شبح التقسيم وأوهام الحلول الجذرية: قراءة هادئة في مآلات الحرب الطويلة
حين تطيل الحرب أمدها وتتداخل خيوط الأزمة، تتسلل فكرة "التقسيم" رويداً رويداً إلى واجهة النقاشات، لتتحول من مجرد "هواجس نخبويّة" إلى كابوس حقيقي يفرض نفسه على وجدان الداخل السوداني. ومع أن قراءة الحراكات الدبلوماسية والميدانية الراهنة لا تلوح في أفقها القريب أي فرصة حقيقية أو مؤشر قريب لوقف الحرب، تتصاعد المخاوف القديمة من أن تتحول حالة اللاحرب واللاسلم إلى واقع جغرافي دائم، وأن يصبح التشظي هو المخرج الوحيد لانسداد الأفق.
ولكن، هل يمثل التقسيم حقاً "حلاً حاسماً" لإنهاء المأساة، أم أنه مجرد وخزة وهمية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر دموية؟
أولاً: لماذا يتجدد الحديث عن التقسيم الآن؟
- استنزاف الميدان وحالة الاستعصاء العسكري: غياب القدرة الحاسمة لأي من طرفي القتال على حسم المعركة نهائياً، بالتزامن مع ترسخ سيطرة ميدانية لكل طرف على مناطق جغرافية محددة، يغذي قراءة أن السودان بات واقعياً "كيانات أمر واقع".
- فشل المظلات الجامعة: تعثر مسارات التفاوض، وتراجع فعالية المبادرات الإقليمية والدولية، وتعارض الأجندات الخارجية، كلها عوامل تعزز الشعور بأن استعادة "السودان القديم" بصيغته المركزية باتت مهمة مستحيلة.
- التوظيف السياسي للضغط: تلوح بعض الدوائر الخارجية أحياناً بملف التقسيم أو الفيدرالية الرخوة كأداة ضغط غير مباشرة لإجبار الأطراف على الجلوس للتسوية، تحت شعار: "إما الحل السياسي الشامل، أو التشظي".
ثانياً: لماذا يُعد "التقسيم" كارثة وليست حلاً حاسماً؟
على عكس ما يروّجه البعض من أنه مخرج ينهي نزيف الدماء، فإن تفكيك الدولة السودانية عبر التقسيم يحمل في طياته بذور حروب لا تنتهي، للأسباب الآتية:
- غياب النقاء الجغرافي والإثني: التداخل السكاني الهائل بين مكونات السودان المختلفة يجعل أي عملية فصل جغرافي مستحيلة دون عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي واسع النطاق، مما سيكلف أرواحاً بالملايين.
- تحول الحدود إلى بؤر صراع دائم: الكيانات الناتجة عن أي تقسيم مفترض ستكون رخوة اقتصادياً وضعيفة أمنياً، وستتحول إلى "دول فاشلة" تتنازعها التدخلات الخارجية، لتصبح الحدود الجديدة خطوط مواجهة دائمة بدلاً من أن تكون جسوراً للاستقرار.
- إجهاض فكرة الدولة الوطنية: قبول التقسيم يعني بوضوح الهزيمة النهائية لمشروع العيش المشترك، وشرعنة لقانون الغاب والدويلات المسلحة، وهو ما ترفضه الذاكرة الجمعية للشعب السوداني الذي أثبت مراراً قدرته على تجاوز المحن الكبرى.
ثالثاً: بديل التقسيم.. معركة الوعي والصمود الوطني
إن الإقرار بأن الحرب قد تطول لغياب أفق الحل السريع لا يعني بالضرورة الاستسلام لفكرة التشظي. إن الرهان الحقيقي يكمن في:
- مناعة المجتمع والدولة: الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية وهيكلها الإداري والمؤسسي، باعتبارها صمام الأمان الوحيد ضد الفوضى الشاملة.
- إحباط حرب الإرادة: إن أخطر ما تواجه الجبهة الداخلية ليس الميدان العسكري فحسب، بل "حرب اليأس" التي تسعى لترويج أن التقسيم هو المخرج الوحيد، لدفع المواطن للقبول بأي تسوية مجحفة أو الانهيار النفسي.
إن السودان يمر بمخاض عسير وطويل بلا شك، لكن تاريخه يشهد بأن أزماته الكبرى كثيراً ما كانت تلد صياغات جديدة للوطن، تظل فيها وحدة التراب والنسيج الاجتماعي هي الثابت الذي لا يقبل المساومة، مهما اشتدت عواصف الحرب ورياح التشكيك.