الجمعة، 14 يونيو 2013

قصة احلامك معايا


                        اروقة وقاعات المحاكم الشرعية صلدة وفظة ، تملأك بالصدمة وبفكرة راسخة تقول انها لا تعدو ان تكون فى افضل الحالات سوى منزلا رسميا لخيبات العاشقين ،  هنا يستحيل الحب زان يرجمه بلا رحمة عاشقان كانا الى وقت قريب اغنيته العذبة ، هنا تحترق ورقته الاخيرة ، وثيقة اصبحت فى نظرهما لا قيمة لها سوى انها تتيح لعاشقين سابقا ان يناما فى سرير واحد دون ان يحتج عليهما احد ، ذات الوثيقة التى توسلا لها يوما بالشعر والاغنيات وبرسائل تتدلى كل مساء من نجمات بعيدة ، ذات الوثيقة التى اقاما لها افراحا ومدا من اجلها موائدا ومشروبات من كل لون ، وبعدها اكتشفا فخا شديد القسوة ، اكتشفا وجه الحياة الحقيقى المختبى خلفها ، اكتشفا ان الحياة معنية بالحب وليس بأحلامه ، انها مثل الحكومات تريده ان يشيع بين الناس دون ان تمد له يدا اذا احتاج ان يبنى عشا .

                         شغلت تكاليف الزواج كل تفكيره فلم يستطع ان يبصر ما بعده رغم نظره العقلانى الذى لم يخب يوما معه ، وبوصفه محاميا بارعا تبدأ لافتة مكتبه بأختصاصه فى القضايا الجنائية وتنتهى بآخر ما ابتدعته المحليات من قضايا لم تغفل حتى مخالفات رسوم النفايات ، فقد كان يعلم جيدا ما يعنيه الوقوف امام المحاكم الشرعية على قلبه اولا وعلى صورته ثانيا ، فاكتشف ان السكن قضية كبرى ، ولسوء حظه كان المتاح وفقا لقدراته احد بيوت امدرمان القديمة من ذلك النوع الذى يعرّفه الناس بأنه (بيت مسكون) ، شبكات العناكب تتدلى على الابواب والشبابيك مثل ستائر سيدار و(السكن) على الجدران يقول لك كانت هنا (دوكة) ، شقوق وجحور تشى بموطن مزدحم بالزواحف والحشرات ، نظرت المسكينة الى هذا المشهد المرعب ثم تفرّست فى وجهه للتأكد عما اذا كان فى كامل قواه العقلية ، فأكتشفت ان زوجها من ذلك النوع الذى صدّق كلام الاغانى ، وتأكد لها انه اذا عاش معها فى مكب للنفايات فسيظل اكثر الناس سعادة ، ولم تزد عن تسآؤل حزين ( دا بيت زوجية ولا بيت طاعة ) فهم تماما ما يعنيه هذا التسآؤل بتهديده المبطن ، وكعادة الكثيرين انحشرا فى بيت الوالدين فى آخر المطاف ، فيا لشقاء الوالدين فى هذا الوطن .

                        ثورات الشباب العربى فى تقديرى احد بواعثها (قصة احلامك معايا) ، لأنها قصة تعنى الحاجة الى الوظيفة والى السكن والى اسرة جديدة تريد ان تسهم فى الحياة برؤية جديدة تغير شيئا من وجهها الكالح ، لكن المصيبة انها تريد كل ذلك فى ذات الاطار الاجتماعى القائم ، تثور لتغيير الاوضاع السياسية ، وتثور لتغيير الاوضاع الاقتصادية وذلك حتى تتمكن من الايفاء بمتطلبات التقاليد والعادات الاجتماعية ، ولكنها لا تثور يوما لتغيير هذه التقاليد والعادات التى تقف عقبة كأداء امام احلامهم ، وتقف عقبة كأداء حتى امام ارثنا الدينى الذى اعتبر الرضا بالدين وحسن الخلق شرطا كافيا لأتمام الزواج ، واكتفى بآية من القران مهرا ليصب جهدهما ومالهما فى تأسيس حياة زوجية مقبولة .

                         الحكومات معنية بأحلام من يحكمون ، ومن يحكمون حريصون على ابقاء الاطر والعادات والتقاليد الاجتماعية كما هى عليه طالما انها تخدم اهدافهم ومصالحهم بكفاءة وامتياز ، اما احلام العاشقين .. لا مكان لأحلام العاشقين فى هذه البلاد ، العشق هنا فخ ،  اما قادك لأن تكون جزءا من احلام من يحكمون واما قادك للهجرة والاغتراب واما قادك للثورة ، وحتى هذه الخيارات الثلاث صارت فى راهننا المأزوم اكثر ضيقا من ذى قبل ، يبدو اننا على اعتاب ثورة اجتماعية او ربما فوضى اجتماعية لا قداسة فيها لتقاليد او عادات او اعراف ، لا قداسة فيها لشىء ، هكذا تقول يومية الحوادث الرسمية  فى الجانب المعلن منها وتقوله يومية الحوادث الاهلية المتداولة سرا فى اضيق المجالس .

الجمعة، 7 يونيو 2013

لوزير ماليتنا والنواب

              
                      اتخذ عدد مقدر من السادة النواب موقفا متحمسا ومؤيدا ومساندا لسياسة السيد وزير المالية الرامية لرفع الدعم عن سلع استراتيجية على رأسها الجازولين ، ووصلت بهم الحماسة حد التصفيق الحاد لتوجهه هذا ومطالبته بأستعجال الاجراء ، وبرغم دهشتى لأتكاء سياسة السيد الوزير فى هذه الخطوة على التهريب كأحد اسباب رفع الدعم فبرغم دهشتى من هذه الاتكاءة الجريئة التى اساءت  بوعى او بغير وعى الى قوات عسكرية وامنية رقابية معنية بسد الثغرات التى ينفذ منها التهريب ، واساءت الى ادارات فى المركز والولايات من ضمن مهامها ضبط احتياجات البلاد من هذه السلعة وضمان وصولها الى محتاجيها ، فبرغم هذه الدهشة الا ان دهشتى كانت اكبر واعجزتنى عن تفسير موقف النواب المتحمسين لهذه السياسة الاقتصادية بكل تأثيراتها الكبيرة على حياة المواطنين ؟ لا يهم فربما لم يكن لهؤلاء المواطنين فضل بوصول اولئك النواب لمقاعد المجلس ، اما موقف السيد الوزير فليس لدى ما سأقوله سوى ان انقل لسيادته وللسادة النواب ما قاله احد منظرى النظام العالمى الجديد فى هذا الشأن واعنى به ، صمويل هنتجتون فى مؤلفه صراع الحضارات وبناء النظام الدولى ص 256 طبعة دار الامل للنشر والتوزيع الطبعة الاولى 2006 :

                         ( ويحاول الغرب الآن وسيظل يحاول دعم مكانته العظيمة والدفاع عن مصالحه بوساطة تعريف هذه المصالح بأنها مصالح " المجتمع العالمى" ولقد اصبحت تلك العبارة اسما مركبا يلطف (ويحل محل عبارة "العالم الحر") لأضفاء الشرعية العالمية على الافعال التى تعكس مصالح الولايات المتحدة والقوى الغربية الاخرى ، وعلى سبيل المثال ، يحاول الغرب الآن دمج اقتصاديات المجتمعات اللاغربية فى نظام اقتصادى واحد يهيمن هو عليه ، فبوساطة صندوق النقد الدولى ومؤسسات اقتصادية دولية اخرى ، يعمل الغرب على دعم مصالحه الاقتصادية ويفرض على الامم الاخرى السياسات الاقتصادية التى يراها مناسبة . ولكن مما لا شك فيه ان صندوق النقد الدولى لو اجرى استفتاء فى شعوب لا غربية بشأنه ، فأنه سيفوز بتأييد وزراء المال وقلة من الآخرين ولكنه سينال نسبة لا تفضله على نحو كاسح من كل الآخرين تقريبا ، الذين من شأنهم ان يتفق رأيهم مع وصف جورجى آربتوف لمسئولى صندوق النقد الدولى حين قال عنهم انهم "البلاشفة الجدد الذين يهوون مصادرة اموال الناس ، ويفرضون عليهم احكاما غير ديمقراطية وقوانين دخيلة على السلوك الاقتصادى والسياسى تخنق الحرية الاقتصادية ") .

