الخميس، 27 أغسطس 2026

شبح التقسيم واوهام الحلول الجذرية

 

شبح التقسيم وأوهام الحلول الجذرية: قراءة هادئة في مآلات الحرب الطويلة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 
مع جيميني 

​حين تطيل الحرب أمدها وتتداخل خيوط الأزمة، تتسلل فكرة "التقسيم" رويداً رويداً إلى واجهة النقاشات، لتتحول من مجرد "هواجس نخبويّة" إلى كابوس حقيقي يفرض نفسه على وجدان الداخل السوداني. ومع أن قراءة الحراكات الدبلوماسية والميدانية الراهنة لا تلوح في أفقها القريب أي فرصة حقيقية أو مؤشر قريب لوقف الحرب، تتصاعد المخاوف القديمة من أن تتحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع جغرافي دائم، وأن يصبح التشظي هو المخرج الوحيد لانسداد الأفق.

​ولكن، هل يمثل التقسيم حقاً "حلاً حاسماً" لإنهاء المأساة، أم أنه مجرد وخزة وهمية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر دموية؟

​أولاً: لماذا يتجدد الحديث عن التقسيم الآن؟

  1. استنزاف الميدان وحالة الاستعصاء العسكري: غياب القدرة الحاسمة لأي من طرفي القتال على حسم المعركة نهائياً، بالتزامن مع ترسخ سيطرة ميدانية لكل طرف على مناطق جغرافية محددة، يغذي قراءة أن السودان بات واقعياً "كيانات أمر واقع".
  2. فشل المظلات الجامعة: تعثر مسارات التفاوض، وتراجع فعالية المبادرات الإقليمية والدولية، وتعارض الأجندات الخارجية، كلها عوامل تعزز الشعور بأن استعادة "السودان القديم" بصيغته المركزية باتت مهمة مستحيلة.
  3. التوظيف السياسي للضغط: تلوح بعض الدوائر الخارجية أحياناً بملف التقسيم أو الفيدرالية الرخوة كأداة ضغط غير مباشرة لإجبار الأطراف على الجلوس للتسوية، تحت شعار: "إما الحل السياسي الشامل، أو التشظي".

​ثانياً: لماذا يُعد "التقسيم" كارثة وليست حلاً حاسماً؟

​على عكس ما يروّجه البعض من أنه مخرج ينهي نزيف الدماء، فإن تفكيك الدولة السودانية عبر التقسيم يحمل في طياته بذور حروب لا تنتهي، للأسباب الآتية:

  • غياب النقاء الجغرافي والإثني: التداخل السكاني الهائل بين مكونات السودان المختلفة يجعل أي عملية فصل جغرافي مستحيلة دون عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي واسع النطاق، مما سيكلف أرواحاً بالملايين.
  • تحول الحدود إلى بؤر صراع دائم: الكيانات الناتجة عن أي تقسيم مفترض ستكون رخوة اقتصادياً وضعيفة أمنياً، وستتحول إلى "دول فاشلة" تتنازعها التدخلات الخارجية، لتصبح الحدود الجديدة خطوط مواجهة دائمة بدلاً من أن تكون جسوراً للاستقرار.
  • إجهاض فكرة الدولة الوطنية: قبول التقسيم يعني بوضوح الهزيمة النهائية لمشروع العيش المشترك، وشرعنة لقانون الغاب والدويلات المسلحة، وهو ما ترفضه الذاكرة الجمعية للشعب السوداني الذي أثبت مراراً قدرته على تجاوز المحن الكبرى.

​ثالثاً: بديل التقسيم.. معركة الوعي والصمود الوطني

​إن الإقرار بأن الحرب قد تطول لغياب أفق الحل السريع لا يعني بالضرورة الاستسلام لفكرة التشظي. إن الرهان الحقيقي يكمن في:

  • مناعة المجتمع والدولة: الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية وهيكلها الإداري والمؤسسي، باعتبارها صمام الأمان الوحيد ضد الفوضى الشاملة.
  • إحباط حرب الإرادة: إن أخطر ما تواجه الجبهة الداخلية ليس الميدان العسكري فحسب، بل "حرب اليأس" التي تسعى لترويج أن التقسيم هو المخرج الوحيد، لدفع المواطن للقبول بأي تسوية مجحفة أو الانهيار النفسي.

​إن السودان يمر بمخاض عسير وطويل بلا شك، لكن تاريخه يشهد بأن أزماته الكبرى كثيراً ما كانت تلد صياغات جديدة للوطن، تظل فيها وحدة التراب والنسيج الاجتماعي هي الثابت الذي لا يقبل المساومة، مهما اشتدت عواصف الحرب ورياح التشكيك.

الاثنين، 24 أغسطس 2026

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية (تحديث إضافي)

 

​السودان؛ سقف الدبلوماسية الأممية (تحديث إضافي) 

 بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                            لم تكن جلسة مجلس الأمن المنعقدة اليوم لتتوقف عند حدود السرد التقليدي لتقارير الأزمة الإنسانية أو استعراض المواقف الدبلوماسية المعلنة، بل تجاوزتها لتدشن منعطفاً جديداً يحمل في طياته الكثير من التعقيدات. فعلى وقع الضغوط الإنسانية الهائلة والفجوة التمويلية المتسعة التي حذرت منها وكالات الأمم المتحدة، برزت على الطاولة مقترحات حادة، على رأسها التحرك الأمريكي لطرح نقاشات مكثفة حول مقترح شامل لحظر الأسلحة والطيران في مناطق النزاع، وسط مخاض شاق لضبط آليات التنفيذ وتجنب تقاطعات المصالح الدولية.

​                         وما إن أُسدل الستار على الجلسة المفتوحة حتى انتقل الثقل الحقيقي إلى قاعات المشاورات المغلقة وخلف الكواليس؛ حيث لا تزال النقاشات قائمة ومحمومة بين أعضاء المجلس لبلورة صياغات توافقية حول مسودات القرار المرتقب. وتُشير المعطيات الحالية إلى أن هذه المشاورات الشاقة قد تستغرق ما بين أسبوع إلى أسبوعين، مستهدفةً صياغة نهائية لطرحها للتصويت الفعلي إما أواخر شهر أغسطس الحالي أو خلال مطلع شهر سبتمبر المقبل. إن                             هذا المخاض الدبلوماسي المستمر يؤكد أن سقف التعاطي الأممي لم يغلق ببيانات اليوم، بل دخل مرحلة تفاوضية دقيقة ومفتوحة على كل الاحتمالات، مما يفرض على الرصد والتحليل السوداني متابعة هذه الكواليس الحية بدقة، إدراكاً بأن تداعيات هذه النقاشات ستلقي بظلالها المباشرة على المشهد الميداني والسياسي في البلاد.

السودان؛ سقف الدبلوماسية الاممية

 سقف الدبلوماسية وأوهام آلة الحرب: قراءة هادئة في مخرجات مجلس الأمن

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                       عاشت الأوساط السودانية خلال الأيام القليلة الماضية على وقع موجة مقلقة من التهويل والشائعات، التي روّجت لاقتراب تدخل عسكري غربي مباشر وفرض "آلة حرب" ستغطّي سماء البلاد، في محاولة واضحة لمضاعفة الضغوط النفسية على الداخل الذي يعاني أصلاً أعباء الحرب وتداعياتها اليومية.

​وجاءت جلسة مجلس الأمن الدولي التي انعقدت اليوم الإثنين (24 أغسطس 2026) لتضع الأمور في نصابها الصحيح، وتفصل تماماً بين الواقع الدبلوماسي المعقّد وبين التهويل الإعلامي المفتعل.

​واقع المشهد الأممي: إحاطات إنسانية بلا تفويض عسكري

​                 عقد المجلس جلسته المفتوحة والمشاورات المرتبطة بها بناءً على دعوة من رئاسة الشهر (الدنمارك)، لتقتصر مخرجاتها على الطابع المعتاد للإحاطات الأممية:

​تركيز إنساني وبحت:

                         انصبّ الجهد الأساسي للوكالات الأممية (مثل مكتب الشؤون الإنسانية والشؤون السياسية) على محاولة معالجة العجز الحاد في تمويل خطة الإغاثة، ومطالبة الأطراف بتأمين ممرات آمنة لدخول الغذاء والدواء.

