من الهدنة الي سلام مستدام

 من "تكتيك الهدنة" إلى "استراتيجية السلام": هل تفرض لغة المصالح واقعاً جديداً؟

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مع جيميني 

​                      في عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تبدأ التحولات الكبرى من ثغرات النصوص اللغوية ومناورات غرف التفاوض. اليوم، وبينما ينشغل العالم بتفكيك التناقضات بين النسختين الفارسية والإنجليزية لاتفاق وقف إطلاق النار الحالي، يبرز سؤال أعمق يتجاوز التقنيات النووية: هل يمكن لهذا "النفس القصير" من الهدوء أن يتطور إلى سلام نهائي مستدام؟

​انكسار الأيديولوجيا أمام الأرقام

​                     لقد أثبتت التجربة المريرة للعقود الماضية أن الصدام الأيديولوجي الصرف هو طريق مسدود لا ينتج سوى الاستنزاف. واليوم، تدرك القوى الصاعدة، وعلى رأسها إيران بإرثها التاريخي كقوة عظمى، أن "الخلاص" لم يعد يمر عبر رفع نسب التخصيب، بل عبر رفع معدلات النمو ومؤشرات الرفاه الاقتصادي. إن "نسبة التخصيب" التي كانت يوماً ورقة ضغط سياسية، أصبحت الآن ثقلاً يمكن التضحية به مقابل الانخراط في الدورة الاقتصادية العالمية.

​واشنطن والبحث عن استقرار "مربح"

​                   على الجانب الآخر، تدرك الولايات المتحدة أن سياسة "جرة القلم" التي أطاحت باتفاقات سابقة لم تحقق أمناً مطلقاً، بل خلقت بيئة من عدم اليقين تضر بمصالحها الحيوية في ممرات التجارة وأسواق الطاقة. إن "الضمانة" التي تبحث عنها واشنطن لن تجدها في نصوص قانونية يمكن نقضها في الدورة الانتخابية القادمة، بل في خلق "مصالح متشابكة" تجعل من استقرار إيران مصلحة أمريكية (والعكس صحيح)، تماماً كما حدث في التحولات الكبرى مع قوى كانت يوماً في خانة الأعداء الوجوديين.

​صياغة السلام: من الورق إلى الواقع

                   ​إن التحول من وقف إطلاق النار إلى السلام النهائي يتطلب تجاوز "عقدة الضمانات" التقليدية نحو بناء "هيكل مصالح":

​الاشتباك الاقتصادي:

                        تحويل الاتفاق من ملف أمني تقني إلى "شراكة استثمارية" تشمل قطاعات الطاقة والبنية التحتية.

​الاعتراف بالدور الإقليمي: 

                     صياغة السلام لا تكتمل إلا باعتراف متبادل بالأدوار، حيث تتحول إيران من "لاعب مهدد" إلى "شريك في الاستقرار الملاحي والتجاري".

​الوساطة العربية الجديدة: 

                    إعادة صياغة التحالفات العربية لتكون هي "الضامن الميداني" لهذا السلام، عبر تحويل المنطقة إلى كتلة اقتصادية مترابطة ترفض أن تكون ساحة لتصادم الآخرين.

​الخاتمة

​                   إننا أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف مفهوم "السيادة". فإيران القوية ليست هي التي تمتلك "عتبة نووية" قلقة، بل هي الدولة القادرة على حماية نسيجها الداخلي وازدهارها الخارجي عبر لغة الأرقام. إذا أدرك الخصمان أن تكلفة السلام "المربح" أقل بكثير من تكلفة الحرب "المستنزفة"، فإن هذا الوقف لإطلاق النار قد يكون بالفعل الخطوة الأولى نحو سلام ينهي عقوداً من التوتر، ويؤسس لشرق أوسط جديد تُكتب نصوصه بلغة المصالح التي لا تقبل التأويل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

سليمان كشة

جنيف الاولى