الثلاثاء، 17 مارس 2026

المباراة الصفرية

 بقلم؛ محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

              المباراة الصفرية" (Zero-Sum Game)، حيث لا يتحقق وجود "الأنا" إلا بمحو "الآخر" تماماً.

​هذه "ثقافة الإقصاء" التي أشرتَ إليها لم تعد مجرد تلاسن في المنابر، بل تحولت إلى عقيدة قتالية جعلت الخوف يطرق "باب غرفة النوم"، لأن المعركة لم تعد على السلطة فحسب، بل أصبحت على "الحق في الوجود".

​             تحليل هذا المنسوب العالي من الإقصاء الذي يهدد النسيج المتبقي:

​1. الاستئصال كبديل للتفاوض

​المشكلة في الوعي السياسي السوداني الراهن (سواء عند النخب أو الجماعات المسلحة) هي قناعة كل طرف بأن "الآخر" ليس خصماً سياسياً يمكن التعايش معه، بل هو "سرطان" يجب استئصاله.

​عندما يُعرّف الخصم بأنه "عدو وجودي" أو "خائن للوطن" أو "مرتزق أجنبي"، فإن هذا يسقط تلقائياً أي إمكانية للحوار، ويشرعن "حمام الدم" كفعل تطهيري.

​2. غياب "المنطقة الوسطى" (التطرف الهوياتي)

​في يوغسلافيا، اختفت "المنطقة الوسطى" التي كان يمثلها المثقفون والطبقة الوسطى المستنيرة، وبرز المتطرفون الذين يقتاتون على إحياء المظالم التاريخية.

​في السودان، نحن نعيش الآن "عصر الراديكاليات". فكرة العقد الوطني تتطلب تنازلات مؤلمة من الجميع، لكن في جو الإقصاء الحالي، يُعتبر التنازل "خيانة"، والبحث عن حل وسط "ضعفاً".

​3. "حمامات الدم" وانتقال الصراع إلى الفضاء الخاص

​ اقتراب الدم من "غرفة النوم" هو أدق وصف لحروب الهوية. الحرب التقليدية تكون في الجبهات، أما "حرب الإقصاء الإثني والسياسي" فهي تلاحق الفرد في بيته، في لونه، وفي لهجته.

​هذا النوع من الصراعات يدفع الناس قسراً نحو "التقسيم" كملجأ أخير، لأن الإنسان بطبعه يفضل الانفصال بسلام على العيش تحت تهديد الذبح في عقر داره.

​4. دور القوى السياسية: "حطب الحريق"

​بدلاً من أن تكون القوى السياسية "كوابح" للعنف، أصبحت هي "المحرك" له عبر:

​التجييش العاطفي: استخدام خطاب الكراهية لتأمين القواعد الجماهيرية.

​الاستقواء بالخارج: مما يحول الصراع المحلي إلى حرب وكالة دولية تزيد من أمد الدمار.

​هل من مخرج أمام هذا السد المنيع؟

​عندما تصل ثقافة الإقصاء إلى هذا المدى، يصبح "العقد الوطني" الذي نطمح إليه يبدو كأنه "طوباوية" أو حلم بعيد. ومع ذلك، يظل دورنا هو "كشف الزيف".

​إن فضح آليات الإقصاء وتذكير الناس بأن "نهاية الآخر" تعني حتماً "نهاية الذات" (لأن النار لا تستثني أحداً) هو الجهد المتبقي للمثقف المستقل.

هناك تعليق واحد:

  1. تناولك لما تطرح موضوعي وواقعي
    يجعل من يقرأ لك يستمتع بالموضوع

    ردحذف

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...