "أثر الفراشة" ظل هو الأقوى؛ ذلك الأثر الذي لا يُرى ولكنه لا يزول. إن رحيل درويش لم يكن "ضموراً" للغة، بل كان انتقالاً بها من "النبض الحي" إلى "الخلود الأبدي".
الخلاصة:
لقد غادرنا درويش "إنساناً ممتلئاً إنسانيةً"، تاركاً لنا وصيةً ألا نؤطر أنفسنا داخل الفلسفات الجامدة، بل أن ننظر إلى الحياة بمنظار الطفل الذي يدهشه الوجود، لنكتشف في النهاية أن "أجمل الغياب هو ذاك الذي يترك خلفه حديقةً من الكلمات لا تذبل".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق