المشاركات

حريق سد مروي

حين يحترق سد مروي ويختنق الشارع: أزمات الخدمات على خط النار السياسي بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                    تعيد حادثة الحريق المفاجئ في محطة سد مروي، وما تبعه من انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن العاصمة وولايات سودانية عدة، تسليط الضوء بقوة على هشاشة ما تبقى من بنى تحتية في البلاد. وتتجاوز هذه الحادثة البعد الفني البحت لتضع الأوضاع المعيشية والسياسية برمتها على حافة صفيح ساخن، لاسيما حين تتزامن مع تعثر المبادرات السياسية وتآكل قدرة المواطن على التحمل. ​شرارة الكهرباء وغضب الشارع                   ​تاريخياً، وفي أدبيات التغيير والضغط الجماهيري في السودان، تظل أزمات الخدمات المباشرة – وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء واقترانها بندرة الوقود والخبز – هي المحرك الأسرع للاحتقان الشعبي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة اليومية، وتوقفها يعني شلل تام في المستشفيات، محطات المياه، الأسواق، وكل تفاصيل الإنتاج. وتأتي هذه الصدمة الخدمية في أسوأ توقيت ممكن، متزامنة مع طقس قا...

الخماسية وصراع حافة الهاوية

 حافة الهاوية: متى تدرك الكتلة الصلبة أن الوطن لا يحتمل مزيداً من العبث؟ بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​لم    لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة أن السودان يمر بأدق وأحلك منعطف في تاريخه الحديث؛ أزمة قاتلة ومدمرة ومتطاولة تفتك بالإنسان والمكان، وتلقي بظلالها الكالحة على كل بيت وشارع. وفي وقتٍ تتسع فيه دائرتا الجوع والنزوح وتتآكل مقومات الدولة، تستمر الكتل السياسية المعارضة، على اختلاف تشكيلاتها ومنصاتها، في التمترس خلف مواقف حدية لا تزيد المشهد إلا تعقيداً، غير واعية بأن رهانها على إطالة أمد الخلاف يترك مصير البلاد رهيناً لحسابات الميدان العسكري باستحقاقاته العالية وانعقاد أمال الناس عليه. وعلى ما يلتف حوله من كتل مدنية.  ​وهم الإقصاء واحتكار الحقيقة                    ​إن الخطأ التاريخي الأكبر الذي تقع فيه بعض كتل الرفض المعارضة هو الاعتقاد بأنها تملك "صك البراءة الثورية" أو حق احتكار تمثيل الشارع السوداني بمفردها. إن تجاهل الوزن المقابل للكتلة الواسعة الداعمة لمؤسسات الدولة ووجود ظهير مدني وشعبي وكتل...

دمياط؛ حرب الروايات والبدائل

 حرب الروايات والبدائل: قراءة في أبعاد حادث ناقلات دمياط ومحاولة ضرب الثقة في الاقتصاد المصري بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                         ​يشهد المشهد الإقليمي والدولي صراعاً خفياً لا يقل شراسة عن المواجهات العسكرية المباشرة، وهو صراع «سلاسل الإمداد» و«البدائل الاستراتيجية» للطاقة. وفي هذا السياق، جاء حادث محطة وناقلات الغاز المسال في ميناء دمياط ليثير عاصفة من التساؤلات، لا تتعلق فقط بحجم الأضرار المادية، بل بطبيعة "حرب الروايات" التي رافقته، والدوافع الخفية وراء تضخيمه إعلامياً واستخباراتياً. ​بين الواقع التقني والرواية الدولية: قراءة في تفاصيل الحادث ​                       في الوقت الذي رجحت فيه بعض الدوائر والآراء المحلية أن ما جرى لا يعدو ككونه حادثاً تقنياً عادياً مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة القياسية والضغط التشغيلي على غرف المحركات في ناقلات الغاز، وتحديداً في ظل أجواء صيفية ضاغطة، خرجت وكالات عالمية مثل "رويترز" وشركات أمن ...

