مبعوث "الخردة" في حقل الألغام السوداني: دبلوماسية بلا ذاكرة
بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد
مع جيميني
،،، تجددت حدة السجال الدبلوماسي بين وزارة الخارجية السودانية والدوائر المقربة من الإدارة الأمريكية، عقب التصريحات الأخيرة لـ مسعد بولس، صهر الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص، والتي اتهم فيها الجيش السوداني بقصف مستشفى الضعين. هذا الاتهام لم يمر مرور الكرام، بل استدعى رداً حازماً من الخارجية السودانية التي وصفت المبعوث بالانحياز الصارخ لـ "رعاة المليشيا الإقليميين".
غياب "الداتا" وتجاهل المؤسسية
تكمن المعضلة الأساسية في تحركات بولس في كونها تتحرك بمعزل عن "الأرشيف الضخم" والخلفية المعلوماتية الثرية التي تمتلكها الخارجية الأمريكية (State Department) حول السودان. فالسودان ليس ملفاً طارئاً على واشنطن؛ بل هو ساحة لتفاعلات دبلوماسية معقدة، وخطوات اكتملت عبر عقود لدمجه في المجتمع الدولي.
ان القفز فوق هذه الحقائق الدبلوماسية يفقد المبعوث "الميزة التنافسية" التي يحتاجها أي وسيط يسعى لحلول حقيقية، ويجعل من تحركاته مجرد "اجتهادات شخصية" تفتقر للرؤية الاستراتيجية.
من "تجارة الخردة" إلى تعقيدات الحرب
تشير الروايات المتداولة حول الخلفية المهنية لمسعد بولس في قطاع "تجارة الخردة" إلى فارق شاسع بين إدارة الصفقات التجارية وبين إدارة أزمة وجودية في بلد مثل السودان. هذه الخلفية -سواء كانت حقيقة أو شائعة- تنعكس بوضوح على "فقر" أدواته الدبلوماسية؛ فهو يبدأ من نقطة صفرية تتعامل مع واقع ما بعد انقلاب أكتوبر 2021 دون اعتبار لمواقف الاتحاد الأفريقي أو تعقيدات الشرعية الدولية.
الانحياز المكشوف وموت "الوسيط النزيه"
لقد أبدى بولس في أكثر من مناسبة سلوكيات تتنافى مع مبدأ "الحياد" المفترض في أي مهمة سلام. فاتهامه المباشر للجيش في واقعة مستشفى الضعين، قبل صدور تحقيقات دولية أو فنية مستقلة، يضعه في خانة "الطرف" لا "الحكم". هذا الانحياز المكشوف لقوات الدعم السريع ينسجم مع أجندات إقليمية، مما يفرغ مهمته من محتواها الأخلاقي والسياسي.
الخاتمة: دبلوماسية بلا بوصلة
إن الأزمة السودانية بكل تعقيداتها، من صراعات الهوية إلى أمن الطاقة وطرق التجارة الدولية، لا يمكن حلها عبر مبعوثين يفتقرون للخبرة التراكمية. بيان الخارجية السودانية لم يكن مجرد رد فعل على اتهام، بل كان كشفاً لعورة "الدبلوماسية الموازية" التي تحاول فرض واقع جديد يتجاوز الحقائق الميدانية والتاريخية.
ويبقى السؤال: هل يدرك صانع القرار في واشنطن أن ملف السودان يحتاج إلى "جراحين" سياسيين، لا إلى "تجار مواقف"؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق