الاثنين، 30 مارس 2026

البحر الأحمر مقص الجغرافيا

 البحر الأحمر: "مقصّ الجغرافيا" الذي ينهي أساطير القوة المطلقة

بقلم؛ محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                     في آذار/مارس 2026، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط، بل تحول إلى "مختبر كيميائي" تتفاعل فيه هزيمة المفاهيم العسكرية التقليدية أمام واقعية "حرب الاستنزاف" الذكية. إن انسحاب كبرى شركات الملاحة العالمية وعودتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح ليس مجرد إجراء تأميني، بل هو إعلان رسمي عن فشل "عقيدة الردع" التي اعتمدت عليها القوى العظمى وحلفاؤها في المنطقة لعقود.

​الجغرافيا التي تشتت القوة

                       لقد أثبتت أحداث باب المندب أن "مصدر التهديد" قد نجح في إدارة معركة ذكية بالوكالة، حيث أدى اشتعال الجبهة الجنوبية إلى تأمين "الجبهة الشمالية" لإيران. وبينما كانت واشنطن وإسرائيل غارقتين في ملاحقة مسيرات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات بصواريخ اعتراضية بمليارات الدولارات، كانت طهران تدير "مباراة شطرنج" هادئة، مستنزفةً المخزون العسكري والجهد اللوجستي لخصومها، ودافعةً إياهم نحو خيارات صعبة.

​سوسيولوجيا "الكسرة" والقدرة على وقف الحرب قسراً

                   تتجلى "الكسرة" السوسيولوجية في هذا الصراع ليس كاستسلام عسكري، بل كفقدان لجدوى الاستمرار تحت ضغط الإنهاك. إيران، التي خبرت تاريخياً مرارة "تجرع السم"، تمتلك بنية اجتماعية ونظاماً سياسياً قادراً على تبرير التراجع قسراً بوصفه "انحناءً استراتيجياً" لحماية كيان الدولة؛ فالمجتمع الإيراني قد يجد في وقف الحرب مخرجاً لاستعادة أنفاسه وترميم جراحه، محولاً "الكسرة" إلى وقوف مؤقت لإعادة بناء القدرات.

​أما في الداخل الإسرائيلي، فإن "الكسرة" تأخذ طابعاً وجودياً وأكثر تعقيداً؛ فبينما يدرك "العسكريون العقلاء" وبعض التيارات السياسية النامية أن القوة المفرطة لم تعد توفر أمان الجوار، يرى تيار آخر أن بقاء التهديد الإيراني دون سحق كامل هو "انكسار" لا يمكن التعايش معه. هنا، تبرز المفارقة: إسرائيل قد تُجبر على وقف الحرب قسراً بضغط من القوى العظمى (أمريكا والصين) التي استنزفت مصالحها، مما يضع المجتمع الإسرائيلي أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما القبول بـ "قرار التقسيم" كحتمية جغرافية تنهي أحلام التوسع، أو مواجهة "نزوح عكسي" للنخب والمواطنين الذين لم يعودوا يجدون في "الدولة الثكنة" مكاناً آمناً للمستقبل.

​نهاية الوظيفة والعودة للواقع

                     إن أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد "المصدر" الآن، لن تكون رغبة في الحرب الشاملة، بل هي محاولة أخيرة لصناعة "بروباغندا" تحفظ ماء وجه واشنطن أمام لسعات الداخل الأمريكي المشتعل، وتوفر جسراً للانسحاب الآمن من استنزاف لا طائل منه.

​                 والحقيقة المرة التي تلوح في الأفق هي أن إسرائيل، التي وُظفت طويلاً كذخر استراتيجي للقوى العظمى، بدأت تفقد "جدواها العظمى". فعندما تتعطل الشرايين الاقتصادية الكبرى، تضطر القوى الكبرى (الصين وأمريكا) لفرض "الشرعية الدولية" وقرار التقسيم كحل أمثل وأخير، لإلجام نزوات التوسع التي باتت تعطل شريان الاقتصاد العالمي. إن التاريخ سيسجل أن "باب المندب" في 2026 كان نقطة التحول التي أعادت تعريف القوة وأجبرت الجميع على الانحناء أمام حتمية الجغرافيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...