                        ان فهمى البسيط والمتواضع جدا لوصفات صندوق النقد الدولى بماركاتها المسجلة الخاصة برفع الدعم وتخفيض ميزانيات الفصل الاول والتى اعتادت فرضها على دول العالم الثالث مقابل قروض يظل ثقلها على كاهل الاجيال القادمة اشد وطأة من ثقل الدعم الذى تضطلع به الدولة نحو السلع الاستراتيجية ومتطلبات الفصل الاول ، انها بأختصار اكبر منتج للفقر والفقراء حول العالم .

                         حسنا ، تريدون تحرير الاقتصاد وتحرير السوق ، فالحرية كل لا يتجزأ ، حرروا السياسة من كوابحها وحرروا المجتمع من قيوده ، والا فأن الاستجابة لهذه الوصفة والتباهى بجدواها تذكرنى بقول الشاعر اللبنانى حسن العبد الله ( واطلقت حريتى وذكائى ككلبين بين الشوارع والابنية ، فعادا برأس من المال يشبه رأس امرىء قروى يجوب المدينة بحثا عن الخبز والماء والكهرباء ) .

                     

الأربعاء، 5 يونيو 2013

من الجنينة سيرا على الاقدام


                       حكى لى جارى من احدى قبائل دارفور، انه حضر من الجنينة اقصى مدينة فى غرب السودان وحتى الخرطوم سيرا على الاقدام عام 1919  ليلتحق بقوة دفاع السودان ، وروى تفاصيلا طويلة عن مشاركته فى الحرب العالمية الثانية  لم اتوقف عندها كثيرا فقد اسرنى هذا الامان الممتد آلاف الكيلومترات من اقصى مدينة على الحدود الغربية والى عاصمة البلاد ، امان غطى جبالا ووديانا وادغالا وصحارى وغطى جارى حتى لحظة التحاقه بقوة دفاع السودان آنذاك ، الظل الحكومى فى ذلك الزمان كان قصيرا جدا بحيث لا يستطيع ان يغطى 1% من هذه المسافة ، قال لى ان دليله فى هذه الرحلة الطويلة هو اول قرية وصل اليها داخل دار فور ومنها يدلك كبيرها على اقصر الطرق واول القرى فيها ويزودك بما تحتاجه من ماء وغذاء على طول الطريق ، وهكذا استمر الحال مع بقية القرى التى تزيد بعضها فى عطائها بتوفيرها مأوى ليلى ، وقائع اشبه بالأساطير حينما تنظر اليها بعين الحاضر المأزوم ، الآن لا تستطيع ان تبتعد كيلو متر واحد من اى مدينة هناك دون ان تستقبلك الذخيرة من عدة جهات ، ولا عزاء سوى ان نغنى مع سيد خليفة (كانت ايام يا وطنى .. زى الاحلام يا وطنى) .

                        وفى كادوقلى حكى لى نحات خشب سنة 1994 انه كان يأتى من منطقة تقع على حدودنا مع الكونغو ويمر بمئات القرى حتى يصل الى كادوقلى ليبيع منحوتاته الخشبية وكانت اكثرها جمالا ، عصى مزيّنة فى اسفلها بظرف رصاص الدوشكا الفارغ الذى كان يجمعه من تلك البلاد الملتهبة ، ولم يكن يخشى فى الطريق سوى الضوارى التى تكثر بتلك الانحاء وحكى مغامراته معها ذئابا ونمورا وفيلة وثعابينا ، ولم يأسرنى فيها سوى ذلك الامان الممتد من الحدود الجنوبية الى قلب جبال النوبة ، واحزننى ما آل اليه حاله بعد ان صار مقامه بها قسرا بسبب الحرب التى طالتها واستعدت بعض ابناء الجبال على ارضهم وقطعت عليه الطريق الذى الفه عقودا طويلة منذ ان كان صبيا برفقة والده .

