الثلاثاء، 24 مارس 2026

فلسفة الممرات

 لماذا يخشى العالم استقرار السودان 

فلسفة المكان: حين تستنطق الجغرافيا لغة السيادة

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مع جيميني 

​                   لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد تضاريس صامتة أو خطوط طول وعرض مرسومة على خرائط باهتة؛ بل هي "كائن حي" يتنفس سياسة، وينطق بلغة المصالح والقوة. وفي مطلع عام 2026، نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية يُعاد فيها "تسييس الجغرافيا" بشكل غير مسبوق، حيث يتحول البحر الأحمر من مجرد ممر مائي إلى "ميدان للسيادة"، وتتحول المضايق من بوابات تجارية إلى "أقفال وجودية".

​          السودان: القلب النابض في الممر المنسي

​إذا كان محور (ينبع - السويس) هو الشريان التاجي للطاقة، فإن السودان بموقعه الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر هو "الرئة" التي يتنفس منها هذا المحور. لا يمكن الحديث عن استقرار قناة السويس أو أمن ميناء ينبع دون استقرار "بورتسودان" وسواكن.

إن الجغرافيا السودانية اليوم لا تطالب فقط بالاعتراف بدورها، بل تفرض نفسها كـ "بيضة القبان":

​             الأمن القومي الممتد: إن أي اضطراب في السيادة السودانية هو "ثقب" في جدار الأمن القومي المصري والسعودي على حد سواء. الاستقرار في السودان يعني تأمين الضفة الغربية للبحر الأحمر، وهو ما يقطع الطريق على أي طموحات لقوى دولية تسعى لإنشاء قواعد "متمردة" تهدد انسيابية الحركة نحو السويس.

​.              التكامل اللوجستي: السودان هو الجسر الطبيعي الذي يربط "العمق الأفريقي" المغلق بالممرات المائية العالمية. تسييس هذه الجغرافيا يعني تحويل السودان من "منطقة صراع" إلى "منصة ربط" بين مشروع (نيوم - ينبع) وبين ثروات القارة الأفريقية.

​              غزة وجبل طارق: وحدة المصير المائي

​من العبث فصل ما يحدث في "صخرة جبل طارق" عما يحدث في "رمال غزة". فالمعاهدة الجديدة في جبل طارق لعام 2026، والتي سعت لتأمين البوابة الغربية، هي في جوهرها اعتراف ضمني بأن الممرات المائية وحدة لا تتجزأ.

وهنا تبرز "عبقرية الموقف المصري"؛ فرفض تهجير أهل غزة لم يكن مجرد انحياز أخلاقي (رغم نبالته)، بل كان "فلسفة للمكان" ترفض تصفية الجغرافيا لصالح ممرات بديلة مشوهة (مثل ممر IMEC). صمود غزة هو الذي يُبقي "قناة السويس" كخيار وحيد لا شريك له، ويُجبر العالم على العودة إلى طاولة المفاوضات العربية.

               ​نحو سيادة "القوس العربي"

​إن ما نحتاجه اليوم هو الانتقال من "رد الفعل" إلى "المبادرة الجغرافية". يجب أن تُدار المضايق والممرات بعقلية "الكتلة السيادية الموحدة":

​السودان أولاً: إنهاء الصراعات في السودان ليس ترفاً، بل هو ضرورة حتمية لاستكمال "قوس الأمان". السودان المستقر هو الضمانة لعدم تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة استنزاف".

​              دبلوماسية المضايق: الربط بين (طنجة، السويس، بورتسودان، وينبع) في تحالف لوجستي واحد يجعل من أي مسعى دولي لتهميشنا "انتحاراً اقتصادياً".

​خاتمة: الجغرافيا لا تخون أصحابها

​إن التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا قد تُحتل، ولكنها لا تُهزم طالما أن أصحابها يمتلكون "إرادة المكان". نحن نعيش زمناً أصبحت فيه "السيادة" تُقاس بقدرتنا على التحكم في حركة الموج وحركة القطارات.

السودان، بموقعه وتاريخه، ليس مجرد جار للممرات، بل هو قلبها المحرك. وإذا نجحنا في تسييس هذه الجغرافيا بذكاء، فإننا لا نحمي حدودنا فحسب، بل نصنع مستقبلاً تكون فيه "الكلمة العليا" لمن يملك المفتاح، لا لمن يملك الباب فقط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...