​غياب القرارات الملزمة: 

                     لم يصدر عن الجلسة أي قرار تحت الفصل السابع، ولا توجد أي تفويضات أُممية لإرسال قوات دولية لحماية المدنيين أو فرض تدخل عسكري خارجي.

​لماذا تُعد أطروحات "التدخل الغربي" بعيدة عن الواقع؟

                     ​إن الحديث عن غطاء جوي غربي أو تدخل عسكري واسع يغطي سماء السودان يفتقر إلى قراءة جادة لطبيعة موازين القوى الدولية والإقليمية، لعدة أسباب جوهرية:

​الموقف السيادي ورفض الحكومة: 

                       ترفض الدولة السودانية بشكل قاطع أي طرح يمس بالسيادة الوطنية أو يقترب من فكرة القوات الأممية لحماية المدنيين، وهو موقف تقف دونه تعقيدات سياسية وميدانية تجعل أي فرض قسري أمراً غير وارد في الحسابات الدولية الراهنة.

​انقسامات مجلس الأمن:

                         يعاني المجلس من تباينات واضحة واستقطاب حاد يجعل من المتعذر توافق الكبار على قرارات جذرية ذات طابع عسكري، ليظل سقف المجلس محصوراً في البيانات السياسية العامة والمناشدات الإنسانية.

​أولويات القوى الكبرى: 

                      تنشغل الدوائر الغربية بملعب الأزمات الدولية الكبرى الأخرى (مثل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط)، وتتعامل مع الملف السوداني بمنطق إدارة الأزمة الإنسانية والضغط الدبلوماسية المحدود لا بالانخراط العسكري المباشر.

​رسالة اطمئنان للداخل

                    ​إن جبهة الداخل السوداني أحوج ما تكون اليوم إلى اليقظة والوعي الحاد ضد حروب الشائعات والتهويل النفسي التي تهدف إلى كسر الإرادة العامة وبث الرعب.

​                     إن ما يدور في أروقة الأمم المتحدة لا يعدو أن يكون نقاشات تقليدية وحوارات دبلوماسية روتينية حول الإغاثة وحماية المدنيين وفق المعايير القائمة، بعيداً كل البعد عن تلك الأطياف المزعومة لآلات الحرب الأجنبية التي يُروج لها في الوسائط. إن الوعي بطبيعة هذه المعطيات هو الدرع الحقيقي في وجه محاولات الترهيب، والاطمئنان إلى أن السيادة الوطنية تظل محصنة ضد أوهام التدخل الخارجي.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

حريق سد مروي

حين يحترق سد مروي ويختنق الشارع: أزمات الخدمات على خط النار السياسي

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​                    تعيد حادثة الحريق المفاجئ في محطة سد مروي، وما تبعه من انقطاع واسع للتيار الكهربائي عن العاصمة وولايات سودانية عدة، تسليط الضوء بقوة على هشاشة ما تبقى من بنى تحتية في البلاد. وتتجاوز هذه الحادثة البعد الفني البحت لتضع الأوضاع المعيشية والسياسية برمتها على حافة صفيح ساخن، لاسيما حين تتزامن مع تعثر المبادرات السياسية وتآكل قدرة المواطن على التحمل.

​شرارة الكهرباء وغضب الشارع

                  ​تاريخياً، وفي أدبيات التغيير والضغط الجماهيري في السودان، تظل أزمات الخدمات المباشرة – وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء واقترانها بندرة الوقود والخبز – هي المحرك الأسرع للاحتقان الشعبي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة اليومية، وتوقفها يعني شلل تام في المستشفيات، محطات المياه، الأسواق، وكل تفاصيل الإنتاج. وتأتي هذه الصدمة الخدمية في أسوأ توقيت ممكن، متزامنة مع طقس قاس وبرمجة قاسية أصلاً للقطوعات، مما يضع المواطن أمام جدار مسدود من المعاناة اليومية.

