الجمعة، 8 يوليو 2011

اقدم آلهة الفراعنة


            هذه الخريطة التى احتضنت الجزء الاكبر من جسد أحد اقدم آلهة الفراعنة ، اثارت منذ الازل غيرة وحسد شعوبها ، فكل منها يشتهى امتلاكها او ان يستقطع منها جزءا يباهى به العالم ان ثمة شعب هنا يمتلك احد الاسرار المقدسة الخارجة من حصنها العظيم بجبل البركل ، فمن نوباتيا الى المغرة الى علوة الى سنار ، ظلت فى حالة التقاء وافتراق ، متماهية مع النيل فى لعبته المفضلة مع الضفاف مدا وجزرا ، لا تهدأ حينا الا لتستعر ثانية بشهوة الامتلاك او الفراق ، هذا حالها على مر الايام ، يدعو للأسى ولكنه لا يدعو للحداد ، فالأرض باقية هنا وهناك ، يحرسها ابناؤها الى ان تخبو فيهم شهوة التملك والمباهاة ويعود رشدهم الغائب من مغاراته البدائية ليتم التلاقى ثانية .

            اليوم آخر جمعة يشهد فيها العالم خريطة السودان المألوفة عقودا طويلة ، وابتداءا من الغد ستنشغل مطابع الدنيا بأطلس جديد يعلن ولادة دولة جديدة ، وستنشغل الامم المتحدة والاتحاد الافريقى بتجهيز مقعد اضافى وسارية لعلم جديد ، ولكن الخشية كل الخشية ان ينشغل سماسرة الحروب وتجار السلاح وشبكات التجسس والتآمر بنشاط محموم لدى الطرفين لتسويق خدمات من شأنها ان تبقى الحرب التى افرزت هذه الخريطة الجديدة حربا مستعرة لتسخر من فكرة الانفصال حلا للدماء بينما هى فى الواقع  مشروعا شيطانيا قائما فى ظل الوحدة او الانفصال و يجيد تغذية جيوب اولئك المحترفين القادرين على صنع حرب من ركعة ساهية فى صلاة او من آية اجتزأت عمدا من سياقها او من رقصة شتراء فى (نقارة) مولودة من طقس قبلى ، الخشية كل الخشية ان تأخذ لعبة الكراسى هناك طابعها هنا الذى ادى الى خروجهم بالارض لتؤدى الى خروج آخرين هناك بأرضهم ويصبح المشهد اعادة لسيناريو الهند بحذافيره ، لن امضى اكثر من هذا حتى لا افسد بهجة الغد على اخوة لنا رأوا فى خروجهم بالارض منا خلاصا من قيد دامى .

             امنياتى ان يكون قولى الاول صائبا فى تفاؤله وقولى الاخير خائبا فى ظنه وان يهنأ ابناء الجنوب بوطن آمن مستقر وان تبقى الألفة والمودة والاخاء والتعاون بيننا وسما لنا رغم شطط الحكومات وكيد المتآمرين .

الأربعاء، 6 يوليو 2011

ديننا زينة الآخرين


الفيديو من موقع بى بى سى العربية
                   فى اليومين الفائتين ، ادهش زوجان يابانيان العالم ، حين اقاما حفلا بهيجا بمناسبة طلاقهما ، المشهد بما فيه من تسامى انسانى فريد بلغ حدا من صفاء النفس بدا فى نظر الكثير من المسلمين حدثا مأخوذا من مخيلة تحاول اعادة صياغة المجتمع البشرى المتعب بالكراهية والخصومة على شاكلة محاطة بالمودة والتسامح اوان المشهد برمته ليس الا فصلا من احدى مسرحيات اللا معقول ، بينما المشهد فى حقيقته كان تفسيرا مدهشا فى بساطته للجمال المتدفق من قيم ديننا ( عاشروهن بمعروف وفارقوهن بمعروف ) .

