حريق سد مروي

حين يحترق سد مروي ويختنق الشارع: أزمات الخدمات على خط النار السياسي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                    تعيد حادثة الحريق المفاجئ في محطة سد مروي، وما تبعه من انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن العاصمة وولايات سودانية عدة، تسليط الضوء بقوة على هشاشة ما تبقى من بنى تحتية في البلاد. وتتجاوز هذه الحادثة البعد الفني البحت لتضع الأوضاع المعيشية والسياسية برمتها على حافة صفيح ساخن، لاسيما حين تتزامن مع تعثر المبادرات السياسية وتآكل قدرة المواطن على التحمل.

​شرارة الكهرباء وغضب الشارع

                  ​تاريخياً، وفي أدبيات التغيير والضغط الجماهيري في السودان، تظل أزمات الخدمات المباشرة – وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء واقترانها بندرة الوقود والخبز – هي المحرك الأسرع للاحتقان الشعبي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة اليومية، وتوقفها يعني شلل تام في المستشفيات، محطات المياه، الأسواق، وكل تفاصيل الإنتاج. وتأتي هذه الصدمة الخدمية في أسوأ توقيت ممكن، متزامنة مع طقس قاس وبرمجة قاسية أصلاً للقطوعات، مما يضع المواطن أمام جدار مسدود من المعاناة اليومية.

​الاقتصاد المأزوم وسياسات رد الفعل

                   ​تنعكس إدارة الشأن الاقتصادي الحالية كعبء إضافي يثقل كاهل الحياة اليومية. فمع غياب رؤية استراتيجية واضحة لتأمين السلع الأساسية واستقرار سعر الصرف، يتآكل دخل المواطن وقدرته الشرائية وسط دوامة متواصلة من غلاء الأسعار وتراجع الخدمات. وحين يجتمع الانهيار المعيشي مع انقطاع الكهرباء، يتحول المشهد إلى ضغط طبقي واجتماعي لا يطيقه بشر.

​تقاطع الخدمات بالحمود السياسي: شبح المؤامرة وتعثر "الخماسية"

                  ​لا يمكن فصل توقيت هذه الكوارث الخدمية عن الجمود السياسي الراهن، سيما مع تعثر مسارات المبادرات مثل "الآلية الخماسية" وانسداد أفق التسويات. هذا التزامن هو ما يغذي بقوة "خطاب المؤامرة" في وجدان الشارع والنخبة؛ فعندما تفشل الهندسة السياسية، يلجأ الخصوم – أو تفرض ظروف الصراع – أدوات الضغط غير المباشر عبر استهداف البنى التحتية لكسر إرادة الطرف المسيطر أو دفعه لتقديم تنازلات تحت وطأة الشارع الغاضب.

                  ​حتى وإن كان ما حدث ناتجاً في أصله عن الإهمال التقني المزمن، وغياب قطع الغيار، والإجهاد الهائل للشبكات، فإن النتيجة السياسية واحدة: عجز المنظومة القائمة عن حماية مفاصل الدولة الحيوية، وحشر السلطة في زاوية ضيقة بين غضبة الجياع واستحقاق الحلول المتعثرة.

​خلاصة القول

                 ​تسير الأوضاع في السودان نحو نقطة حرجة تتقاطع فيها أوزار الحرب مع كارثة الانهيار الخدمي. وإذا لم يتم تدارك تداعيات أزمة سد مروي ومعالجة الاختناقات المعيشية الحادة بشكل عاجل، فإن ما تبقى من جدار الصبر الشعبي مهدد بالانهيار الكامل، معيداً رسم خريطة الصراع بأدوات الشارع هذه المرة.

تعليقات