السودان؛ لعنة الجغرافيا واطماع التاريخ
السودان: لعنة الجغرافيا وأطماع التاريخ.. قراءة في خارطة التهديدات الاستراتيجية
بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
تاريخ البحر الأحمر وحلايب ليس فصلاً طارئاً في الجيوسياسية المعاصرة، بل هو امتداد لصراع المصالح الكبرى وطرق التجارة العابرة للقارات منذ أقدم العصور. إن الموقع الفريد للسودان — الذي يمتد من خاصرته الشرقية عبر سواحله الاستراتيجية إلى عمقه الإفريقي — يتحول في أوقات تآكل المركز إلى مسرح لأطماع تاريخية متجددة، تجسدها اليوم شبكة معقدة من التهديدات المطبقة على حدود البلاد من كل المحاور.
جغرافية الأطماع الممتدة من الفراعنة إلى العهد السليماني
تشير الشواهد التاريخية من العصور الفرعونية، مروراً بالتاريخ الإثيوبي وصولاً إلى التراث العبري والآيات القرآنية، أن هذه البقعة الحيوية الممتدة من حلايب وشلاتين ظلت دائماً محط أنظار الإمبراطوريات الطامحة. تشير الروايات التاريخية والمصادر العتيقة إلى أن الملك سليمان عليه السلام سعى لإنشاء ميناء في منطقة حلايب لربط التجارة الإفريقية والآسيوية بالمحيط الهندي، في محاولة مبكرة للسيطرة على عصب التجارة العالمية. هذا الطموح التاريخي يفسر بوضوح لماذا يظل ساحل البحر الأحمر أفضل حاضنة آمنة للموانئ عبر التاريخ، ولماذا يعود صراع النفوذ ليشتعل ضراوة كلما صعدت قوة إقليمية أو دولية ذات أطماع تجارية وعسكرية عابرة للقارات، عاكساً حقيقة أن الصراع ليس مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هو معركة وجودية حول التحكم في بوابة التاريخ والجغرافيا.
الطوق الجيوسياسي المطبق على السودان
لا تنفصل أزمة الداخل السوداني واقتصاد الحرب المشتعل عن هذا الحصار الجيوسياسي المتعدد المحاور. فعلى الحدود الشرقية، تظل الامتدادات المسرحية للحروب والتوترات نافذة لتداخل المصالح الإقليمية. وفي الغرب، تتشابك فوضى دارفور مع أزمات الساحل الإفريقي وإفرازات الصراع في النيجر ومالي، لتتحول الحدود الرخوة إلى شرايين تغذيها شبكات التهريب وتجارة السلاح والمرتزقة. أما في الجنوب المنفصل، فقد باتت الحدود الملتهبة مصدراً لانطلاق العصابات وشبكات الجريمة العابرة للحدود. يضاف إلى ذلك تقاطعات اللاعبين الدوليين، عبر بوابات الساحل، بينما تقف إثيوبيا مكبلة بأزماتها وبقيود ميدانها العسكري وارتباطاته الإقليمية التي جعلت موقفها من السودان متارجحا بين الحياد والاعداء.
هذا التشابك العضوي بين اقتصاد الحرب، وأطماع الموانئ على البحر الأحمر، والصراعات الإقليمية الممتدة، يؤكد أن أي تسوية محلية قاصرة لن تقي السودان خطر التفكك. إن حماية الدولة الوطنية تبدأ حتماً بإدراك أن الجغرافيا السودانية هي حلقة الوصل الكبرى في صراع النفوذ العالمي، مما يفرض إعادة بناء استراتيجية وطنية تدرك خطورة هذه التهديدات المشتعلة على سيادة البلاد وبنيتها الداخلية برمتها.
تعليقات
إرسال تعليق