حلايب وخرائط الأمم المتحدة

  حلايب وخرائط الأمم المتحدة.. وعي الضرورة في مواجهة فخ الأجندات الجانبية

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد 

مع جيميني 

                     ​لا تكف الدوائر المغرضة وورش التخطيط الممتدة عن محاولات صناعة الأزمات واختلاق الفتن في مفاصل العلاقات التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين في السودان ومصر. وفي كل مرحلة تمر بها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر محاولات رخيصة لاستثمار التفاصيل التقنية والفنية البحتة لصب الزيت على النار، وكأن المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها السودان اليوم لا تكفيه، ليأتي من يحاول جر الرأي العام نحو معارك وهمية تشعل الخلافات الجانبية.

                         ​إن الحديث المتجدد عن ظهور مثلث حلايب وشلاتين ضمن الحدود المصرية على بعض الخرائط الحديثة للأمم المتحدة لا يعدو في حقيقته كونها إجراءً فنيًّا بحتًا يتعلق بالمعايير الجغرافية وتحديث الإسقاطات المكانية وعلم الخرائط، ولا يمثل بأي حال من الأحوال قراراً سياسياً أو حكماً قضائياً دولياً ينهي نزاعاً حدودياً معلقاً. فشعبة الخرائط الدولية تتعامل مع الإدارات الفعلية القائمة على الأرض وتوثق الخطوط الإدارية التقليدية، تماماً كما تظل الشكاوى والمذكرات السودانية الدورية التي تحفظ الحق التاريخي مسجلة في أروقة الأمم المتحدة كحق أصيل لا يتبدد بالتقادم.

                       ​لكن الخطير في الأمر ليس الجانب التقني البحت، بل هو محاولة توظيف هذه القضية من قبل بعض الدوائر لتحويلها إلى "فخ شعبي" ونفخ النار في الرماد لضرب أطناب الثقة بين الخرطوم والقاهرة. إن الوعي الجمعي يقتضي منا اليوم أن ندرك بدقة طبيعة المرحلة ومآلاتها. فمصر لم تكن يومًا إلا عمقاً استراتيجياً وسنداً حقيقياً للشعب السوداني ومؤسساته في محنته الراهنة، مستضيفةً الملايين من أبنائه بحرارة وكرامة، وواقفةً بقوة في المحافل الدولية والإقليمية لدعم سيادة السودان وسلامة أراضيه.

                     ​إن محاولة المزايدة على المواقف الوطنية أو افتعال أزمة دبلوماسية أو شعبية حول تفصيل خرائطي في هذا التوقيت بالذات، هي خدمة مجانية لأعداء الاستقرار. إن الأولويات الوطنية العليا اليوم واضحة جلية، وتتلخص في استعادة الأمن، دحر التمرد، الحفاظ على كيان الدولة، وتجاوز الكارثة الإنسانية الكبرى التي تكالبت على السودان.

​                    أما الحقوق التاريخية والسيادية، فدونهَا المؤسسات الدبلوماسية التي تعرف كيف تدير ملفاتها بمسؤولية وثبات تحفظ الحقوق دون أن تنجر خلف أجندات العبث والوقيعة. إن وعينا بهذه المؤامرات الصغيرة هو السور المنيع الذي سيسقط في محاربته كل فخاخ الفرقة، لتبقى أواصر الإخوة والدم والمصير المشترك أقوى من كل خطوط على ورق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفاهمات الكبار وصغوط الميدان

سليمان كشة

سيرة الجرح والارتحال