فواتير الدم والغاز

 فواتير الدم والغاز: عندما يقود "القطيع الدولي" أمن العالم نحو الهاوية

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مع جيميني 

                          ​لم يكد الحبر يجف على مقالنا بالأمس، ولم يكد العالم يتنفس الصعداء لساعات معدودات ظنّاً بأن حريق لبنان قد وُضع على سكة الإخماد الدبلوماسي، حتى عادت الآلة العسكرية الإسرائيلية لتشعل الحريق ثانية، وبضراوة غير مسبوقة نفثت حممها في أرجاء الجنوب اللبناني. هذا الانفجار المتجدد لم يحرق مسودات الاتفاق فحسب، بل دفع بالمنطقة سريعاً نحو "العصر الحديدي" للمواجهة المباشرة، بعد أن اضطرت إيران لإشهار أقصى أوراق الضغط الإستراتيجية وأغلقت مضيق هرمز، الشريان الحيوي لعصب الاقتصاد العالمي.

                        ​أمام هذا المشهد المتفجر، يبرز السؤال الوجودي والأخلاقي الحارق: إلى متى يظل هذا العالم عاجزاً، ومشلول الإرادة، ومكبوتاً عن كبح جماح العدوان الإسرائيلي المزمن على جيرانه؟

​                   عصر اليوم، خرج نائب الرئيس الأمريكي بتصريحات باردة تتحدث عن "القدرة على الحفاظ على وقف إطلاق النار ومواصلة المفاوضات"، وهي تصريحات تبدو في ضوء الغارات المستعرة إما استخفافاً بالعقول، أو دليلاً فاضحاً على فجوة عميقة بين أقوال البيت الأبيض وأفعال تل أبيب. إن واشنطن والقوى الكبرى يمتلكون كافة أدوات الضغط واللجم، من السلاح إلى المال إلى الفيتو، لكنهم يفتقرون تماماً إلى الإرادة السياسية والأخلاقية لاستخدامها، مما منح إسرائيل حصانة دائمة لتجاوز كل الخطوط الحمر والعبث بأمن الكوكب.

                       ​إن المفارقة الصادمة والظالمة في هذه الحروب الإقليمية، هي أن النخب السياسية والعسكرية تدير الصراعات عبر "أزرار عن بعد" من داخل غرف مكيفة، بينما الفواتير الباهظة والقاتلة تُدفع من أقوات وجيوب وعظام الفقراء والمستضعفين في بلدان أخرى قد تكون بعيدة عن مركز النيران.

​                        كيف نفهم، بلغة الإنسانية والعدل، أن يرتد هذا التصعيد الجنوني فوراً غلاءً يطحن بيوتنا هنا في السودان؟ كيف يستقيم عقل العالم بينما يقف المواطن البسيط مذهولاً أمام أسطوانة غاز تجاوز سعرها عتبة المائة ألف جنيه سوداني، في وقت لا يتقاضى فيه المعاشي والمتقاعد ـ الذي أفنى عمره في خدمة المجتمع ـ معاشاً شهرياً يقف عاجزاً عند حدود الخمسين ألف جنيه؟ هذه ليست مجرد أرقام، هذه هي "الكتمة الاقتصادية" الرهيبة التي تحول حياة الملايين إلى جحيم، لمجرد أن طرفاً واحداً في الشرق الأوسط يصر على إشعال الحرائق لفرض شروطه الإذعانية.

​                      إن أي محاولة تفكر فيها الولايات المتحدة أو حلفاؤها لفتح مضيق هرمز بالقوة العارية لن تكون نزهة بحرية، بل هي الوصفة المثالية لإحراق الخليج بأكمله وتدمير منشآت الطاقة، مما سيقود الاقتصاد العالمي إلى سكتة دماغية شاملة تضاعف أسعار المحروقات والأقوات إلى مستويات لا يمكن تخيلها.

                       ​إن خطوة إغلاق المضيق هي صرخة في وجه النفاق الدولي: "إذا أردتم غازاً ونفطاً رخيصاً، فاكبحوا جماح حليفتكم أولاً".

​لكن المنظومة الدولية الحالية، وللأسف الشديد، باتت تتصرف كـ "القطيع" الذي توجهه الرغبات الإسرائيلية حيثما تريد. فبدلاً من أن يتوجه المجتمع الدولي بقوته ونفوذه وجيوشه نحو منبع الأزمة الرئيسي في تل أبيب وينزع "مفتاح الحرب" من اليد الطاغية التي تعبث به، نراه يهرع لمعالجة الأعراض الجانبية مهدداً ومتوعداً، متجاهلاً البوصلة الأخلاقية.

                      ​نكتب اليوم لا لنسمع أصحاب الأزرار الذين يحركون الحروب عن بعد، فهم صمٌّ بكمٌ لا يسمعون إلا لغة مصالحهم، بل نكتب من أجل الوعي، ومن أجل المكتومين بنار هذه الحروب؛ لتسجيل موقف تاريخي يرفض أن تظل معايش العالم، وأقوات أطفاله، واستقرار بيوته، رهينة لغطرسة عسكرية لا تجد من يلجمها. إن العالم بحاجة إلى قوة عادلة تنزع مفتاح العبث من يد إسرائيل، قبل أن تدحرج الحرب القطيع الدولي بأكمله نحو الهاوية الكبرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

لا ترجعنى الىّ