ضرورات السيادة الوطنية
انسحاب الوفد السوداني من مجلس حقوق الإنسان: بين دبلوماسية المواجهة وضرورات "السيادة الوطنية"
بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
يمثل انسحاب وزير الخارجية السوداني من جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، احتجاجاً على تقرير لجنة تقصي الحقائق، نقطة تحول في "دبلوماسية القطيعة" التي باتت تسم علاقة السلطة السودانية بالمؤسسات الأممية. هذا الانسحاب ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير عن استراتيجية "المواجهة السياسية" التي انتهجتها الخرطوم رداً على ما تراه تسييساً لملف حقوق الإنسان، وتجاهلاً ممنهجاً لطبيعة الحرب ضد "كيان متمرد" ومرتزقة عابرين للحدود.
أبعاد المشهد في سياق التحولات الراهنة:
أزمة الثقة الممتدة:
يأتي هذا التصعيد تتويجاً لثلاثة عقود من التوتر، حيث باتت السلطة السودانية تنظر للتقارير الأممية كأدوات ضغط لفرض أجندات سياسية، لا كوثائق فنية محايدة. وفي المقابل، يجد المجتمع الدولي نفسه محاصراً بضغوط حقوقية تتجاهل تعقيدات "الأمن القومي" السوداني.
عقيدة "البقاء الوجودي":
إن هذا الموقف يعكس قناعة النخبة الممسكة بزمام الأمور بأن الخطر الوجودي الذي تواجهه الدولة لا يسمح بترف "الدبلوماسية اللينة". فالرهان هنا قائم على خياراته المتاحة في "إعادة التموضع" اقليميا و وليا بالقدر الذي يقيه ضغط المنظمات الدولية.
من "دبلوماسية التبرير" إلى "فرض الواقع": تعتمد السلطة الحالية على أوراق ضغط ميدانية واقتصادية. فمع الانتصارات العسكرية المتلاحقة، وتجفيف الحاضنة الاجتماعية للمتمردين، وتفعيل مشاريع التنمية المستدامة في الولايات، تسعى الخرطوم لفرض واقع يقول إن "استقرار الدولة" هو شرط لا غنى عنه لأي حديث عن حقوق الإنسان أو التحول السياسي.
رسالة إلى المجتمع الدولي:
من خلال هذا الانسحاب، ترسل السلطة رسالة مباشرة مفادها: "لا يمكن التعامل مع السودان كطرف مُدان في قفص الاتهام، بينما يغفل العالم عن الانتهاكات الممنهجة التي يمارسها المتمردون وحلفاؤهم من المرتزقة".
الخلاصة:
إن قرار الانسحاب يعبر عن رغبة السلطة في الخروج من "مربع الدفاع الحقوقي" إلى "مربع السيادة الوطنية". ومع ذلك، تظل هذه الخطوة مقامرة استراتيجية؛ فبينما توفر "أكسجيناً تكتيكياً" للحكومة في معركتها الوجودية، فإنها تضع السودان أمام تحدي الحفاظ على قنوات اتصال دولية تمنع انزلاق البلاد نحو عزلة تامة. إن المعركة الحقيقية الآن ليست فقط في الميدان العسكري، بل في كيفية إدارة "أوراق القوة" السودانية — من موارد استراتيجية وموقع جيوسياسي — لانتزاع اعتراف دولي بدولةٍ لا تقبل الوصاية، وتبحث عن طريقها الخاص للتعافي بعيداً عن صخب أروقة جنيف.
تعليقات
إرسال تعليق