الأربعاء، 18 مارس 2026

صيام عن السلطة

 صيام عن السلطة.. هل تستعيد الأوطان عافيتها؟

​بقلم: محمد أيوب فضل الله

مع جيميني 

​                مع غروب شمس اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك، يودع المسلمون في شتى بقاع الأرض فريضةً ليست كغيرها من الفرائض؛ فهي الخلوة الكبرى مع الخالق، والرحلة التي يخرج فيها المؤمن "مؤقتاً" من حكم أهل الدنيا وضجيج صراعاتهم، ليدخل في رحاب حكم "أحكم الحاكمين". إنها العبادة التي اختصها الله بقوله في الحديث القدسي: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، حيث لا تضيع ذرة خير، بل تضاعف موازين الأعمال في شهرٍ يرجو فيه الجميع أن تصح أبدانهم وتزكو نفوسهم.

​ولكن، وبينما يغسل الصيام أرواح الأفراد، تظل أوطاننا العربية والإسلامية مثقلة بجراح النزاعات والحروب. فنحن نعيش واقعاً مريراً لم ينجُ فيه من لهيب الاقتتال إلا عدد قليل من الدول، وحتى هذه القلة تظل مهددة بالانزلاق نحو المجهول نتيجة الظلم الاجتماعي أو استبداد السلطة، وما تخلّفه هذه السياسات من بيئة خصبة لعدم الاستقرار الداخلي والتدخل الخارجي.

​هنا يبرز تساؤل جوهري ومقترح يحمل في طياته أبعاداً فلسفية وسياسية عميقة: ماذا لو صام الحكام عن "الحكم" كما يصوم العباد عن الطعام والشراب؟

​إننا نعيش في زمن أثبتت فيه الأزمات أن التشبث المطلق بالسلطة هو الوقود الأول للحرائق المشتعلة. ولو أن القاعدة السياسية استلهمت روح الصيام، لربما شهدنا تحولاً جذرياً في مسارات الحكم. إن المقترح بأن يبتعد الحكام لمدة شهر كامل في العام عن كراسي السلطة، تاركين دفة الأمور لثلة مختارة ومؤهلة من أبناء البلاد لإدارة الشؤون العامة، ليس مجرد "يوتوبيا" أو حلماً مثالياً، بل هو دعوة لـ:

​المراجعة والتزكية: تفرغ الحاكم للعبادة والتأمل بعيداً عن صخب القرار السياسي يمنحه الفرصة لمراجعة أفكاره وتجديد نيته تجاه شعبه، فتنزل رحمة الله في قلبه قبل أن تنزل في قراراته.

​اختبار البدائل: تولي نخب وطنية مستقلة لزمام الأمور لفترة مؤقتة يكسر جمود المركزية، ويفتح آفاقاً جديدة للعدالة الاجتماعية، ويؤكد أن الوطن ملك للجميع وليس حكراً على فئة أو فرد.

​إيقاف نزيف الصراعات: إن الصوم عن السلطة هو في جوهره صوم عن الأنا السياسي، وهو كفيل بتهدئة النفوس المحتقنة وتقليل حدة الاستقطاب الذي يجر البلاد إلى ويلات الحروب.

​لقد جعل الله الصيام وسيلة لتقوى القلوب وصحة الأبدان، فما أحوج أوطاننا اليوم إلى "صيام سياسي" يعيد لها عافيتها المفقودة. إن الرجوع إلى مرجعية "أحكم الحاكمين" والتسليم بأن السيادة الحقيقية هي لإرادة العدل والرحمة، هو المخرج الوحيد لننجو بأوطاننا من منزلقات الهلاك.

​ختاماً، ونحن نودع رمضان، نسأل الله أن يتقبل من الصائمين، وأن تكون هذه الأيام المباركة بداية لنهاية عهد الحروب والظلم، ليعود العيد على بلادنا وهي تنعم بظلال السلم، تحت حكم يحترم كرامة الإنسان ويخشى الله في العباد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...