​الاقتصاد المأزوم وسياسات رد الفعل

                   ​تنعكس إدارة الشأن الاقتصادي الحالية كعبء إضافي يثقل كاهل الحياة اليومية. فمع غياب رؤية استراتيجية واضحة لتأمين السلع الأساسية واستقرار سعر الصرف، يتآكل دخل المواطن وقدرته الشرائية وسط دوامة متواصلة من غلاء الأسعار وتراجع الخدمات. وحين يجتمع الانهيار المعيشي مع انقطاع الكهرباء، يتحول المشهد إلى ضغط طبقي واجتماعي لا يطيقه بشر.

​تقاطع الخدمات بالحمود السياسي: شبح المؤامرة وتعثر "الخماسية"

                  ​لا يمكن فصل توقيت هذه الكوارث الخدمية عن الجمود السياسي الراهن، سيما مع تعثر مسارات المبادرات مثل "الآلية الخماسية" وانسداد أفق التسويات. هذا التزامن هو ما يغذي بقوة "خطاب المؤامرة" في وجدان الشارع والنخبة؛ فعندما تفشل الهندسة السياسية، يلجأ الخصوم – أو تفرض ظروف الصراع – أدوات الضغط غير المباشر عبر استهداف البنى التحتية لكسر إرادة الطرف المسيطر أو دفعه لتقديم تنازلات تحت وطأة الشارع الغاضب.

                  ​حتى وإن كان ما حدث ناتجاً في أصله عن الإهمال التقني المزمن، وغياب قطع الغيار، والإجهاد الهائل للشبكات، فإن النتيجة السياسية واحدة: عجز المنظومة القائمة عن حماية مفاصل الدولة الحيوية، وحشر السلطة في زاوية ضيقة بين غضبة الجياع واستحقاق الحلول المتعثرة.

​خلاصة القول

                 ​تسير الأوضاع في السودان نحو نقطة حرجة تتقاطع فيها أوزار الحرب مع كارثة الانهيار الخدمي. وإذا لم يتم تدارك تداعيات أزمة سد مروي ومعالجة الاختناقات المعيشية الحادة بشكل عاجل، فإن ما تبقى من جدار الصبر الشعبي مهدد بالانهيار الكامل، معيداً رسم خريطة الصراع بأدوات الشارع هذه المرة.

الاثنين، 3 أغسطس 2026

الخماسية وصراع حافة الهاوية

 حافة الهاوية: متى تدرك الكتلة الصلبة أن الوطن لا يحتمل مزيداً من العبث؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​لم    لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة أن السودان يمر بأدق وأحلك منعطف في تاريخه الحديث؛ أزمة قاتلة ومدمرة ومتطاولة تفتك بالإنسان والمكان، وتلقي بظلالها الكالحة على كل بيت وشارع. وفي وقتٍ تتسع فيه دائرتا الجوع والنزوح وتتآكل مقومات الدولة، تستمر الكتل السياسية المعارضة، على اختلاف تشكيلاتها ومنصاتها، في التمترس خلف مواقف حدية لا تزيد المشهد إلا تعقيداً، غير واعية بأن رهانها على إطالة أمد الخلاف يترك مصير البلاد رهيناً لحسابات الميدان العسكري باستحقاقاته العالية وانعقاد أمال الناس عليه. وعلى ما يلتف حوله من كتل مدنية. 

​وهم الإقصاء واحتكار الحقيقة

                   ​إن الخطأ التاريخي الأكبر الذي تقع فيه بعض كتل الرفض المعارضة هو الاعتقاد بأنها تملك "صك البراءة الثورية" أو حق احتكار تمثيل الشارع السوداني بمفردها. إن تجاهل الوزن المقابل للكتلة الواسعة الداعمة لمؤسسات الدولة ووجود ظهير مدني وشعبي وكتل ديمقراطية وقوى وطنية غير منتمية، فضلاً عن غياب قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية (وفي مقدمتها الدور الاستراتيجي الفاعل لتركيا والسعودية وحلفائهما لدعم استقرار المؤسسات ومنع انهيار الدولة)، هو قمة الانفصال عن الواقع.