                   تصوروا بعد 1400 سنة يأتى زوجان يابانيان ليكشفوا لنا سر الجمال الكامن فى مفردة ( معروف ) المفردة التى امرنا بها ديننا داخل النص اعلاه ، فالحق يقال ، لم نكن نعرف من اسرار جمالها الا تلك الاحتفالات والولائم التى تسبق المعاشرة ، اما الفراق فقد استقر فى مخيلتنا اما دعوة على ابواب المحاكم الشرعية واما حلقة خطابية من بذاءات على الشوارع وفى البيوت واما ان يبدو فى احسن الاحوال ، مضخة لمشاعر حاقدة تنضح بكل سوء ، فلا مكان للمعروف عند الفراق الا ما ندر .

                    فهل نحزن ام نفرح عندما نرى قيم ديننا عند الآخرين زينة يباهون بها العالم ؟

                     لا الحزن يجدى هنا ولا الفرح ، هنا موقف الغضب بأمتياز ، الغضب من هذا الاسر الطويل تحت قيود فقه يسعى عمدا او جهلا بأن لا يرى من جمال الدين سوى المنع والامتناع عن سلسلة طويلة من الحقوق التى كفلها لنا الدين بصريح النص ، ثم نكتشف ان عين هذه الحقوق الممنوعة والممتنعة علينا ، صارت مواثيقا تواطأ عليها العالم من حولنا وسما بها الى آفاق بعيدة نحتاج قرونا للحاق به ، فهل يجدى الغضب ؟

                    لا يجدى الغضب ، فقد ظل فعلا مستمرا ولم يقف عند قول الشاعر ( يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ) ومع ذلك لم يغيّر شيئا ، وحده العقل قادر على التغيير ، نحتاج الى ان ينشط فينا العقل ويستل من الركام الذى احاط بديننا جمال هذا الدين الحقيقى ويبسطه فى حياتنا زينة ترقى بنا فى المحافل شرقها وغربها ، ( افلا تعقلون )

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

معيار الطهارة


دومنيك ستراوس كان مدير البنك الدولى السابق
                    ان تكون مديرا للبنك الدولى فى زمن تخنق فيه العالم ازمة مالية مستفحلة ، هذا يعنى انك فى خطر ، وان مسحا استخباريا سيبدأ مهمته من لحظة صرختك الاولى وينتهى عند آخر مقر تبيت فيه ، بحثا عن فضيحة من ذلك النوع الذى يلوى يدك ويدفعها صاغرة كى توقع اما شيكا على بياض واما استقالة ، الفضيحة وقد علمناها ولكننا لا ندرى طبيعة المفاوضات التى دارت بين (دومنيك ستراوس كان) مدير البنك الدولى السابق واسياد المال فى عالمنا واختتمت بأجراءات جنائية قادته فورا الى الأستقالة ، او بمعنى ادق قادت الى وضع نهاية لسياسة تولى امرها طوال فترة ادارته السابقة ، ولاندرى طبيعة الاصطدامات التى احدثتها تلك السياسة مع دولة هنا او مجموعة هناك فى عالم المال العالمى ، ولا يهم كثيرا ان ندرى تفاصيلها ، فالبنك الدولى ظل فى مفهومنا عدوا مستبدا احترف قصقصة ميزانية الدول النامية وخصخصة مؤسساتها ليخضع معدة شعوبها لسلطان المال العالمى ويحافظ بذلك على عبودية مغلفة بشرعية رضا الامر الواقع .

