اغتيال جون كينيدي

 ​بين مطرقة السرية وسندان الحقيقة: قراءة في أبعاد الإفراج عن ملفات اغتيال كينيدي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                        ​يحمل التاريخ في طياته أحداثاً فارقة لا تقف خطورتها عند لحظة وقوعها، بل تمتد لتشكل وعي الأمم وسلوك الأنظمة لعقود طويلة. ومن بين هذه الأحداث، يظل يوم الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1963، يوم اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، جرحاً غائراً في مفهوم العدالة السياسية الدولية، ونموذجاً صارخاً لكيفية تحول غياب الحقيقة إلى مهدد للاستقرار العالمي.

                         ​انطلاقاً من المبادئ الثابتة التي يجب أن تحكم النشاط الإنساني والسياسي، ناقشتُ سابقاً في مقال سابق بالمدونة بعنوان (اغتيال رئيس) قضية الاغتيال من زاويتين جوهريتين لا تنفصلان: ضرورة تحصين حياة القادة والرواد، وحتمية كشف الحقيقة وإنفاذ العقاب. واليوم، مع الخطوة التاريخية التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بالإفراج عن عشرات الآلاف من الوثائق السرية المرتبطة بالحادثة، نجد أنفسنا أمام فرصة حقيقية لإعادة قراءة المشهد وتقييمه.

​أولاً: 

تحصين القيادة كركيزة للاستقرار

                           ​إن مبدأ تحصين حياة الرؤساء المنتخبين والقادة الرواد ليس ترفاً سياسياً، بل هو صمام أمان للشعوب. عندما يُغتال قائد في وضح النهار ووسط حراسة مشددة، تنهار الطمأنينة العامة، وتصل رسالة مبطنة مفادها أن "العنف" يمكن أن يكون بديلاً لصناديق الاقتراع وللإرادة الشعبية. إن حماية القادة هي حماية للمؤسسات والديمقراطية نفسها من التغول والانهيار.

​ثانياً:

 مكافحة الإفلات من العقاب وإخفاء الحقيقة

                          ​إن الزاوية الثانية والأخطر في هذا الملف هي "آلية التعتيم". بمقتل المتهم الرئيسي (لي هارفي أوزوالد) بعد 48 ساعة فقط من الحادثة وأمام شاشات التلفزيون، دُفنت الحقيقة القضائية مبكراً، وحلّت محلها تحقيقات سياسية تركت خلفها ثقوباً سوداء.

​                           هنا تبرز القيمة الحقيقية لقرار دونالد ترامب بفتح هذه الملفات؛ ورغم أن الوثائق لم تأتِ بجديد صاعق يغير اسم المنفذ المباشر، ولم تؤيد فرضيات قديمة -مثل الفرضية البصرية المغلوطة التي اتهمت السائق بناءً على انعكاسات ضوئية في فيلم "زابرودر"- إلا أن الإنجاز الحقيقي لهذا الإفراج يكمن في إشاعة الطمأنينة وكسر جدار السرية. لقد كشفت الوثائق عن تقصير استخباراتي كارثي ومحاولات مؤسسية ممنهجة للتغطية على الفشل، مما يثبت صحة المخاوف من أن إخفاء الحقيقة لستة عقود كان بغرض حماية "الآلة العميقة" وليس حماية الأمن القومي.

​السينما والوعي: 

كيف صنعت الكلمة والفن الفارق؟

​                          لا يمكن قراءة هذا الملف دون استحضار التحفة السينمائية الأيقونية JFK (1991) للمخرج أوليفير ستون، وبطولة النجم القدير كيفن كوستنر (الذي أبدع أيضاً في فيلم The Bodyguard). في هذا الفيلم، جسد كوستنر شخصية المدعي العام الشجاع "جيم غاريسون"، وقدم مرافعة تاريخية فككت "الرصاصة السحرية" وحذرت من تحول الدولة إلى أجهزة سرية تدير الصراع خلف الستار.

​                        المفارقة الملهمة هنا هي أن هذا الفيلم ثوّر الرأي العام، وكان السبب المباشر في صدور قانون 1992 الذي استند إليه ترامب لاحقاً للإفراج عن الوثائق. وهذا يثبت أن الفن والكلمة المكتوبة يمتلكان قوة تغيير القوانين وإجبار القوى العظمى على الانصياع للشفافية.

​خلاصة:

 ثورة الإنترنت وعصر اليقظة الشعبية

                         ​إن الخوف الحقيقي الذي صاحب اغتيال كينيدي هو أن يتحول الاغتيال والتعتيم إلى آلية معتمدة في الصراع السياسي، تُستخدم عبر الأجهزة السرية محلياً وخارجياً في الخلافات مع الدول الأخرى.

                       ​لكن عزاءنا اليوم، ومصدر قوتنا، هو أننا نعيش عصر الإنترنت ـ أعظم ثورات عالمنا المعاصر ـ التي سحبت بساط احتكار المعلومة من الغرف المغلقة. بفضل اللامركزية الرقمية، والتوثيق اللحظي، والمنصات الحرة، تحولت شبكة الإنترنت إلى سلطة شعبية قادرة على إحاطة أوكار التآمر والجريمة بالمخاوف، وشلّ قدراتها على طمس الحقائق. لم يعد بإمكان أي جهة صياغة رواية زائفة وفرضها على العقول؛ فالوعي الشعبي اليوم، المسلح بالمعرفة والمبادئ، بات هو الحصن الحقيقي لحماية المستقبل وكشف خبايا الماضي.

تعليقات