ايران؛ مستنقع ام ضربة قاضية

 ​1. هل أمريكا على أعتاب مستنقع أم تراهن على "الضربة القاضية"؟ بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​وهم "الحسم السريع" في حسابات ترامب:                        يعكس تفكير الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب ومعاونيه، عقيدة عسكرية تقترب من منطق "الضربات الصاعقة" (Shock and Awe)، حيث يُعتقد أن قوة النيران الهائلة والتفوق التقني المطلق قادران على تركيع الخصم وتغيير سلوكه أو نظامه دون الحاجة لحرب استنزاف برية طويلة. هذا الرهان يستند إلى افتراض أن الضغط العسكري القاسي سيدفع طهران إما للاستسلام أو للقبول بشروط تسوية مجحفة سريعة.   ​خطر الانزلاق إلى المستنقع:                         في المقابل، يرى العديد من المراقبين والخبراء الاستراتيجيين أن واشنطن تتجاهل دروس التاريخ الحديث في فيتنام وأفغانستان والعراق. فطبيعة الجغرافيا الإيرانية، وتشابكاتها الإقليمية، واعتماد طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء (مثل الحوثيين وغيرهم) لفتح جبهات...

العرس الكروي العالمي

 عندما ينحني التاريخ لجمال اللعبة: ومضات إنسانية من العرس الكروي العالمي بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                      حين تقف البشرية المعاصرة على عتبات الأحداث الكبرى التي تُعيد صياغة وجدان الملايين، نادرًا ما تتقاطع السياسة والثقافة والتاريخ في نقطة واحدة مثلما تتقاطع في الساحات المستطيلة لعالم كرة القدم. ليست المنافسات مجرد صراع تكتيكي على لقب أو كأس ذهبية، بل هي مرآة كبرى تنعكس عليها هواجس الشعوب، وتتجسد في تفاصيلها الدقيقة أسئلة الهوية، والذاكرة التاريخية، والتشوق الجارف نحو إنسانِيّةٍ رحبة تتجاوز ترسبات الماضي وجهالات الحاضر. ​من صخب الرموز إلى بساطة المعنى ​                    في العرس الكروي الأخير، كان المشهد الختامي يحمل في طياته تحولاً دلالياً عميقاً؛ إذ تخلت الملاعب عن الصخب البصري المعقد والرموز الجدلية التي طغت على محطات سابقة، لتفسح المجال أمام إيقاع نقي ينبض بالحياة، ولغة فنية تلامس وجدان الجمهور العريض مباشرة. هذا التحول نحو البساطة ...

لغة القانون وموازين القوة

 لغة القانون وموازين القوة: عن "تبرئة الذمة" الأممية والحصانة الأمريكية بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                           ​في عالمٍ تحكمه توازنات القوة وتتحكم في مفاصله النفوذ العسكري، يبرز تساؤل جوهري يتردد صداه مع كل تقرير أو تصريح يصدر عن منظمة الأمم المتحدة وممثليها في مناطق النزاع: هل تملك العبارات القانونية الصارمة القدرة على كبح جماح القوى العظمى، أم أنها تحولت إلى مجرد أدوات بروتوكولية لتبرئة الذمة الأخلاقية؟ ​                        لقد أعاد التصريح الأخير لممثل الأمم المتحدة في إيران، والذي وصف فيه الهجمات الأمريكية على البنى التحتية بأنها ترقى إلى "جرائم حرب"، تسليط الضوء على هذه الفجوة الهيكلية العميقة في النظام الدولي. فمن المعلوم بالضرورة أن مبادئ القانون الإنساني الدولي وقوانين الحروب تُدرّس بدقة وكثافة داخل الكليات والمعاهد الحربية حول العالم، ومن بينها بالتأكيد معاهد القيادة المركزية الأمريكية. هذا الواقع الأكاديمي ي...

كرة القدم في قبضة الشركة

 كرة القدم في قبضة "الشركة": هل ماتت الرياضة لنحيا في عصر التسليع؟ بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                         ​لم تعد كرة القدم، في جوهرها الذي عرفناه وعشناه، تلك الساحة البسيطة التي تتقاطع فيها المهارة البشرية مع القيم الرياضية السمحة. لقد انزوت "الرومانسية الرياضية" جانباً، لتفسح المجال أمام كيان عملاق، عابر للقارات، لا يرى في الملعب إلا "منصة إعلانية" وفي المشجعين إلا "أرقاماً في ميزانية سنوية". إننا لا نشهد اليوم تطوراً للرياضة، بل نشهد تحولاً جذرياً في "جينومها" المؤسسي. ​1. الفيفا: من "إدارة لعبة" إلى "إدارة اقتصاد عابر للحدود"                      إن الانتقال من منظمة أهلية إلى شركة تُحقق أرباحاً تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً ليس مجرد نجاح إداري، بل هو إعلان عن نهاية استقلالية المؤسسة الرياضية. هذه الأرباح ليست نتاجاً لجمال اللعبة فحسب، بل هي نتاج لدمج الرياضة بصناعات الموضة، وتدوير النفايات تحت شعارات الاستدامة الصديقة للبيئة، مما...