السيدة التى اتهمته بالتحرش بها
                   ما يهم فى هذه القصة ليس مدى صحة تفاصيلها القابلة للتأكيد والنفى والتى تبدو بمعايير الحبكة العادية قصة ينقصها الكثير كما  ان النبش الذى اخرج من تاريخ الرجل قصة اخرى لتدعم حبكة الاولى ، لا يبدو بقادر على ان يسوّق الفضيحة فى رحاب الضمير والقانون رغم رواجها الواسع على الميديا العالمية ، ولو كان خلف الرجل فى رئاسة البنك الدولى من غير موطنه لما تم هذا النبش من اصله ، ولخرج علينا خطاب فرنسى يكاد ان يدفع بالتحرش اذا ثبتت الادانة عليه ، ليأخذ موقعه ضمن مصفوفة حقوق الانسان ،  ما يهم فى هذه القصة حقا ، ان الغرب الذى تزخر مدنه بالمواخير وشبكات العهر والفجور المحمية بموجب  القانون ، هذا الغرب المنعوت بالكفر والرزائل ، تأبى اخلاقه ان يفلت رجل من العقوبة اذا دعاه فجوره الى التحرش بأمرأة حتى وان كان ذلك الرجل مديرا للبنك الدولى وكانت تلك المرأة خادمة فى فندق .

                    هذه هى معايير المحافظة على الطهارة فى الحياة العامة عند الغرب ، لا تهاون فيها ولا تستر . 

الجمعة، 1 يوليو 2011

الوضع الراهن


                    عبارة (الوضع الراهن) والتى عادة ما تطلق على سوء الاوضاع السياسية فى بلد ما ، تبدو احيانا فى بعض الصياغات محاولة مستميتة لوجهة نظر ترى فى الواقع القائم جسما مستقلا هبط فجأة من فضاء غريب ليخلط اوراق الحاضر ويجرد الحراك القائم فيه بمختف اطرافه من ماضيه ومن آماله فى المستقبل ، وتغفل عن عمد ان ( الوضع الراهن ) نتاج لصراع طويل حول الحقوق والمصالح او بين الحقوق والمصالح بلغت تداعياته منطقة خطرة لا يقف تهديدها على الحياة فى الداخل وانما تمتد آثارها الى مصالح اقليمية ودولية لا تلبث ان تكون طرفا فاعلا فى الصراع ، لذلك تسعى وجهة النظر هذه الى محاصرته فى حدود النقاط التى وقف عندها بتسويات يهمها ألا تمتد آثاره الى ابعد من هذه النقاط ، بينما اسبابه تظل قائمة و عرضة للأشتعال فى اى وقت ، وهذا ما تبدو عليه صورة (الوضع الراهن) فى بلادنا .


                  
                  اتفاقية (نيفاشا) عجزت عن حل الصراع مع الجزء الجنوبى فأخرجت الجنوب من خريطة الوطن مصحوبا بكل اسباب صراعه مع الشمال المتشابكة جذوره فى الماء والكلأ والنار ، ودارفور ما زالت تنتظر (نيفاشا) جديدة لتنهى حربا اساءت الى هذا الوطن اكثر مما اساءت اليه حرب الجنوب ، وجنوب كردفان العالقة على ما تبقى من حبل نيفاشا الرهيف ، متى دقت طبول الحرب على حدود الدولة المرتقبة ، شاءت او ابت ، ستجد نفسها ، كلها او بعضها ، مدفوعة الى رقص متوحش فى عدوانيته ، تدعو نيرانه جنوب النيل الازرق العالق معها على ذات الحبل لمشاطرتها رقصا جماعيا يتعدى نقاط الموت المحرّمة ، رقصا من شأن ايقاعاته ان تيقظ مرارات متفرقة شرقا وشمالا ، ليصبح وضع الوطن الراهن طقسا بدائيا يتجول فيه القتل شيطانا شغوفا بالابادة الجماعية .

                    اعادة صياغة جغرافيا الوطن على خريطة جديدة لحل صراعاته القاتلة ، مدعاة للتصادم مع مصالح موغلة فى التاريخ ، ستستدعى لحمايتها آخر ما فى الروح من نفس ، هذا ما شهدناه فى ابيىّ ، وما سنشهده لاحقا على خط النار المدعو حدود 1956 ، وما سنشهده فى القادم من الايام اذا قادت نفس الحلول كلا من دارفور و جنوب كردفان والنيل الازرق الى مصير الجنوب ، من هنا يبدو استعصاء ابيىّ على الحل حتى الآن مؤشرا واضحا على فشل هذه الصياغة التى استعصى عليها الحصول على تنازلات تجعل نفاذها ممكنا ، مما يعنى ان لجغرافيا المنطقة تاريخ من مصالح يستعصى على القسمة ، تماما مثلما لهذا الوطن فى كل بقاعه تاريخ من مصالح يستعصى على القسمة بما فى ذلك الجنوب الذى بدأت تلوح فى آفاقه وفى آفاق الشمال ما خفى من وشائجهما .

