الخماسية وصراع حافة الهاوية
حافة الهاوية: متى تدرك الكتلة الصلبة أن الوطن لا يحتمل مزيداً من العبث؟
بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
لم لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة أن السودان يمر بأدق وأحلك منعطف في تاريخه الحديث؛ أزمة قاتلة ومدمرة ومتطاولة تفتك بالإنسان والمكان، وتلقي بظلالها الكالحة على كل بيت وشارع. وفي وقتٍ تتسع فيه دائرتا الجوع والنزوح وتتآكل مقومات الدولة، تستمر الكتل السياسية المعارضة، على اختلاف تشكيلاتها ومنصاتها، في التمترس خلف مواقف حدية لا تزيد المشهد إلا تعقيداً، غير واعية بأن رهانها على إطالة أمد الخلاف يترك مصير البلاد رهيناً لحسابات الميدان العسكري باستحقاقاته العالية وانعقاد أمال الناس عليه. وعلى ما يلتف حوله من كتل مدنية.
وهم الإقصاء واحتكار الحقيقة
إن الخطأ التاريخي الأكبر الذي تقع فيه بعض كتل الرفض المعارضة هو الاعتقاد بأنها تملك "صك البراءة الثورية" أو حق احتكار تمثيل الشارع السوداني بمفردها. إن تجاهل الوزن المقابل للكتلة الواسعة الداعمة لمؤسسات الدولة ووجود ظهير مدني وشعبي وكتل ديمقراطية وقوى وطنية غير منتمية، فضلاً عن غياب قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية (وفي مقدمتها الدور الاستراتيجي الفاعل لتركيا والسعودية وحلفائهما لدعم استقرار المؤسسات ومنع انهيار الدولة)، هو قمة الانفصال عن الواقع.
إن الميدان العسكري والسياسي لا ينبني على الأمنيات والشعارات الحالمة، بل على موازين قوى وتشابكات إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها بجرة قلم أو ببيانات مقاطعة لا تغني ولا تسمن من جوع.
شتات المنابر وفقدان البوصلة
حين تغيب البوصلة الوطنية وتطغى المصالح الحزبية الضيقة، تتحول المبادرات الإقليمية والدولية -مثل حراك الآلية الخماسية وغيرها- إلى ساحة صراع للاستقطاب بدلاً من أن تكون جسوراً للحل. إن مقاطعة هذه المنابر ورفض الانخراط في الحوار بحجة طهارة الأجندة أو رفض الشراكات المسبقة، لا يؤدي سوى إلى تكريس "شتات المنابر" وإعطاء أطراف الصراع مبرراً إضافياً للاستمرار في القتال.
إن المعارضة الحقيقية لا تكون بالتفرج على انهيار البيت على رؤوس الجميع، بل بامتلاك شجاعة النقد الذاتي والاعتراف بالآخر، فالوطن حين يسقط لا يفرز منتصراً، والخراب لا يفرق بين موالٍ ومعارض.
نداء الضمير: الوطن أولاً
آن الأوان لكتل الرفض والتشدد أن تغادر خندق المكابرة السياسية، وأن تدرك أن استمرار هذا التمترس يعني بوضوح المشاركة في إطالة عمر العذاب المتربص بالمواطن البسيط. إن حسابات الميدان العسكري تفرض واقعاً صلباً لا تلغيه لغة المقاطعة ولا الشعارات الرنانة؛ والسبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من السودان هو التخلي عن الشروط الإقصائية، والقبول بالحد الأدنى من التوافق الوطني الذي يضع سلامة المواطن ووقف النزيف فوق كل اعتبار أيديولوجي.
إن الشعب السوداني الذي صبر على أهوال الحرب وانقطاع أسباب الحياة يستحق من نُخبه وقواه السياسية وقفة صدق مع النفس، تسبق فيها مصلحة البلاد العليا أية حسابات حزبية ضيقة، عسى ولعل أن نجد طريقاً آمناً يخرج هذه الأمة من ظلمات التيه إلى بر الأمان.
تعليقات
إرسال تعليق