ضرورات السيادة الوطنية

 انسحاب الوفد السوداني من مجلس حقوق الإنسان: بين دبلوماسية المواجهة وضرورات "السيادة الوطنية" بقلم محمد أيوب فضل الله احمد مع جيميني                        ​يمثل انسحاب وزير الخارجية السوداني من جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، احتجاجاً على تقرير لجنة تقصي الحقائق، نقطة تحول في "دبلوماسية القطيعة" التي باتت تسم علاقة السلطة السودانية بالمؤسسات الأممية. هذا الانسحاب ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تعبير عن استراتيجية "المواجهة السياسية" التي انتهجتها الخرطوم رداً على ما تراه تسييساً لملف حقوق الإنسان، وتجاهلاً ممنهجاً لطبيعة الحرب ضد "كيان متمرد" ومرتزقة عابرين للحدود. ​أبعاد المشهد في سياق التحولات الراهنة: ​أزمة الثقة الممتدة:                     يأتي هذا التصعيد تتويجاً لثلاثة عقود من التوتر، حيث باتت السلطة السودانية تنظر للتقارير الأممية كأدوات ضغط لفرض أجندات سياسية، لا كوثائق فنية محايدة. وفي المقابل، يجد المجتمع الدولي نفسه محاصراً بضغوط حقوقية تتجاهل تعقيدا...

الغراب الذي حصد الجائزة

 عبد العزيز بركة ساكن: حينما يحلّق "الغراب" ليحصد الاعتراف العالمي بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                      في مشهد أدبي يزداد فيه احتفاء العالم بالأصوات التي تكتب من "الهوامش" وتقتحم سكون السرد التقليدي، جاء فوز الروائي السوداني الكبير عبد العزيز بركة ساكن بجائزة "لور باتايون" (Prix Laure-Bataillon) لعام 2026 عن روايته "الغراب الذي أحبني" كأفضل رواية مترجمة إلى الفرنسية، ليؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: أن الإبداع الصادق هو الجسر الأقوى الذي يعبر الحدود. ​السرد الذي كسر الجدران ​                      لقد عرفتُ بركة ساكن منذ سنوات كواحد من أكثر الروائيين الذين أثاروا اهتمامي بجودة سردهم. ولطالما كان حلمي، مثل الكثيرين من محبي الأدب، أن أقتني رواياته بمجرد صدورها. لقد تابعتُ عبر السنوات كيف صنع بركة ساكن شهرته وانتشاره بفضل "قوة السرد" وحده، وبفضل قدرته الفائقة على التقاط نبض الطبقات المسحوقة. ​              ...

الأبيض تفضح المجتمع الدولي

 عندما يتحول دور المؤسسات الدولية الكبرى من "منع الجريمة وفرض السلام" إلى مجرد "شاهد يوثق الكارثة قبل وقوعها"، بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                       انتهت امس جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة،للأزمة السودانية بمخرجات كشفت العجز البائن الذي احاط بأعلى مؤسسات الأمم المتحدة، واسوأ ما خرجت به تجسيدا لهذا العجز هو التحذير من وضع كارثي وشيك في مدينة الأبيض نتيجة للحصار والتحشيد الذي يقوم به الدعم السريع.                        وجاء هذا التحذير بمثابة اعلان لسكان المدينة بأخلائها لتجنب الكارثة الوشيكة، وهو اعلان يأتي متناسقا مع تحوله الدرامي في وظيفته من مؤسسة معقود عليها منع الحروب وحفظ الأمن والسلم الي شاهد وموثق مستقبلي لكوارث عجز عن درءها بعد أن أصبح خاضعا لمعايير سياسية تهمها مصالحها وليس الحق والعدل.                     التاريخ القريب والبعيد يثبت للأسف أن التعويل على الإرادة الدولية ...