                    فأن كان لابد من هذا الحل ، فلا مفر من ان يحظى التأريخ بكل محموله بمكانه المألوف داخل هذه الجغرافيا ، تماما مثلما تحظى قطعان (النوق) والحيوانات البرية فى الجنوب الافريقى بحرية تنقلها التاريخى على ذات الارض رغما عن الحدود التى طرأت عليها و قسمت الارض الى دول .

الأربعاء، 29 يونيو 2011

حكايات الثروة والسلطة


                   


                    اكثر الحكايات تداولا فى المجالس على امتداد العالم وعلى مر الازمان هى حكايات الثروة والسلطة ، وذاكرة التأريخ تحتشد بأكثرها اثارة ومرارة الى حد الانفجار ، وتبدو فى مجملها حينما تلتحف بحقائق دامغة معيارا دقيقا على مدى نزاهة الحكومات واصحاب الثروات ، فأما خضعوا للعنة تطاردهم منذ ان وضعوا ايديهم عليها والى الابد واما ظلوا محل احترام وتبجيل تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل .

وملكيات الاراضى فى هذه الحكايات تبدو الاكثر شيوعا لتجلى قدرة الثروة وقوة السلطة فى حيازتها ، وبالتالى تبدو هذه الحيازة مولودا ناتجا من تزاوجهما لا يكتسب شرعيته الا بناءا على نزاهة الاجراءات التى افضت بملكيتها الى شخص ما او جهة ما ، وهى ملكية مماثلة لشهادة ميلاد الابناء لا يستطيع اى قانون مهما اتقن فن الألتفاف والمناورة ان ينتزع نسبة الأبن الى امه وابيه ايا كانت حججه المبيّتة .

                    قد يبدو مفهوما ان تلجأ سلطة ما الى توظيف الارض لصناعة ثروة تسندها عبر جهة ما او شخص ما ، ولكن حتى المستعمر المحتل لم يتغوّل على اراضى
   المواطنين القائمة سواء بالحيازة او الملكية لصناعة هذه الثروة ، وحتى اذا اقتضت المصلحة العامة - الزريعة التى تلجأ اليها العقول العاجزة عن خلق مصالح جديدة - لنزع هذه الاراضى ، فأن السلطات كانت تسعى لتعويض اصحابها اراض اضعاف مما انتزع منهم وفى مواقع طبيعتها قريبة من طبيعة الاراضى التى فقدوها بالاضافة الى تعويضات مالية مقبولة .

                              ولكن كيف للمرء ان يفهم ان تقوم سلطات الأستثمار بسن قانون يمنحك الارض بيد وينزعها منك بيد اخرى ليمنحها لآخر عرضة لأن تنتزع منه ايضا بموجب ذات القانون الذى منحه ذات الارض ، ويفقد بموجب هذا النزع المحمى بنص القانون اضافة للأرض التى رمى عليها آماله ، امواله التى ادخرها بعرق جبينه وصرفها على هذه الارض التى اصبحت استثمارا مضاعف الارباح لسلطة اراضى الاستثمار دون ان تكلفها هذه الارض الحلوب مليما واحدا ، فكل التكاليف التى ترتبت عليها منذ لحظة مسحها وحتى لحظة عرضها ، يدفعها المواطن الذى خصصت له  ، لا شك ان العقلية التى انتجت مثل هذا القانون قد تفوقت على عقلية  صناع صالات القمار بلاس فيجاس .