                     ​إن الميدان العسكري والسياسي لا ينبني على الأمنيات والشعارات الحالمة، بل على موازين قوى وتشابكات إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها بجرة قلم أو ببيانات مقاطعة لا تغني ولا تسمن من جوع.

​شتات المنابر وفقدان البوصلة

                 ​حين تغيب البوصلة الوطنية وتطغى المصالح الحزبية الضيقة، تتحول المبادرات الإقليمية والدولية -مثل حراك الآلية الخماسية وغيرها- إلى ساحة صراع للاستقطاب بدلاً من أن تكون جسوراً للحل. إن مقاطعة هذه المنابر ورفض الانخراط في الحوار بحجة طهارة الأجندة أو رفض الشراكات المسبقة، لا يؤدي سوى إلى تكريس "شتات المنابر" وإعطاء أطراف الصراع مبرراً إضافياً للاستمرار في القتال.

                ​إن المعارضة الحقيقية لا تكون بالتفرج على انهيار البيت على رؤوس الجميع، بل بامتلاك شجاعة النقد الذاتي والاعتراف بالآخر، فالوطن حين يسقط لا يفرز منتصراً، والخراب لا يفرق بين موالٍ ومعارض.

​نداء الضمير: الوطن أولاً

                    ​آن الأوان لكتل الرفض والتشدد أن تغادر خندق المكابرة السياسية، وأن تدرك أن استمرار هذا التمترس يعني بوضوح المشاركة في إطالة عمر العذاب المتربص بالمواطن البسيط. إن حسابات الميدان العسكري تفرض واقعاً صلباً لا تلغيه لغة المقاطعة ولا الشعارات الرنانة؛ والسبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من السودان هو التخلي عن الشروط الإقصائية، والقبول بالحد الأدنى من التوافق الوطني الذي يضع سلامة المواطن ووقف النزيف فوق كل اعتبار أيديولوجي.

                    ​إن الشعب السوداني الذي صبر على أهوال الحرب وانقطاع أسباب الحياة يستحق من نُخبه وقواه السياسية وقفة صدق مع النفس، تسبق فيها مصلحة البلاد العليا أية حسابات حزبية ضيقة، عسى ولعل أن نجد طريقاً آمناً يخرج هذه الأمة من ظلمات التيه إلى بر الأمان.

الخميس، 30 يوليو 2026

دمياط؛ حرب الروايات والبدائل

 حرب الروايات والبدائل: قراءة في أبعاد حادث ناقلات دمياط ومحاولة ضرب الثقة في الاقتصاد المصري

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                       ​يشهد المشهد الإقليمي والدولي صراعاً خفياً لا يقل شراسة عن المواجهات العسكرية المباشرة، وهو صراع «سلاسل الإمداد» و«البدائل الاستراتيجية» للطاقة. وفي هذا السياق، جاء حادث محطة وناقلات الغاز المسال في ميناء دمياط ليثير عاصفة من التساؤلات، لا تتعلق فقط بحجم الأضرار المادية، بل بطبيعة "حرب الروايات" التي رافقته، والدوافع الخفية وراء تضخيمه إعلامياً واستخباراتياً.

​بين الواقع التقني والرواية الدولية: قراءة في تفاصيل الحادث

​                       في الوقت الذي رجحت فيه بعض الدوائر والآراء المحلية أن ما جرى لا يعدو ككونه حادثاً تقنياً عادياً مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة القياسية والضغط التشغيلي على غرف المحركات في ناقلات الغاز، وتحديداً في ظل أجواء صيفية ضاغطة، خرجت وكالات عالمية مثل "رويترز" وشركات أمن بحري مثل "أمبري" البريطانية لتسويق رواية الاستهداف بمسيرة أو مقذوف، معتمدة على مصادر خارجية دون انتظار الرواية الرسمية للجهات المصرية المختصة.