اغتيال جون كينيدي

 ​بين مطرقة السرية وسندان الحقيقة: قراءة في أبعاد الإفراج عن ملفات اغتيال كينيدي بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                          ​يحمل التاريخ في طياته أحداثاً فارقة لا تقف خطورتها عند لحظة وقوعها، بل تمتد لتشكل وعي الأمم وسلوك الأنظمة لعقود طويلة. ومن بين هذه الأحداث، يظل يوم الثاني والعشرين من نوفمبر عام 1963، يوم اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، جرحاً غائراً في مفهوم العدالة السياسية الدولية، ونموذجاً صارخاً لكيفية تحول غياب الحقيقة إلى مهدد للاستقرار العالمي.                          ​انطلاقاً من المبادئ الثابتة التي يجب أن تحكم النشاط الإنساني والسياسي، ناقشتُ سابقاً في مقال سابق بالمدونة بعنوان (اغتيال رئيس) قضية الاغتيال من زاويتين جوهريتين لا تنفصلان: ضرورة تحصين حياة القادة والرواد، وحتمية كشف الحقيقة وإنفاذ العقاب. واليوم، مع الخطوة التاريخية التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بالإفراج عن عشرات الآلاف من الوثائق السر...

فواتير الدم والغاز

 فواتير الدم والغاز: عندما يقود "القطيع الدولي" أمن العالم نحو الهاوية ​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد مع جيميني                            ​لم يكد الحبر يجف على مقالنا بالأمس، ولم يكد العالم يتنفس الصعداء لساعات معدودات ظنّاً بأن حريق لبنان قد وُضع على سكة الإخماد الدبلوماسي، حتى عادت الآلة العسكرية الإسرائيلية لتشعل الحريق ثانية، وبضراوة غير مسبوقة نفثت حممها في أرجاء الجنوب اللبناني. هذا الانفجار المتجدد لم يحرق مسودات الاتفاق فحسب، بل دفع بالمنطقة سريعاً نحو "العصر الحديدي" للمواجهة المباشرة، بعد أن اضطرت إيران لإشهار أقصى أوراق الضغط الإستراتيجية وأغلقت مضيق هرمز، الشريان الحيوي لعصب الاقتصاد العالمي.                         ​أمام هذا المشهد المتفجر، يبرز السؤال الوجودي والأخلاقي الحارق: إلى متى يظل هذا العالم عاجزاً، ومشلول الإرادة، ومكبوتاً عن كبح جماح العدوان الإسرائيلي المزمن على جيرانه؟ ​                ...

اخماد حريق لبنان

          بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني           في الازمة الإسرائيلية اللبنانية؛   حدثت تطورات دراماتيكية متسارعة ومتطابقة  قبل قليل حيث كادت الأمور أن تنفجر بالكامل بسبب معادلة "الذرائع والعمليات الميدانية"، لكن الساعات الأخيرة حملت إعلاناً حاسماً. ​                     رصد لما جرى اليوم (الجمعة 19 يونيو 2026): ​1. الانهيار الصباحي: "حريق" كاد يعصف بالمفاوضات                        ​شهدت ليلة أمس وصباح اليوم تصعيداً هو الأعنف، حيث شنت إسرائيل غارات مكثفة ضربت أكثر من 80 هدفاً في الجنوب والبقاع (أسفرت عن مقتل 21 شخصاً)، وجاء ذلك بذريعة الرد على مقتل 4 جنود إسرائيليين في اشتباكات بالجنوب، وهو ما اعتبرته تل أبيب "خرقاً لوقف النار" وحاولت توظيفه لفرض واقع ميداني جديد. ​هذا التصعيد كاد أن يعصف بالاتفاق الإقليمي الأكبر بالكامل: ​تجميد المحادثات:              ...

