الخميس، 26 مارس 2026

جنوب لبنان حرب مياه عذبة

 أبعد من "الأمن": هل يشهد جنوب لبنان "حرب مياه" تحت غطاء النيران؟

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مع جيميني 

​                  في المشهد الدامي الذي يشهده جنوب لبنان اليوم، لم تعد الإنذارات الإسرائيلية المتلاحقة بإخلاء القرى مجرد إجراءات "أمنية" كما يسوقها الاحتلال، بل بدأت تأخذ طابعاً جغرافياً وهيدرولوجياً مثيراً للريبة. فبعد أن كان التركيز ينصب على القرى الحدودية، ثم انتقل لفرض "شريط عازل" جنوب نهر الليطاني، نرى اليوم توسعاً مفاجئاً يصل إلى ضفاف نهر الزهراني. هذا التمدد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام تهجير قسري هدفه السيطرة على "الموارد العذبة" وتحويلها من نعمة وطنية إلى نقمة وجودية؟

​تحول المورد إلى "هدف عسكري"

​ .              تاريخياً، ارتبطت الأطماع الإسرائيلية في الجنوب اللبناني بمنابع المياه ومجاري الأنهار، وتحديداً الليطاني والوزاني. واليوم، يتجسد مفهوم "جيوسياسية المياه" (Hydro-politics) في أبشع صوره؛ حيث يتم استخدام "الإخلاء القسري" ليس لتأمين الحدود فحسب، بل لتفريغ جغرافيا مائية كاملة من سكانها. إن استهداف شبكات المياه وتدمير محطات الضخ والجسور الرابطة بين ضفتي الأنهار ليس مجرد تكتيك عسكري لقطع الإمداد، بل هو استراتيجية "أرض محروقة" تجعل الحياة في هذه الحواضن المائية مستحيلة حتى بعد صمت المدافع.

​من الليطاني إلى الزهراني: هندسة التهجير

​.               ان حصر حركة السكان ودفعهم للنزوح خلف خطوط مائية معينة (الليطاني ثم الزهراني) يعيد رسم الخارطة الديموغرافية للبنان بناءً على الموارد الطبيعية. هذا السلوك يشي برغبة في خلق "واقع جغرافي جديد" يتم فيه تحويل الأنهار إلى حدود طبيعية عازلة تقع تحت السيطرة النارية أو الإدارية للاحتلال، مما يمنحه قدرة مستقبلية على التحكم في تدفقات المياه، وهو الطموح الذي طالما راود قادة الكيان منذ عقود.

​القوة الصلبة في مواجهة الوجود الإنساني

​                 ما يحدث اليوم هو تجسيد حي لكيفية تحول الموارد الطبيعية في النزاعات الدولية من ركيزة للتنمية إلى فتيل للاشتعال ومحرك للأطماع. إن المجتمع الدولي، الذي يتحدث عن "الأمن المائي" كحق إنساني، يقف صامتاً أمام تحويل الأنهار اللبنانية إلى خطوط تماس، وأمام تحويل المياه العذبة التي هي سر الحياة إلى سبب رئيسي في اقتلاع الإنسان من أرضه.

​ختاماً، 

              إن ما يجري جنوب نهر الزهراني يتجاوز منطق "المواجهة العسكرية" التقليدية؛ إنه صراع على البقاء فوق جغرافيا مائية غنية، ومحاولة لشرعنة السيطرة على الموارد تحت ستار الضرورات الأمنية. إنها "حرب المياه" الصامتة التي تُخاض بأصوات المدافع والإنذارات القسرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...