بين جمر امدرمان وظلال هرمز

 بين جمر أم درمان وظلال هرمز: كيف تطبخ "الرايات الكاذبة" في الهجير؟

​بقلم: محمد أيوب فضل الله

مع جيميني 

                       ​تلامس مؤشرات الحرارة في أم درمان هذه الأيام عتبة الأربعين درجة، وهو هجير لا يكتفي بإحراق الوجوه، بل يكاد يذيب القدرة على التفكير الهادئ في بلدٍ أُلفت فيه صراعات السياسة فوق صفيح ساخن. يُعيدنا هذا الطقس اللاهب إلى الملاحظة النفسية العميقة التي سجلها الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل في أعقاب فشل انقلاب هاشم العطا صيف عام 1971؛ حين أشار — في سياق رصده لقطارات الإعدامات السريعة والمشحونة التي طالت القيادات المدنية والشيوعية، ورغم التدخل السوفيتي المستميت عبر القاهرة لكبح جماحها — إلى أن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة بعد منتصف النهار في السودان، يصحبُه بالضرورة غليان عاطفي وتوتر نفسي، يطمس معالم التفكير العقلاني العميق، ويجعل القرارات الكبرى تُطبخ على جمر الانفعال والاندفاع لا على نار الحكمة الهادئة.

​                       بيد أن هذا "الطهي العسكري" المتسرع تحت وطأة الهجير والأزمات، ليس حكراً على جغرافيا بعينها، بل هو أداة نظامية عابرة للزمن، تُستدعى بدقة في مطابخ الاستراتيجيات الدولية كلما أريدَ تمرير قرار عسكري مصيري دون منح الرأي العام فرصة للتفكير بهدوء وعمق. وما يحدث اليوم في مياه مضيق هرمز اللاهبة عسكرياً وسياسياً، ليس سوى استنساخ معاصر لآلية "صناعة الذهول" التي تُبنى عليها عمليات "الرايات الكاذبة" (False Flags).

​                     من "ليبيرتي" 1967 إلى "الأباتشي" 2026: الآلية ذاتها

                      ​في يونيو من عام 1967، كانت إسرائيل بحاجة إلى غطاء أمريكي كامل لاندفاعتها العسكرية، وضمان تحييد واشنطن ومنعها من اتخاذ موقف صارم كالذي اتخذته إدارة أيزنهاور في العدوان الثلاثي عام 1956. هنا برزت حادثة السفينة الأمريكية "يو إس إس ليبيرتي" (USS Liberty)؛ ورغم أنها لم تكن سفينة قتالية، بل سفينة أبحاث وتجسس إلكتروني، فقد تعرضت لهجوم إسرائيلي منسق وقاتل. كانت الفرضية الأكثر جلاءً خلف هذا الهجوم — بعيداً عن التبرير الدبلوماسي اللاحق بـ "النيران الصديقة" — هي إغراق السفينة بالكامل ونسب الجريمة إلى مصر، لجر واشنطن كشريك دموي في الحرب، أو على الأقل تعمية الرادارات الأمريكية وحجب المعلومات عنها لمنعها من لجم الهجوم.

                       ​اليوم، وبعد عقود، تتكرر الهندسة ذاتها في مضيق هرمز. سقطت مروحية "أباتشي" أمريكية،  وقبل أن يصدر أي إعلان فني أو تحقيق مستقل، وفوق ذلك كله: دون أي تبنٍّ أو إعلان رسمي من طهران بتحمل المسؤولية، انطلقت الماكينة العسكرية الأمريكية في ردٍّ فوري وعنيف استهدف الرادارات والدفاعات الجوية الإيرانية.

​                       الهدف الاستراتيجي هنا واضح؛ خلق "شرعية عسكرية فورية" تفرض واقعاً ميدانياً جديداً، وتحرم الجميع — بما في ذلك مراكز القرار والبرلمانات — من رفاهية السؤال والتحقيق: من أطلق النار أولاً؟ وهل كان الحادث تصادماً تقنياً أم فخاً مدبراً؟

                     ​بنية الصمت: لماذا تبتلع الشاشات ألسنتها؟

​التساؤل الذي يفرض نفسه وسط هذا الهجير السياسي:

                      لماذا يصمت الإعلام السائد (Mainstream Media) ويتلعثم أمام احتمالات "الراية الكاذبة"؟

                       ​الجواب يكمن في بنية الإعلام المعاصر، الذي تحول في أوقات الحروب من أداة استقصائية تبحث عن الحقيقة إلى ترس في ماكينة "صناعة الموافقة" (Manufacturing Consent). في لحظة الاشتباك، يتم استدعاء عقيدة "الأمن القومي" الصارمة، ليتحول الإعلام إلى ناقل رسمي لبيانات البنتاغون والقيادة المركزية. يصبح التشكيك في الرواية الرسمية أو طرح أسئلة عميقة بمثابة "خيانة" أو إضعاف للجبهة الداخلية، تماماً كما ابتلعت الإدارة الأمريكية كبرياءها عام 1967 وأغلقت ملف "ليبيرتي" حماية لتحالفاتها العليا.

​                      علاوة على ذلك، فإن تعقيد البيئة الاستخباراتية في مضيق هرمز وشح المعلومات المستقلة يجعلان الصحافة التقليدية عاجزة عن تقديم رواية بديلة، فتكتفي بالرواية الجاهزة التي تُقدم لها في غرف الإيجاز الصحفي، تاركةً الحقيقة لتكون — كالعادة — الضحية الأولى في المعركة.

​                     إن التاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يتبع النوتة الموسيقية ذاتها. بين حرارة الصيف التي تُعطل التفكير الهادئ، وبين حرارة المعارك الجيوسياسية التي تُتخذ قراراتها في غرف مغلقة، تظل "الراية الكاذبة" السلاح الأكثر فتكاً لتوجيه الشعوب نحو حروب لم تكن تريدها، ويظل الصمت الإعلامي هو الستار الكثيف الذي يُحجب خلفه الحقيقة، حتى تضع الحرب أوزارها وتصبح مجرد سطور في مذكرات المؤرخين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

لا ترجعنى الىّ