بندول واشنطون


​بندول واشنطن: "فلسفة الهشاشة" وشلل الخيارات أمام طهران

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

                    ​تُقدّم السياسة الخارجية الأمريكية في شرق المتوسط والخليج العربي اليوم نموذجاً حياً لما يمكن تسميته بـ "فلسفة الهشاشة الاستراتيجية"؛ حيث تظهر القوة الأعظم في العالم، مدججة بأعتى ترسانة عسكرية، في حالة من التردد المزمن والتأرجح المستمر بين الوعيد العسكري الصارم والتهدئة الدبلوماسية المفاجئة. هذا المشهد يدفع الكثير من المراقبين إلى التساؤل: هل فقدت الإدارة الأمريكية السيطرة على قراراتها؟

​في الواقع، لم تفقد واشنطن السيطرة بالمعنى الحرفي، لكنها تعيش حالة من "شلل الخيارات". فالتردد الذي أصبح سمة ملازمة لسياساتها، خصوصاً في مواجهتها المحتدمة مع إيران، هو نتاج طبيعي لتصادم حسابات الردع التقليدية مع كلفة جيوسياسية واقتصادية باهظة غير محسوبة، يمكن تفكيكها عبر أربعة أبعاد بنيوية:

​أولاً: معضلة الردع وفخ الاستنزاف

​تبنت الإدارة الأمريكية الحالية عقيدة صلبة تقوم على "إعادة بناء الردع" عبر ضربات خاطفة وقاسية؛ تمثلت في عمليات عسكرية نوعية استهدفت القيادات الإيرانية مباشرة. لكن المعضلة التي واجهت واشنطن هي أن الردع لم يفضِ إلى الاستسلام، بل دفع طهران إلى خوض "حرب بقاء" غير متناظرة، شملت سلاسل إمداد الطاقة العالمية وعصب الملاحة في مضيق هرمز.

​هنا تجلت "فلسفة الهشاشة": فالإمبراطوريات الكبرى تبدو هشة عندما تعجز أدواتها الضخمة عن حسم صراعات هجينة. وجدت واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تلتهم تريليونات الدولارات، أو التراجع خطوة إلى الوراء عبر هدن مؤقتة ومفاوضات بالوساطة. هذا البندول المتأرجح ليس تراجعاً وظيفياً، بل هو محاولة بائسة للخروج من النفق دون إعلان الهزيمة.

​ثانياً: الاستقطاب الداخلي وكلفة "البلد المُنقسم"

​يعاني صانع القرار في البيت الأبيض من كوابح داخلية شرسة تعطل مرونة الحركة؛ إذ يتنازع القرار جناحان:

  • جناح الحسم العسكري: الذي يرى في أي مرونة أو تفاوض علامة ضعف تطيح بهيبة الدولة القائدة.
  • جناح التحذير الاقتصادي: الذي يستشعر فداحة الكلفة المالية (في وقت تتجاوز فيه ميزانيات الدفاع التكميلية عشرات المليارات)، ويخشى ارتدادات أسعار النفط والتضخم على الناخب الأمريكي.

​هذا التجاذب الداخلي الحاد يجعل القرار الخارجي يخرج مشوهاً ومتناقضاً: حشود عسكرية وتصريحات نارية في الصباح، وبحث حميم عن قنوات وساطة عربية وإقليمية في المساء.

​ثالثاً: جدار القوى الكبرى (الفيل في الغرفة)

​لم يعد الصراع أمريكياً-إيرانيّاً خالصاً، بل تحول إلى جبهة من جبهات إعادة تشكيل النظام الدولي. تدرك واشنطن أن الضغط المفرط الذي يهدد بانهيار النظام في طهران، سيدفع الأخيرة كلياً إلى الارتماء في أحضان المحور الشرقي (بكين وموسكو). التدخل الصيني الصامت — سواء عبر الدعم المالي أو تزويد طهران بمنظومات رصد متطورة — يمثل كابحاً جوهرياً؛ فالولايات المتحدة تخشى أن أي صدام واسع قد يفجر مواجهة مباشرة مع المصالح الصينية الحيوية، أو يدفع بكين للرد في جبهات أكثر حساسية كتايوان أو بحر الصين الجنوبي.

​رابعاً: فيتو الحلفاء وجغرافيا الخوف

​على الرغم من التقاء المصالح الظاهري بين واشنطن وحلفائها الإقليميين في كبح النفوذ الإيراني، إلا أن اشتعال النيران الفعلية على الأرض يغير الحسابات. الحلفاء الإقليميون، الذين تقع بنيتهم التحتية واقتصاداتهم النامية في مرمى النيران المباشرة، مارسوا ضغوطاً مكثفة خلف الكواليس لفرملة الاندفاع الأمريكي. لقد فضّلت العواصم الإقليمية فتح قنوات التهدئة لحماية أمنها القومي، مما حرم واشنطن من الغطاء الإقليمي والدبلوماسي اللازم لأي عمل عسكري واسع النطاق.

​خاتمة:

​إن التردد الأمريكي في ملف الصراع مع إيران ليس غياباً للقوة، بل هو انعكاس للفجوة الهائلة بين لغة التهديد السياسي (البروباغندا) وبين القدرة على تحمل التبعات الواقعية على الأرض. إنها اللحظة التاريخية التي تكتشف فيها القوة العظمى أن الهيمنة لم تعد شيكاً على بياض، وأن "الهشاشة" قد تصيب أعتى الجيوش عندما تصبح أدوات الحرب التقليدية عاجزة عن فك شفرة صراعات القرن الحادي والعشرين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

سليمان كشة

جنيف الاولى