عتمة المنصات وفراغ المقاعد

    قراءة في غياب أمريكا والقوي الفاعلة كالاسلاميين وحلفائهم عن الخماسية المزمع انعقاد اجتماعاتها باديس ابابا. 

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                  تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية 

تاريخاً طويلاً ومعقداً من التشابك الإداري والمؤسسي لمدارس الدبلوماسية الأمريكية مع الملف السوداني منذ عقود.

​الغياب هنا لا يعني مجرد مقعد شاغر، بل يعني غياب حزمة من الأدوار البنيوية التي كانت تمنح هذه المنصات حركتها، وتكامل هذا الغياب مع تغييب القوى المحلية الفاعلة (ومن بينها التيار الإسلامي) يخلق فراغاً يمكن إضاءته عبر النقاط التالية:

​1. غياب "الذاكرة المؤسسية" للملف

​                      الولايات المتحدة ليست مجرد قوة عظمى تملك حق الفيتو أو أدوات الضغط المالي؛ هي تملك "الأرشيف الأعمق" لتفاصيل الهوية السياسية السودانية وصراعاتها منذ أواخر الثمانينات.

​                        واشنطن هي من قادت وقرأت تفاصيل مسار "الإيقاد" الذي أفضى إلى اتفاقية السلام الشامل (CPA) في 2005، وعايشت عن قرب تحولات بنية الحكم الإسلامي في السودان وتناقضاته الداخلية، وخبرت طبيعة النخب السياسية والعسكرية السودانية بمختلف توجهاتها.

​                      غياب هذا الثقل المعرفي والمؤسسي عن طاولة الخماسية يحرم المنصة من "مهندس تاريخي" يدرك تماماً أين تقع الألغام في أي نص سياسي، وما هي الصيغ التي يمكن أن تقبلها الأطراف السودانية بناءً على تجارب العقود الثلاثة الماضية.

​2. تراجع "الضامن الدولي الأوحد" والغطاء الدبلوماسي

​                      في العرف الدبلوماسي، وجود أمريكا داخل أي منصة يمنح المخرجات ما يمكن تسميته بـ "صك الاعتراف الدولي".

​                      القوى السياسية السودانية، بمختلف لافتاتها، كانت تاريخياً ترى في المقعد الأمريكي وسيلة لضمان أن ما يتم الاتفاق عليه سيمر عبر أروقة مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الكبرى.

​غياب هذا الوجود يجعل منصة الخماسية تبدو وكأنها تتحرك في مسار "محلي/إقليمي" معزول، يفتقر إلى المظلة الدولية التي تحمي أي تفاهمات سياسية مستقبلية وتمنحها صفة الديمومة.

​3. معضلة "الفراغ الهيكلي" في غياب القوى الفاعلة (الإسلاميين نموذجاً)

​                     على الجانب الآخر من المعادلة، فإن إضاءة غياب القوى الفاعلة على الأرض، وبشكل خاص التيار الإسلامي والمجموعات المرتبطة ببنية الدولة والجيش، تكشف عن معضلة موضوعية:

​انقطاع شبكة الاتصال الواقعية:

                   أي منصة سياسية تهدف إلى صياغة مستقبل السودان تحتاج إلى "خطوط إمداد" مفتوحة مع مراكز القرار الحقيقية. تغيب هذه الكتلة يحول النقاش داخل الخماسية إلى حوار يدور في جزر معزولة، حيث يغيب الطرف الذي يملك القدرة على تحويل الأفكار السياسية إلى واقع ملموس داخل مؤسسات الدولة أو على جبهات العمل الميداني.

​غياب الشريك الصعب:

                       في أدبيات حل النزاعات، التفاوض الحقيقي لا يتم مع المتطابقين في الرؤية، بل مع "الخصم الصعب" الذي يملك أدوات التأثير. غياب هذا المكون يسقط من المنصة صفتها "التفاوضية" ويجعلها أقرب إلى منصة لتنسيق المواقف بين أطراف متجانسة أصلاً.

​بإيجاز هادئ:

غياب أمريكا يسحب من الخماسية "الذاكرة والغطاء الدولي"، وتغييب القوى الفاعلة كالإسلاميين يسحب منها "الواقعية والاتصال بالأرض". هذا الفراغ المزدوج يجعل المنصة تتحرك في عتمة سياسية، حيث المخرجات المحتملة لا تجد ظهيراً دولياً يتبناها، ولا سنداً محلياً قادراً على تمثيل بؤرة القرار الحقيقي في السودان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

لا ترجعنى الىّ