كمال الجزولي


​كمال الجزولي: تفكيك النص وتشييد الموقف – عندما يرتدي الناقد عباءة القانوني

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​1. مدخل: الحزن المرجأ والمثقف الشامل

​تأتي الكتابة عن الراحل المقيم كمال الجزولي كنوع من محاولة استرداد الأنفاس وسط غبار الحرب واللجوء والمنافي الفاجعة؛ فالموت الذي غيّبه في أرض مصر، لاجئاً من ويلات حرب التهمت الأخضر واليابس في وطننا، ترك غصّة في الحلق جعلت النعي المباشر ضرباً من المحال. كمال الجزولي لم يكن مجرد كاتب أو سياسي، بل كان قامة تتقاطع فيها دروب الفكر والشعر والقانون، حتى غدت شخصيته نسيجاً متفرداً عانى من شظف الاعتقالات والمطاردات، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن انحيازه للجمال والعدالة.

​2. جدلية الشاعر ورجل القانون: في ضوء أطروحة "ديريدا"

​حين نتأمل إسهامات كمال الجزولي في النقد الأدبي والفكري، يتبادر إلى الذهن مباشرة ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي "جاك ديريدا" في أطروحاته التفكيكية، من أن رجال القانون حين يشتغلون بالنقد الأدبي، يأتي منتجهم كأحد أقوى أنواع النقد وأكثرها تماسكاً.

​هذه "الصرامة القانونية" هي المحرك الخفي لقلم الجزولي الناقد. فالقانوني يُدرّب على تفكيك النص التشريعي، والبحث عن المسكوت عنه بين السطور، وتتبع الثغرات، وإعادة بناء الواقعة استناداً إلى القرائن اللغوية والمادية. عندما نقل الجزولي هذه العدّة المعرفية الصارمة إلى ساحة الأدب والنقد، لم يتعامل مع النصوص بعاطفة الشاعر وانفعاله الفوري فحسب، بل تعامل معها بمبضع الجرّاح وعين المحقق الصارم. لذا، تميزت مقالاته ودراساته ببنية حجاجية منيعة وتماسك منهجي يندر تكراره، محولاً النقد من "انطباعات تذوقية" إلى "بنية معرفية متماسكة".

​3. كمال الجزولي كاتباً وشاعراً: أثر السياسة والاعتقال

​لقد ظُلمت القامة الشعرية للجزولي بفعل الطغيان السياسي؛ فالرجل الذي وهب وقته للنضال في صفوف اليسار، ودفع ضريبة ذلك سنواتٍ من عمره خلف قضبان المعتقلات، حُرمت منه الساحة اللامعة للانتشار الشعري. دواوينه وكتاباته -التي قد يصعب العثور عليها أحياناً بسبب ظروف النشر والتوزيع السودانية المعقدة والملاحقات- تختزن صوتاً شعرياً ممتلئاً بالثورة والوعي الإنساني. إن "السياسة" هنا لم تكن خصماً للأدب، بل كانت المختبر الحقيقي الذي صهر تجربة الشاعر وصقل عقل الناقد.

​4. في فضاء المبدعين العرب: صلات ممتدة

​لم يكن الجزولي منغلقاً على الشأن المحلي، بل كان -بحكم دوره الفاعل في اتحاد الكتاب السودانيين- جسراً ممتداً بين الوجدان الثقافي السوداني وحركة الحداثة العربية. كانت تربطه صداقة وطيدة وعميقة بالشاعر الفذ "محمود درويش" وثلة من كبار المبدعين العرب، صلاتٌ لم تقم على العلاقات المجاملة، بل على وحدة الهم الإنساني والتحرري، والإيمان المشترك بـ "المقاومة بالجمال" في وجه القبح والشمولية.

​5. خاتمة: رحيل الجسد وبقاء المنهج

​رحل كمال الجزولي بعيداً عن أزقة الخرطوم وأم درمان التي أحبها ودافع عنها، ليموت غريباً كعادة الكبار في زمن الانكسار. لكن الإرث الذي تركه كمال، والنموذج الفكري الذي قدمه في المزاوجة بين صرامة القانون وعذوبة الشعر وتماسك النقد، يظل منارة هادية للأجيال القادمة. إنه الغائب الحاضر الذي فكك نصوص الاستبداد، وشيّد في قلوبنا وعقولنا مواقف لا تموت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

لا ترجعنى الىّ