نزع فتيل الفضيحة

 نزع فتيل الفضيحة: نحو فلسفة تنويرية للتحرر من الابتزاز

​بقلم: محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                      في مقالي السابق "خطفتها فضيحة"، المستوحى من جرح الشاعر محمود درويش، تفككنا معاً كيف تحولت "الفضيحة" من وصمة اجتماعية عابرة إلى سلاح جيوسياسي فتاك؛ أداة قهر واغتيال معنوي قادرة على تغيير مسار الحروب والسياسات الدولية، كما رأينا في توازنات القوى الأخيرة وتأثير "الملفات السوداء" على صناع القرار (ترامب والحرب على ايران). 

                     ​اليوم، نقف عند السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نتحرر من غواية هذا السلاح؟ وكيف نجرد الفضيحة من قدرتها على الابتزاز؟

​إذا تأملنا الخريطة الثقافية للعالم، سنجد أن البشرية انقسمت إلى مدرستين في التعامل مع هذا الوعاء المظلم: آلية غربية براديكاليتها، وآلية شرقية بقسوتها. وبينهما، تضيع إنسانية الإنسان المحاصر بخطئه.

​أولاً: الآلية الغربية.. تصفير العداد بإلغاء "الخطيئة"

                        ​أدرك العقل الغربي الحديث، والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة، أن أخطر ما في الفضيحة ليس الفعل ذاته، بل "السرية" التي تحيط به. السر هو البيئة الحاضنة التي يتنفس فيها المبتزون.

​لذلك، اعتمد الغرب استراتيجية "إلغاء الوصمة" (Destigmatization)، ونقل الفعل من الظلام إلى العلن. ولعل أبرز تجليات هذه السياسة هو دمج "المثلية الجنسية" في مصفوفة حقوق الإنسان الدولية. ورغم أن هذا الفعل يصطدم بالمنظومات الدينية والأخلاقية ، إلا أن الفلسفة الغربية جادلت بوجوده الطبيعي حتى في عالم الحيوان والحشرات، لتقدم له غطاءً قانونياً وحقوقياً.

​النتيجة؟ في المجتمعات الغربية اليوم، لم يعد هذا الفعل يشكل "فضيحة" صالحة للابتزاز السياسي أو الشخصي. لقد سُلط الضوء على الغرفة المظلمة، فمات المبتزون جوعاً لفقدانهم عنصر الصدمة. لكن الثمن الفلسفي كان باهظاً: لقد تم التحرر من الابتزاز عبر "تطبيع الفعل" وإلغاء مفهوم الخطيئة نفسه.

​ثانياً: الآلية الشرقية.. المقصلة التي تغذي المبتز

​        على الجانب الآخر، تعيش المجتمعات الشرقية والمحافظة في جلباب "المثالية الزائفة". هنا، يُنظر إلى الخطأ البشري بوصفه "خروجاً مطلقاً عن الملة أو الجماعة".

​في الشرق، نبالغ في جلد المخطئ، وننصب له المحاكمات الأخلاقية والشعبية على منصات التواصل وفي المجالس. هذا الحصار الاجتماعي العنيف جعل من "الستر" سيفاً ذا حدين:

​هو حماية للعبد، نعم.

​ولكنه تحول إلى "ثغرة ذهبية" ينفذ منها كل شيطان مبتز (سواء كان جهاز مخابرات، أو خصماً سياسياً، أو مجرماً إلكترونياً).

​الشرق، بقسوته على المخطئ، يقدم أكبر خدمة للمبتزين؛ فهو يخيّر الضحية بين الانصياع الأعمى للقهر، أو الانتحار المعنوي والجسدي

ثالثاً: الطريق الثالث.. تنوير مستوحى من "حجر" المسيح

​                     هل نحن مجبرون على الاختيار بين "تطبيع الخطأ" كما فعل الغرب، أو "تدمير المخطئ" كما يفعل الشرق؟

                    ​بالتأكيد لا. الطريق الثالث يكمن في صياغة "أطروحة تنويرية أخلاقية" تعيد الاعتبار لإنسانية الإنسان وضعفه الحتمي، دون المساس بمنظومة الحلال والحرام. طريق يتأسس على الكلمة الخالدة للسيد المسيح عليه السلام وهو يواجه حشداً يريد رجم امرأة:

​"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"

                     ​إن التنوير الحقيقي الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم، لحماية سياسييها ونخبها وشبابها من الابتزاز، يرتكز على ثلاث قواعد ذهبية:

                    ​نزع القداسة الزائفة:

                      أن يعترف المجتمع جمعياً بأننا لسنا ملائكة. الخطأ البشري حتمية، والاعتراف بالذنب والتوبة والندم هي أفعال تحررية شجاعة تطهر الإنسان وتمنحه حصانة نفسية ضد التهديد.

                     ​تحويل الغضب الأخلاقي: 

                    يجب أن يتوقف المجتمع عن جلد "الضحية المخطئة"، وأن يوجه جام غضبه وقوانينه لـ "المبتز ومغتال الشخصية". الخطيئة الشخصية شأن بين العبد وربه (ورحمته وسعت كل شيء)، أما الابتزاز فهو جريمة ضد الإنسانية والمجتمع.

​                 الأمان الروحي كدرع سياسي:

                لو علم كل مسؤول أو فرد أن مجتمعه سيحميه من الابتزاز إذا قرر الاعتراف بخطئه وتصحيحه، لما رأينا قادة دول ينصاعون لأجندات تدميرية لمجرد "تغطية فضيحة شخصية".

​خاتمة

​                    إن العالم اليوم يعاني من جفاف روحي مرعب. الغرب قتل الفضيحة بقتل "الأخلاق"، والشرق أحيا الفضيحة بقتل "الرحمة".

​                      إننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تؤمن بأن الإنسان لو جاء خالقه بتراب الأرض خطايا ثم استغفر وتأب لغفر له. وعندما نُهيكل مجتمعاتنا على ثقافة "الرحمة والمواجهة الحرة" بدلاً من "الرعب والإنكار"، يومها فقط.. سيسقط سلاح الابتزاز، وتسترد البشرية نظرتها التي خطفتها الفضيحة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

لا ترجعنى الىّ