ايران؛ مستنقع ام ضربة قاضية

 ​1. هل أمريكا على أعتاب مستنقع أم تراهن على "الضربة القاضية"؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​وهم "الحسم السريع" في حسابات ترامب:

                       يعكس تفكير الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب ومعاونيه، عقيدة عسكرية تقترب من منطق "الضربات الصاعقة" (Shock and Awe)، حيث يُعتقد أن قوة النيران الهائلة والتفوق التقني المطلق قادران على تركيع الخصم وتغيير سلوكه أو نظامه دون الحاجة لحرب استنزاف برية طويلة. هذا الرهان يستند إلى افتراض أن الضغط العسكري القاسي سيدفع طهران إما للاستسلام أو للقبول بشروط تسوية مجحفة سريعة.  

​خطر الانزلاق إلى المستنقع:

                        في المقابل، يرى العديد من المراقبين والخبراء الاستراتيجيين أن واشنطن تتجاهل دروس التاريخ الحديث في فيتنام وأفغانستان والعراق. فطبيعة الجغرافيا الإيرانية، وتشابكاتها الإقليمية، واعتماد طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء (مثل الحوثيين وغيرهم) لفتح جبهات متعددة (كالبحر الأحمر ومضيق هرمز)، تعني أن أي ضربة عسكرية -مهما بلغت دقتها- لن تهدم البنية التحتية العقائدية والبالستية للخصم بضربة واحدة. وحين تتكسر أطروحة "النصر السريع"، تجد قوة عظمى نفسها تورطت تدريجياً في حرب استنزاف واسعة النطاق ومفتوحة بلا أفق سياسي واضح للخروج.  

​2. لماذا يتكئ الأمريكان على "القوة المطلقة" ويتجاهلون قوة الخصم الكامنة؟

​مأزق الغطرسة التقنية والكمية:

                      يعاني العقل الاستراتيجي الغربي عموماً من انحياز بنيوي نحو التقييم الكمي والتكنولوجي البحت (عدد الطائرات، دقة الصواريخ، الميزانيات الدفاعية). في المقابل، يقلل هذا المنظور من شأن عوامل "القوة غير المتناظرة" (Asymmetric Warfare)، والتي تشمل:  

​القدرة على التحمل والصبر الاستراتيجي (Strategic Resilience).

​العقيدة القتالية المرتكزة على الإبقاء على جذوة الصراع حتى لو تكلفت البنى التحتية دماراً هائلاً.  

​العمق الجغرافي والقدرة على تعطيل شرايين التجارة والطاقة العالمية (مثل إغلاق مضيق هرمز أو تهديد باب المندب)، مما يقلب موازين القوة؛ بحيث لا يشترط للخصم أن "يهزم" أمريكا عسكرياً بشكل مباشر، يكفي أن يكبد الاقتصاد العالمي وأمن الحلفاء ثمناً باهظاً يجبر واشنطن على التراجع.  

​إغفال الأبعاد النفسية والسياسية:

                        يتعامل صانع القرار الأمريكي مع الخصوم بمنطق الأرقام متجاهلاً الأبعاد القومية والنفسية؛ فالتلويح بالضربات المدمرة غالباً ما يولد لدى الشعوب والدول المستهدفة نزعة دفاعية ورغبة أشد في الانتقام، بدلاً من الخضوع المرجو، وهو ما يفسر ارتداد الضربات دائماً إلى تصعيد دائرة العنف بدلاً من احتوائها.  

​3. شبح الحريق الواسع وسياسات "حافة الهاوية" المتحللة من الالتزامات

​التحلل من الضوابط والالتزامات الدولية:

                         تتسم سياسة الإدارة الأمريكية الحالية بالبراغماتية المفرطة والنزعة الأحادية المتحللة من القيود والمؤسسات الدولية أو حتى الاعتبارات التحالفية التقليدية. تتعامل واشنطن بمنطق المناورة المستمرة على حافة الهاوية، معتقدة أنها تستطيع ضبط إيقاع التصعيد وإيقافه متى شاءت.  

​كارثة الحريق الإقليمي:

                         غير أن هذا التكتيك بالذات هو ما يرفع احتمالات خروج الأمور عن السيطرة؛ فاللعب بالنار على تخوم ممرات الطاقة العالمية (حيث يتجاوز سعر النفط حاجز المائة دولار مع اتساع رقعة المواجهات لتشمل البحر الأحمر والخليج) يعني أن أي خطأ في الحسابات أو ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء قد تحرق استقرار المنطقة برمتها. إن تداخل المصالح الدولية، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمات، يجعل من الشرق الأوسط برميل بارود، حيث لم يعد مموضعاً في حسابات واشنطن أن "الضربة المحدودة" ستظل محدودة، بل إنها تتحول سريعاً إلى شرارة تشعل حريقاً شاملاً تتكسر على عتباته مصالح الجميع.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

لا ترجعنى الىّ