لغة القانون وموازين القوة

 لغة القانون وموازين القوة: عن "تبرئة الذمة" الأممية والحصانة الأمريكية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                         ​في عالمٍ تحكمه توازنات القوة وتتحكم في مفاصله النفوذ العسكري، يبرز تساؤل جوهري يتردد صداه مع كل تقرير أو تصريح يصدر عن منظمة الأمم المتحدة وممثليها في مناطق النزاع: هل تملك العبارات القانونية الصارمة القدرة على كبح جماح القوى العظمى، أم أنها تحولت إلى مجرد أدوات بروتوكولية لتبرئة الذمة الأخلاقية؟

​                        لقد أعاد التصريح الأخير لممثل الأمم المتحدة في إيران، والذي وصف فيه الهجمات الأمريكية على البنى التحتية بأنها ترقى إلى "جرائم حرب"، تسليط الضوء على هذه الفجوة الهيكلية العميقة في النظام الدولي. فمن المعلوم بالضرورة أن مبادئ القانون الإنساني الدولي وقوانين الحروب تُدرّس بدقة وكثافة داخل الكليات والمعاهد الحربية حول العالم، ومن بينها بالتأكيد معاهد القيادة المركزية الأمريكية. هذا الواقع الأكاديمي يفرض استنتاجاً منطقياً بأن القادة العسكريين، الذين يصرحون يومياً بشن تلك الهجمات، على دراية كاملة بالحدود الفاصلة بين الأهداف العسكرية المشروعة والأعيان المدنية المحمية دولياً.

​ومع ذلك، فإن هذا الوعي القانوني لا يترجم على أرض الواقع إلى التزام أو خشية من العقاب، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية تفكك شفرة هذا التناقض:

​أولاً:

                      مرونة التفسير العسكري ومفهوم "الاستخدام المزدوج": تلجأ الجيوش الكبرى غالباً إلى إعادة تعيين المفاهيم القانونية لتناسب غاياتها الميدانية؛ حيث يتم إدراج البنى التحتية الحيوية (كالطاقة والاتصالات) تحت مظلة الأهداف ذات "الاستخدام المزدوج" (المدني والعسكري)، مما يمنح المهاجم مسوغاً ذاتياً لتجاوز خطوط القانون الإنساني تحت لافتة "الضرورة العسكرية".

​ثانياً:

                        الحصانة الهيكلية داخل النظام العالمي: يدرك القائد العسكري للقوى العظمى، وتحديداً الولايات المتحدة، أنه يتحرك في بيئة جيو-سياسية تحميه من التبعات القضائية الدولية. فالولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية وتملك تشريعات محلية تمنع ملاحقة أفرادها، فضلاً عن امتلاكها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وهو ما يجعل أي إدانة دولية عاجزة عن التحول إلى آلية عقاب حقيقية.

​ثالثاً:

                         تراتبية القيادة والتوريط السياسي: تخضع الآلة العسكرية في النظم المعاصرة للتوجهات السياسية العليا للإدارة المدنية. وعندما تتبنى الإدارة السياسية استراتيجية معينة، فإن القائد العسكري يجد في الأوامر التنفيذية والغطاء القانوني المحلي الصادر عن دولته مبرراً كافياً للمضي قدماً، معتبراً أن الاستجابة للتوجهات السياسية لبلاده تعلو فوق التفسيرات القانونية الخارجية، حتى وإن بدت تلك الاستجابة في ثوب "التوريط" المستقبلي.

                           ​أمام هذا المشهد المعقد، تكتسب تقارير وتصريحات ممثلي الأمم المتحدة صبغة "تبرئة الذمة" التاريخية والإنسانية أكثر من كونها أداة ضغط سياسي قادرة على إحداث تغيير ملموس في السلوك الأمريكي. إنها محاولة مستمرة وحثيثة من المنظمة الدولية للحفاظ على ما تبقى من مصداقيتها الأخلاقية وصون نزاهتها أمام المجتمع الدولي، عبر تسجيل المواقف وإثبات الحالات قانونياً، حتى وإن كانت تدرك سلفاً أن "الحق" المدعوم بالمواثيق يصطدم دائماً بجدار "القوة" التي صُمم النظام العالمي الحالي لخدمتها وحمايتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سليمان كشة

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

لا ترجعنى الىّ