                    ما اشدّ سذاجتنا حين نأخذ القانون فى تفكيرنا جسما حاميا للحق والعدل ، وما اصدق عمر الطيب الدوش حين قال ( الحق فى ساحة مجزرة ) .

الجمعة، 24 يونيو 2011

الجوع سيّد المشهد


                       شهد العالم فى عامى 2007 و2008 ارتفاعا هائلا فى اسعار المواد الغذائية ، قادت الى اضطرابات فى عدة دول حول العالم وخلّفت نحو 925 مليون جائع ، و امس توصلت مجموعة العشرين - الحاكم بأمره فى هذا العالم - الى اتفاق للتصدى للأرتفاع فى اسعار الغذاء بتحسين القواعد التى تنظم عمل اسواق السلع الاولية وتطوير اساليب الاشراف عليها ( تفاصيل اوفى بصحيفة الاقتصادية الاليكترونية ) ، تزامن ذلك مع اعلان وكالة الطاقة الدولية بأنها ستطلق 60 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية النفطية بمعدل 2مليون برميل يوميا ولمدة 30 يوما بهدف خفض اسعاره ودعم الاقتصاد العالمى ، ولسد العجز الناتج من انقطاع الامدادات الليبية ، وهى خطوة تصب فى الاتجاه الرامى لخفض اسعار المواد الغذائية للعلاقة العضوية بين النفط والانتاج الزراعى ، كل هذا الحراك يجرى فى ظل ازمة اقتصادية ومالية لم يتعافى منها العالم بعد .



                       وفى ظل الثورات التى تشهدها منطقتنا ونزاعاتها المتفجرة وصراعاتها السياسية المحتدمة اضافة لما نعانيه من مشكلات اقتصادية مزمنة وبطالة متصاعدة يوما بعد يوم ، يبدو الجوع سيّد المشهد القادم ، وفى قولنا المأثور الذى نحفظه عن ظهر قلب ( لو كان الجوع رجلا لقتلته ) و ( الجوع كافر ) فهى تعابير تشى انه خصم لا يموت ولا يردعه دين او تمنعه اخلاق من قتل ضحاياه والذين عادة ما يكونوا  بالآلاف ، بل يكفى حضوره للفتك بهم ، وحضوره عادة توفره الظروف التى يشهدها عالمنا الآن وتجذبه بقوة ظروف منطقتنا على وجه الخصوص ، فأذا كانت مجموعة العشرين تسعى الآن للتصدى لأرتفاع اسعار الغذاء لمنع حضوره ، فأن سعيها سيظل محكوما بموازنات يهمها ان اى اجراء فى هذا الشأن يجب ألا يؤثر على وضعها كمجموعة تقف على قمة الدول الغنية التى لا تسمح اقتصادياتها بوجود ثغرة يتسلل منها الجوع ليهدد حياتها حتى وان شكلّت موازناتها هنا ثغرة كبيرة ينفذ منها الجوع الى بلدان كبلادنا وبالتالى فأن خطره المرتقب امر يعنينا فى المقام الاول .

                       فأذا كانت قدرتنا عاجزة عن تغيير الظروف التى اشعلت فتيلة النزاعات والصراعات السياسية المحتدمة ،فالقدرة على سد المنافذ التى يتسلل منها الجوع متوفرة ولا تحوّج السلطات سوى اجراءات بسيطة يقف على رأسها التحرك الفورى للسيطرة على اسواق السلع الاولية التى تشكل اساس حياة المواطنين كالخبز والخضروات واللحوم والزيوت والسكر والوقود ، فهذه السلع تبدو فى ظل الظروف المحيطة بنا الآن اشبه بليلة القدر لأباطرة السوق السوداء - البوابة العريضة التى يدخل منها الجوع متقدلا فى حياتنا - وبالضرورة تقتضى هذه السيطرة اختيار كوادر امينة ونزيهة لا تخشى فى الله لومة لائم ومتجردة من اى انتماءات من شأنها ان توظف هذه السيطرة لمصالحها ، وان تخضع العملية برمتها لرقابة صارمة رسمية وشعبية حماية لها من الاستغلال .