                         هذا الامان المذهل كان غطاء السودان لأزمنة طويلة ، ينتشر على كل شبر من اراضيه سلاما وتعايشا رغدا فريدا ، لا يفرز السودانى عن الغريب ، تعدد ثقافى وعرقى ودينى لم يمنعه تأريخ قديم رغم بعض تفاصيله التى تثير الفزع والغبينة من ان يتشكل داخل المدن والاقاليم طيفا سودانيا جميلا مثل قوس قزح ، فكيف تحولّت تلك المدن والمناطق والجهات الى محاضن لحروب لا تنتهى ومصادر للمجازر ؟

                          بؤس الفكر وبؤس السياسة محفزان يتجهان عادة بجماعات هنا وهناك للنبش فى التأريخ بحثا عن ارث تأريخى للنزاع عن ارث للمجازر ، ينبشون فى العرق والدين والثقافة بحثا عن ارث محرك ولا يهم ان كان محركا داميا ومدمرا ، المهم ان يحرك مشروعا هنا ومشروعا هناك لا تفرز احدهما عن الآخر الا بمحيطه الجغرافى او العرقى او الدينى ، فكلاهما يستثير عواطف الابرياء للزج بهم فى محارق طموحات مختلة ، منفلتة ، شرهة لم تنفك تهتك فى نسيج الاوطان لترتق ذواتها الممزقة الخربة  ، هذه المشاريع مهما تزيأت بلباس الخير والحق والعدل والحرية ، فسيتحول السلاح الذى بيدها عند لحظة الاصطدام دليلا شريرا يقود حتى الابرياء الذين هم خارج دائرة الصراع الى رحى المجزرة .

                          انظر الان الى مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وارى جنوب الوطن قد صار دولة جديدة ، وانظر الآن الى ميثاق الفجر الجديد وارى دويلات تلوح فى الافق ، وانظر الى ما سيتبقى من السودان وارى فرزا جديدا يلوح فى آفاقه لم يسلم منه حتى بيت صغير ، هل ما زال هناك امل فى ان يتجول احد فى هذا الوطن آمنا من اقصاه الى اقصاه كما فعل جارى ام سيصرخ كثيرون : اعيدوا لنا سوداننا القديم ؟

السبت، 25 مايو 2013

نصف العمر


                         ( يقضى الانسان السودانى نصف عمره للحصول على قطعة ارض سكنية ويمضى النصف الآخر فى اكمال بنائها ) هذا القول الذى بالكاد يغطى سطرا فى صفحة كراسة تلميذ فى مرحلة الاساس ، يحكى قصة طويلة تسع مجلدات بحالها ، قصة شعب كم تغنى بمساحة ارضه التى كانت تبلغ مليون ميل مربع ومع ذلك يعجز اى من ابنائه ان يحصل على مساحة 300 م م ليقيم عليها سكنا ويعجز ثانية اذا وجدها ان يشيّدها .

                         عام 1970 عندما كافأ الرئيس الراحل جعفر نميرى لاعبى الفريق القومى بقطع اراض سكنية فى مواقع فاخرة لفوزهم بكأس الامم الافريقية ، استنكر منظرو غيلان الاحتكار هذا الاجراء وتعالى همسهم احتجاجا بأعتباره اجراءا سيقضى على هواية اللعبة ويثقل ادارات الاندية بطلبات هؤلاء اللاعبين لمقابلة تشييد تلك القطع السكنية وسيفتح شهيّة اللاعبين للأحتراف فى خاتمة الامر ، يعنى بأختصار مهما حققوا من انتصارات ترفع اسم الوطن عاليا ، ومهما قدموا من فن وابداع امتع هذا الشعب الصبور ، تريدهم هذه العقلية مجرد اراجوزات مسخّرة فى الميادين مهمتها ان تشغل جمهور الكرة العريض عن قضايا الحياة فى هذا الوطن وتحدد لها نصيبا من ايرادات ابداعها وجهدها وفوزها عبارة عن عطية مزين .