اغطية النبي (٢)

 أغطيةُ النَّبيِّ: قراءةٌ متجدِّدةٌ في فِلْسَفَةِ الِهجْرةِ والتحوُّلاتِ الكُبْرى ​بقلم: محمد أيوب فضل الله مع جيميني                      ​قبل نحو أربعة عشر عاماً، خططتُ على صفحات هذه المدونة (هاروناب) موضوعاً احتفائياً بالعام الهجري الجديد، واخترت له حينها عنواناً استقر في ذاكرتي: "أغطية النبي". وطوال السنوات الماضية، ظل يراودني إحساس خفيّ بأن ثمة قصوراً شاب ذلك التناول؛ فقد كانت الرؤية وقتها -ربما- مأخوذة بجماليات السرد العاطفي والروحي التقليدي. اليوم، ومع تقلبات الزمان واتساع مسافة الوعي، أجدني مدفوعاً لإعادة غزل ذلك المفهوم القديم، فالنص الذي لا ينمو بنمو صاحبه هو نص جامد، وذكرى الهجرة ليست مجرد تقويم يطوى، بل هي "بنية فكرية" متحركة تحتاج إلى تفكيك مستمر. ​                    ان "الغطاء" في الوجدان الإنساني والمأثور اللغوي ليس مجرد قطعة قماش، بل هو الستر، والأمان، والدفء، وعلامة التحول من حال إلى حال. وإذا أعدنا قراءة رحلة الهجرة النبوية من خلال فلسفة "الأغطية"، سنكتشف أنها...

نزع فتيل الفضيحة

 نزع فتيل الفضيحة: نحو فلسفة تنويرية للتحرر من الابتزاز ​بقلم: محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​                      في مقالي السابق "خطفتها فضيحة"، المستوحى من جرح الشاعر محمود درويش، تفككنا معاً كيف تحولت "الفضيحة" من وصمة اجتماعية عابرة إلى سلاح جيوسياسي فتاك؛ أداة قهر واغتيال معنوي قادرة على تغيير مسار الحروب والسياسات الدولية، كما رأينا في توازنات القوى الأخيرة وتأثير "الملفات السوداء" على صناع القرار (ترامب والحرب على ايران).                       ​اليوم، نقف عند السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نتحرر من غواية هذا السلاح؟ وكيف نجرد الفضيحة من قدرتها على الابتزاز؟ ​إذا تأملنا الخريطة الثقافية للعالم، سنجد أن البشرية انقسمت إلى مدرستين في التعامل مع هذا الوعاء المظلم: آلية غربية براديكاليتها، وآلية شرقية بقسوتها. وبينهما، تضيع إنسانية الإنسان المحاصر بخطئه. ​أولاً: الآلية الغربية.. تصفير العداد بإلغاء "الخطيئة"             ...

بين جمر امدرمان وظلال هرمز

 بين جمر أم درمان وظلال هرمز: كيف تطبخ "الرايات الكاذبة" في الهجير؟ ​بقلم: محمد أيوب فضل الله مع جيميني                         ​تلامس مؤشرات الحرارة في أم درمان هذه الأيام عتبة الأربعين درجة، وهو هجير لا يكتفي بإحراق الوجوه، بل يكاد يذيب القدرة على التفكير الهادئ في بلدٍ أُلفت فيه صراعات السياسة فوق صفيح ساخن. يُعيدنا هذا الطقس اللاهب إلى الملاحظة النفسية العميقة التي سجلها الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل في أعقاب فشل انقلاب هاشم العطا صيف عام 1971؛ حين أشار — في سياق رصده لقطارات الإعدامات السريعة والمشحونة التي طالت القيادات المدنية والشيوعية، ورغم التدخل السوفيتي المستميت عبر القاهرة لكبح جماحها — إلى أن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة بعد منتصف النهار في السودان، يصحبُه بالضرورة غليان عاطفي وتوتر نفسي، يطمس معالم التفكير العقلاني العميق، ويجعل القرارات الكبرى تُطبخ على جمر الانفعال والاندفاع لا على نار الحكمة الهادئة. ​                       بيد أن ...