                       الجوع خصم قاتل ، لا يجدى معه سلاح ولا تصده مليشيا ، فقط تدحره ارادة حرة نزيهة وشفافة ورحيمة بشعبها ، واول وآخر دعواها ( رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق اهله من الثمرات ) .

الخميس، 23 يونيو 2011

الحرب آخرها تسوية


                  


                      واخيرا اعلنت الادارة الامريكية فى خطوة متدرجة انسحابا جزئيا لقواتها من افغانستان ، مفسحة المجال لتسوية سياسية يحيط الغموض بمجرياتها ، وان كانت شروطها العامة المتمثلة فى ضرورة التزام الفرقاء الافغانيين بالدستور ونبذ العمل المسلح وعدم استخدام العنف فى الوصول الى السلطة وتأمين الشوارع والحياة العامة ابرز ملامحها ، وهى خطوة جديرة بالاهتمام لما لها من دلالات على صعيد سياسة امريكا الخارجية تجاه تواجدها العسكرى فى مناطق النزاع ، وعلى صعيد تعاطيها مستقبلا مع المتفجر من هذه النزاعات فى بؤر جديدة .


                    اذ تبدو هذه الخطوة معبرة عن ملامح استراتيجية جديدة خاصة بالتعامل مع النزاعات المسلحة ، واهم ملامح هذه الاستراتيجية الجديدة التى بدأت تمشى على الارض ، تبدو اكثر وضوحا فى الحرب على ليبيا ، اذ كشفت عمليات الناتو هناك ان الغرب لم يعد فى حاجة الى انزال جيوشه بأرض النزاعات   ،   فتجربة الحرب فى افغانستان والتى استمرت عقدا من الزمان بين الناتو وطالبان ، وحوالى ثلاثة عقود منذ الغزو السوفييتى لأفغانستان ، تبدو بكل تبعاتها على الصعيد الاجتماعى بخسائرها البشرية والاقتصادى بخسائرها المادية وتكاليفها العالية وعلى الصعيد السياسى الذى جعل من امريكا وحلفائها غولا متعطشا للغزو والاحتلال وانعكاسات ذلك على شعوب المنطقة وشعوب الغرب ايضا ، تبدو هذه التجربة عاملا رئيسا فى صناعة هذه الأستراتيجية الجديدة  . فلم يعد الغرب فى حاجة الى انزال جيوشه بأرض النزاعات ، اذ يكفى ان يبدأ مواطنو تلك الارض الراغبون فى ان يكونوا جزءا من ( الاسرة الدولية )  اولى معاركهم لتلحق بهم آليات الغرب العسكرية عالية التقنية و غير الملحوقة من الجو والبحر ، لترجح كفتهم فى النزاع وتجعل من الطرف الآخر مجبرا على قبول تسوية اهم شروطها هى المذكورة اعلاه حتى وان كانت قدرته فى الصمود كقدرة طالبان .

                      ويبدو ان امريكا نجحت فى تأسيس قوة افغانية حليفة وراغبة فى خلق فضاء عام يكفل لطالبان الحق فى التعايش دون التغوّل على هذا الفضاء ، لذا جاء سحبها لهذه القوات فى احد وجوهه رسالة مطمئنة ومحفزة لطالبان للأستجابة لهذه التسوية التى من شأنها ان تخلى الارض الافغانية من اى وجود عسكرى اجنبى وتشيع فيها الامن والاستقرار .

                       لم يعد للحرب سيّد منتصر يملى شروطه على الآخرين مهما بلغ من قوة اذا تعارضت هذه الشروط مع مطلوبات (الشرعية الدولية) فالحرب  آخرها تسوية .

مشاركة مميزة

 أوهام نيويورك ورهان الأرض: خيارنا الوحيد لكسر شوكة التجويع بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                            ​تتجه الأنظار...