                          عقلية غيلان الاحتكار هذه التى ترى فى امتلاك مواطن لسكن يأويه واسرته رغم ابداعه وتفانيه واخلاصه لوطنه ، تكلفة عالية ستخل بموازين امتيازاتها ، هذه العقلية المؤثرة على كثير من نواحى الحياة فى هذا البلد هى التى قادت المع العقول للهجرة والاغتراب فى نواحى المعمورة وقادت لاحقا موجات الهجرة والاغتراب لعامة الناس وقادت آخرين الى ما يخشى عقباه ، ولم تكتف بهذا الطرد الجماعى الممنهج بأحتكارها لحق العمل والسكن والتعليم والعلاج ، بل اخذت فى الآونة الاخيرة تضع يدها بقوة السلطة على اراضيهم لعرضها فى سوق الاستثمار العالمى بأسم الصالح العام تماما كما فعلت مع العاملين بالدولة حتى لا تجد اجيالهم القادمة شبرا تقيم عليه قبرا .

                        القول الوارد بين القوسين اعلاه - بتصرف قليل - بقدر ما يثير جدلا واسعا عن تعقيدات السلطة فى هذا البلد وطموحات بعض مكوناتها النافذة والمتصادمة بشدة مع الحد الادنى لامانى وتطلعات الانسان السودانى تلك الامانى التى تواطأت عليها البشرية شرقا وغربا وصاغتها فى مواثيق ومعاهدات وقوانين واتفاقيات دولية ، بقدر ما يثير فى النفس شيئا من العرفان كونه صادر من اعلى سلطة فى البلاد ، رئيس الجمهورية .

                        فمن اين اتى هؤلاء بهذا المال الوفير ليمتلكوا هذه المدن الفاخرة المتكاثرة خلال عقدين من الزمان بينما عجزت حكومات الادارة البريطانية والعهد الوطنى انجاز مثيلاتها قرابة القرن من الزمان ؟!
                           .

                           
                          

الأربعاء، 15 مايو 2013

بقرات الحى الراقى


                         لا شىء يضايق المرء سوى الحاح صديق عزيز لتلبية دعوة فرح كنت قد اتخذت منها موقفا صارما منذ تسلمك (كرت) الدعوة ، اما لظروف خاصة او لظروف عامة او لأن (كرت) الدعوة وحده كان كافيا ليحضك على تجنب قضاء ساعتين تحت وقع سياط مهرجان زائف ، تنضح تكلفته بعرق الغلابة ، (كرت) الدعوة كان مصمما من عدة طوابق على نسق خارطة المنزل وفستان العروس ، وجملة تكلفته فى تقديرى تعادل تكلفة عرس فى احد الاحياء الطرفية لهذه المدينة التى لم تدرك بعد طبيعة الانقلاب الذى يجرى فيها ويتخذ زمن الاقطاع هويته المثلى ، فحضور مثل هذه الدعوات يحتاج تمارينا اضافية لدعم المعنويات حتى لا تقع فريسة لحقد طبقى يجرفك الى الجحود بنعمة الله التى فضّل بها البعض ، فالرزق درجات ، وان كان بعض الرزق هنا سرقات لا غير .