اكتمال سيناريو العزل ام التقسيم

 بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                          البيان المشترك لامريكا وفرنسا والمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والايقاد والجامعة العربية الداعم للمبادرة الخماسية ، رغم القوة التي يتمتع بها كاكبر كتلة دولية أعلنت اهتمامها بالشأن السوداني الا ان بيانها تعمد الصمت عن "أسماء الكيانات" الممنوعة لتسهيل جمع الأطراف، لكن هذا "الغموض البنّاء" دولياً سيتحول إلى "لغم حقيقي" محلياً بمجرد بدء اللجنة الخماسية في إرسال دعوات الحوار الفعلية وتحديد قوائم الحاضرين. إذا فشلت اللجنة الخماسية في تجاوز "لغم الإقصاء" ولم تنجح في جمع القوى المدنية على طاولة واحدة، فإن المبادرة لن تتوقف فجأة، بل ستتحول ديناميكيتها إلى مسارات بديلة ومقلقة، لأن المجتمع الدولي يبحث عن "مخرج إجرائي" للأزمة ولا يملك رفاهية الانتظار المفتوح. ​في حال انسداد الأفق أمام حوار شامل، فإن مآلات المبادرة الخماسية تتلخص في ثلاثة سيناريوهات رئيسية: ​1. سيناريو "بمن حضر" (الشرعية الواقعية) ​إذا أصرت قوى مدنية رئيسية (مث...

عراك النخب الصفري

         عراك النخب الصفري؛ عندما يهدد البديل الدولي بعزل السياسة في السودان بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                لا توجد إحصائية رسمية تحدد رقماً ثابتاً ونهائياً لجميع المبادرات التي طُرحت لحل الأزمة السودانية، نظراً لتعدد المسارات الإقليمية، الدولية، والمحلية، فضلاً عن تداخل الأزمة وتطورها من مرحلة الانتقال السياسي (ما قبل أبريل 2023) إلى مرحلة الحرب الحالية. ​                    ومع ذلك، رصدت التقارير والمراكز الدراسية ما يزيد عن 9 إلى 10 مبادرات رئيسية وكبرى على المستويين الإقليمي والدولي، إلى جانب عشرات المبادرات والنداءات المحلية والداخلية.                     إن العقبة الأساسية التي واجهت هذا العدد الكبير من المبادرات لم تكن نقص الأفكار أو الحلول المطروحة، بل غياب الإرادة السياسية الكافية للتنفيذ من قبل أطراف الصراع، بالإضافة إلى تباين الأجندات وتعدد المنابر الذي أدى أحياناً إلى تشتيت الجهود الد...

عتمة المنصات وفراغ المقاعد

    قراءة في غياب أمريكا والقوي الفاعلة كالاسلاميين وحلفائهم عن الخماسية المزمع انعقاد اجتماعاتها باديس ابابا.  بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                    تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية  تاريخاً طويلاً ومعقداً من التشابك الإداري والمؤسسي لمدارس الدبلوماسية الأمريكية مع الملف السوداني منذ عقود. ​الغياب هنا لا يعني مجرد مقعد شاغر، بل يعني غياب حزمة من الأدوار البنيوية التي كانت تمنح هذه المنصات حركتها، وتكامل هذا الغياب مع تغييب القوى المحلية الفاعلة (ومن بينها التيار الإسلامي) يخلق فراغاً يمكن إضاءته عبر النقاط التالية: ​1. غياب "الذاكرة المؤسسية" للملف ​                      الولايات المتحدة ليست مجرد قوة عظمى تملك حق الفيتو أو أدوات الضغط المالي؛ هي تملك "الأرشيف الأعمق" لتفاصيل الهوية السياسية السودانية وصراعاتها منذ أواخر الثمانينات. ​                        واشنطن هي من قادت وقر...

عار الجيش الإسرائيلي

       إدراج الجيش الإسرائيلي في قائمة العار وما يعنيه هذا الادراج.  بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني            إدراج الأمين العام للأمم المتحدة للقوات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في "قائمة العار" السنوية للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يُمثل بالفعل تحولاً دبلوماسياً وقانونياً لافتاً، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية الأدوات القانونية والاقتصادية المتاحة للمجتمع الدولي في مواجهة مثل هذه الجرائم. ​                     مسألة "كفاية" العقوبات المقترحة (مثل حظر الأسلحة، العقوبات الذكية، وتعليق الاتفاقيات التجارية) يمكن قراءتها من خلال مستويين: الأثر المباشر والأثر الاستراتيجي بعيد المدى. ​1. من المنظور الردعي والعملي (هل تكفي لوقف الجرم؟) ​                     يرى الكثير من الخبراء القانونيين والحقوقيين أن هذه العقوبات —رغم قوتها النظرية— غالباً ما تواجه عقبات تجعل أثرها الفوري دون مستوى الجرم، وذلك لعدة أسباب: ...