​                     هذا التسرع المريب في النشر يضع أكثر من علامة استفهام حول الأهداف السياسية الكامنة وراء توجيه دفة النقاش نحو فرضية الاستهداف العسكري وتوسيع دائرة التوتر الإقليمي لتشمل السواحل المصرية على البحر المتوسط.

​صراع الممرات وبدائل "هرمز": من المستفيد الحقيقي؟

​إذا استبعدنا الأطراف الإقليمية التقليدية عن يقين بأنها لا تسعى لتورط من هذا النوع، فإن البحث عن المستفيد الحقيقي يقودنا حتماً إلى معركة البدائل الاستراتيجية لتصدير الطاقة.

                       ​مع تصاعد المخاطر والتهديدات في مضيق هرمز وممر باب المندب، برزت الموانئ المصرية على البحر المتوسط، وفي مقدمتها ميناء دمياط، كممر بديل وآمن وملاذ استراتيجي لاستمرار تدفق إمدادات الغاز والطاقة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية. ومن هنا تكمن خيوط اللعبة الحقيقية:

​ضرب الثقة في أسواق التأمين البحري: 

                         إن الهدف الاستراتيجي الخفي وراء تضخيم حوادث محدودة وإلباسها لبوس "التهديد الأمني" ليس تدمير منشأة، بل تدمير السمعة الاستثمارية. رفع تكاليف التأمين البحري (Marine Insurance) ورفع أسعار الشحن يهدفان إلى إفشال الموانئ المصرية في تقديم نفسها كبديل آمن، ودفع الشركات العالمية لإعادة حساباتها.

​هندسة الفوضى الاقتصادية: 

                        إن إرسال رسالة للأسواق العالمية مفادها أن «لا مكان آمناً تماماً» يخدم قوى دولية وإقليمية ترغب في بقاء سلاسل الإمداد رهينة لدوائر نفوذها المباشرة، وحرمان مصر من ميزتها النسبية كمركز إقليمي لتداول الطاقة.

​استنزاف الوعي والاقتصاد: المعركة البديلة

                         ​إن محاولة تحويل حادث عرضي محتمل إلى ذعر استثماري يعكس شكلاً جديداً من أشكال "الحروب الناعمة" التي تستهدف الاقتصاد والوعي الجمعي. فبدلاً من المواجهات العسكرية المكلفة، تلجأ دوائر التأثير الخارجي إلى توظيف الأذرع الإعلامية وشركات الأمن البحري لخلق واقع افتراضي يعج بالتوتر، بغرض إشغال الدولة المصرية في معارك دفاعية إعلامية وتأمينية مستمرة.

​                       إن التعامل مع مثل هذه الأزمات يتطلب وعياً استراتيجياً وطنياً يدرك أن حماية المكتسبات الاقتصادية وموقع مصر الجيوسياسي لا يقل أهمية عن حماية الحدود، وأن مواجهة حرب الشائعات والتشكيك الاقتصادي تبدأ بالشفافية المطلقة والصلابة في تفنيد الروايات الموجهة التي تستهدف عصب المستقبل المصري.

السبت، 25 يوليو 2026

ايران؛ مستنقع ام ضربة قاضية

 ​1. هل أمريكا على أعتاب مستنقع أم تراهن على "الضربة القاضية"؟

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

​وهم "الحسم السريع" في حسابات ترامب:

                       يعكس تفكير الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب ومعاونيه، عقيدة عسكرية تقترب من منطق "الضربات الصاعقة" (Shock and Awe)، حيث يُعتقد أن قوة النيران الهائلة والتفوق التقني المطلق قادران على تركيع الخصم وتغيير سلوكه أو نظامه دون الحاجة لحرب استنزاف برية طويلة. هذا الرهان يستند إلى افتراض أن الضغط العسكري القاسي سيدفع طهران إما للاستسلام أو للقبول بشروط تسوية مجحفة سريعة.  