                         فى مثل هذه المناسبات افضل ما يفعله المرء ان يشغل نفسه بأكتشاف اسرار مهرجان الزيف هذا ، فالصيوان عبارة عن خيمة عربية مأخوذة من ليالى الف ليلة وليلة ، يحتاج الى شاعر من صعاليك عرب الجاهلية لوصفه ، الحضور .. يا الهى اعلم ان السودانيين فى نظرى هم اجمل الشعوب سواء اكان نظرى هذا قائم على المثل القائل (القرد فى عين امه غزال) او (الجمل ما بشوف عوجة رقبته) ولكن متى بلغ السودانيون هذا القدر العالى من الجمال ؟! اى يد ماهرة تلك التى اضافت لمسات على تقاطيع هذه الوجوه واخفت بلمساتها بعض التقاطيع لتخرج لنا رجالا اشبه بنجوم السينما ونساءا مثل نجمات غلاف المجلات الشهيرة ؟! هذا الحضور اعرف معظمه واعرف مواطنه السابقة وتاريخه ايضا ، ولو عرضت على احدهم صوره هذه الليلة مع صوره قبل سنوات قريبة لأستغرق وقتا طويلا ليعرف ايهما شخصه الحقيقى فى الصورتين ، اما الازياء النسائية فجولات (قوقل) فى بيوت الازياء العالمية تقيك شر الدهشة شريطة ألا تفتح احداهن فمها بكلمة ، ولكن ان تشع الجلابية السودانية والعمامة والملفحة بالأضواء كأنها موصولة (بكابلات) الزينة المتناثرة على الصيوان ، هذا ما يثير الدهشة والحنق معا .

                         الموائد المميزة فى هذه الخيمة الساحرة ، تلتف حولها كوكبة متنوعة من متنفذين سياسيين فى الحذب الحاكم وتوابعه وكوكبة من احذاب اخرى ، تليها موائد المتنفذين فى الخدمة العامة بشقيها المدنى والعسكرى ، تليها موائد نجوم المجتمع الموهوبة والمصنوعة  من مختلف الفئات ، ثم مساحات من فراغ خططت بعناية فائقة كخطوط الطول والعرض ، لتليها موائد يلتف حولها عامة تلك الصفوة المميزة ، تراتبية مبدعة تثير طموحات وتطلعات ومكامنا اكثرها شراسة ، سخرية لاذعة ، تنظر الى موقع تلك الموائد المميزة نظرتها الى زريبة فى قلب السافنا الغنية ، وتغنى لها بخبث ( اعلف بقراتك من عرقى .. واشرق حسادك بالعرقى ) وتغنى ( يا بقرات الحى الراقى .. الدسم الطافح فى الاطباق .. مستقطع من حقك واستحقاقى ) .

                          لا حرارة فى قلب احد هنا ليتفاعل مع هذا الغناء الحاقد ( لا حرارة سوى حرارة الشراء والبيع ولا صوت سوى صدى ارتطام المال بالرجال والرجال بالمال . ح .ع) اللّهم لا نسألك رد القضاء ولا اللطف فيه ، فقط قوى ظهورنا لأحتماله .
    
 

الخميس، 9 مايو 2013

فرصة الشارع السورى


                      ان تصل امريكا وروسيا الى رؤية مشتركة لحل الازمة السورية الدامية المدمرة ، يعنى ان الشعب السورى بات قوس قوسين او ادنى من حل ينتشله من ويلاتها المستمرة لعامين ، ولكنه مطالب ايضا ان يعبّر سريعا عن تأييده لهذا التطور الذى طرأ على موقفى روسيا وامريكا من الازمة وانفتاحهما على العالم للوصول لحل سلمى لا بديل له مهما تفننت شياطين الانس والجن فى اذكاء نار الحرب والفتن فى سوريا .

                      المطلوب الآن من الشعب السورى بكل مكوناته ان يعلن بوضوح تأييده لهذا الموقف الروسى الامريكى الجديد ، وان يخرج للشارع للمرة الثانية متحررا من تضليل امراء الحرب كما خرج فى المرة الاولى متحررا من الخوف من بطش امراء القمع والاستبداد ، هذه هى فرصة الشارع السورى للخروج من هذه الازمة المتطاولة ، فليستغلها يوما واحدا ويبتعد عن ميادين القتال حتى لا يكون غطاءا لهذا الطرف او ذاك من المتقاتلين على ارض سوريا .