​خطر الانزلاق إلى المستنقع:

                        في المقابل، يرى العديد من المراقبين والخبراء الاستراتيجيين أن واشنطن تتجاهل دروس التاريخ الحديث في فيتنام وأفغانستان والعراق. فطبيعة الجغرافيا الإيرانية، وتشابكاتها الإقليمية، واعتماد طهران على شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء (مثل الحوثيين وغيرهم) لفتح جبهات متعددة (كالبحر الأحمر ومضيق هرمز)، تعني أن أي ضربة عسكرية -مهما بلغت دقتها- لن تهدم البنية التحتية العقائدية والبالستية للخصم بضربة واحدة. وحين تتكسر أطروحة "النصر السريع"، تجد قوة عظمى نفسها تورطت تدريجياً في حرب استنزاف واسعة النطاق ومفتوحة بلا أفق سياسي واضح للخروج.  

​2. لماذا يتكئ الأمريكان على "القوة المطلقة" ويتجاهلون قوة الخصم الكامنة؟

​مأزق الغطرسة التقنية والكمية:

                      يعاني العقل الاستراتيجي الغربي عموماً من انحياز بنيوي نحو التقييم الكمي والتكنولوجي البحت (عدد الطائرات، دقة الصواريخ، الميزانيات الدفاعية). في المقابل، يقلل هذا المنظور من شأن عوامل "القوة غير المتناظرة" (Asymmetric Warfare)، والتي تشمل:  

​القدرة على التحمل والصبر الاستراتيجي (Strategic Resilience).

​العقيدة القتالية المرتكزة على الإبقاء على جذوة الصراع حتى لو تكلفت البنى التحتية دماراً هائلاً.  

​العمق الجغرافي والقدرة على تعطيل شرايين التجارة والطاقة العالمية (مثل إغلاق مضيق هرمز أو تهديد باب المندب)، مما يقلب موازين القوة؛ بحيث لا يشترط للخصم أن "يهزم" أمريكا عسكرياً بشكل مباشر، يكفي أن يكبد الاقتصاد العالمي وأمن الحلفاء ثمناً باهظاً يجبر واشنطن على التراجع.  

​إغفال الأبعاد النفسية والسياسية:

                        يتعامل صانع القرار الأمريكي مع الخصوم بمنطق الأرقام متجاهلاً الأبعاد القومية والنفسية؛ فالتلويح بالضربات المدمرة غالباً ما يولد لدى الشعوب والدول المستهدفة نزعة دفاعية ورغبة أشد في الانتقام، بدلاً من الخضوع المرجو، وهو ما يفسر ارتداد الضربات دائماً إلى تصعيد دائرة العنف بدلاً من احتوائها.  

​3. شبح الحريق الواسع وسياسات "حافة الهاوية" المتحللة من الالتزامات

​التحلل من الضوابط والالتزامات الدولية:

                         تتسم سياسة الإدارة الأمريكية الحالية بالبراغماتية المفرطة والنزعة الأحادية المتحللة من القيود والمؤسسات الدولية أو حتى الاعتبارات التحالفية التقليدية. تتعامل واشنطن بمنطق المناورة المستمرة على حافة الهاوية، معتقدة أنها تستطيع ضبط إيقاع التصعيد وإيقافه متى شاءت.  

​كارثة الحريق الإقليمي:

                         غير أن هذا التكتيك بالذات هو ما يرفع احتمالات خروج الأمور عن السيطرة؛ فاللعب بالنار على تخوم ممرات الطاقة العالمية (حيث يتجاوز سعر النفط حاجز المائة دولار مع اتساع رقعة المواجهات لتشمل البحر الأحمر والخليج) يعني أن أي خطأ في الحسابات أو ضربة تتجاوز الخطوط الحمراء قد تحرق استقرار المنطقة برمتها. إن تداخل المصالح الدولية، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمات، يجعل من الشرق الأوسط برميل بارود، حيث لم يعد مموضعاً في حسابات واشنطن أن "الضربة المحدودة" ستظل محدودة، بل إنها تتحول سريعاً إلى شرارة تشعل حريقاً شاملاً تتكسر على عتباته مصالح الجميع.  

مشاركة مميزة

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                            ​تتجه الأنظار...