                      المصالح التى دفعت امريكا وروسيا للتلاقى لوضع حد لهذه الازمة ، حرية بأن تدفع الشعب السورى فى الداخل وفى  الملاجىء والنزوح ان يتلاقى على كلمة سواء ، تستعيد له وطنا آمنا يحيا فيه حياة كريمة ، قولوا الآن ان الكلمة هى اداة الحل لا السلاح ، فحلم حامل السلاح لا يتحقق الا بالقتال ، وطالما ان السلاح سيظلّ مرفوعا فسيظل القتال قائما حتى الفناء التام او الخضوع التام .

                     تنتهى الحروب عادة على مائدة مفاوضات او على اشلاء البشر وخراب الديار ، والمائدة التى اتاحها اللقاء الروسى الامريكى تتسع لجميع السوريين وللضالعين فى الشأن السورى ايضا ، فليقل كل كلمته ليعش السوريون حياة حرة كريمة وتبقى سوريا موحدة .

الخميس، 2 مايو 2013

عمال السودان المساكين


                         فى الركن الشمالى الشرقى من المحطة الوسطى امدرمان وعلى طول الشارع المتفرع من شارع المهاتما غاندى (شارع الدكاترة) من الجنوب الى الشمال شرق جامع امدرمان الكبير، يصطف جلوسا عشرات العمال من مختلف المهن بما فيهم اولئك الذين لا يملكون من المهارات سوى عضلات لاقيمة لها اذا لم تسعفها وجبة فطور فى الصباح الباكر ، كل منهم يضع ادوات عمله الدالة على مهنته امامه فى انتظار فرج يسوقه اليه فراج الكروب ، عمر هذا المشهد اكثر من نصف قرن ، بينما الوجوه والاشخاص ظلت متجددة باستمرار بأستثناء بعض قليل من حراسه القدامى الذين بلغوا خريف العمر ولم تعد ذاكرتهم تدرك شيئا فى خريطة هذه المدينة التى اخذت غيلان الاسمنت المتطاولة الى عنان السماء تغير فى ملامحها بسرعة اربكت هؤلاء الحراس القدامى الذين تقتضيهم حاجتهم الى الحضور اليومى لهذا المكان الذى شهد حريق العمر لأستلام ما تجود به ادواتهم من عائدات ايجارها المتواضعة ، هذه الادوات التى لازمتهم بأخلاص حياة الضنك الطويلة ولم ينقطع عطاؤها بعد .

                         يوم امس الموافق اول مايو ، او يوم عيد العمال ، وفى الوقت الذى ازدحمت فيه شوارع عواصم عديدة فى العالم شرقا وغربا بحشود العمال المتمسكة والمطالبة بحقوقها ، كانت هذه المجموعة التى اتخذت هذا الركن من المحطة الوسطى امدرمان مقرها الدائم ، مهمومة بحصولها على عمل يأتيها من احد الداخلين الى السوق او الخارجين منه ، ولا يعنيها اول مايو فى شىء وربما لم تسمع به يوما ، لا شىء هنا يدل على ان ثقافة حقوقية او ثقافة مهتمة بقضايا العدالة الاجتماعية قد غشيت هذا المكان ، لا علم لا منشور او حتى قميص احمر ضلّ طريقه صدفة الى احد هذه الاجساد المنهكة ، او دندنة كنا نسمعها آخر الليل فى بعض احياء امدرمان تردد فى اسم قاسم امين ، من يصدق ان هذه المجموعات العمالية كانت فى عشرينات القرن الماضى منضوية تحت جناح جمعيات تحررية نشطة ؟!

                        اين اختفت حركة الوعى التى شكّل هؤلاء العمال يوما احد اعمدتها الرئيسة ؟ّ! هل عقمت تلك الحركة عن انجاب قيادات جدد فى ظل هذا النسل المتزايد من العمال ؟!

                         عمال السودان المساكين تسلّق على اكتافهم من تسلّق وحبس قضاياهم وقياداتهم داخل فيلل وقصور وبيوت عالية الظل ، فلم تعد لديهم حاجة لعيد أول مايو ، حاجتهم الآن تلبيها ايام ما قبل عيد الفطر وعيد الاضحى .

مشاركة مميزة

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                            ​تتجه الأنظار...