الثلاثاء، 26 أبريل 2016

المستعبدات

         
                  ان كان الكلام مليئا بالغرابة ، فدعه يمتلىء بالغرابة حد الجنون ، واسترسل فى الحكى ، فالقضية تستحق اكثر من ذلك ، لا تخشى ان يخونك التعبير ، او تخونك الصياغة ، اويستخف بك ناقد حاقد مدجج بمعايير مستعارة من ثقافة غريبة تسعى جاهدة على مر القرون ، لتشكيل اساليب حياتنا بما يخدم مصالحها ، ابدأ الحكاية من حيث شئت ولا تأبه للحبكة ولا تفسح لها مجالا يؤدى الى هروب الفكرة ، لا تكترث لتداخل الاصوات ، فالمهم فى هذه الحكاية ان يصل الصوت بكل محموله ، ولا تهتم كثيرا لغرابة الوقائع ونقص اسانيدها ، فمعطيات واقعنا ستضفى عليها منطقا  يجعل حقيقتها ساطعة فى اكثر العقول ظلاما ، اعتمد على ما شئت من اقوال ، فالباحثون  المتمردون  المهووسون بالمسكوت عنه فى التأريخ كثر ، ولديهم ما يكفى من الزخيرة لصد اى فعل مضاد ، ومتأهبون دوما للتصدى ، اذهب مع الحقيقة الى المدى الذى يحررك من غبنك ، واذهب مع الخيال حتى يتسع الافق امامك فضاءا ساطعا لا يخفى صغيرة او كبيرة ، فليس فى هذا الوجود اعزّ من المرأة ، المرأة الأم والمرأة البنت ، المرأة هى العز ، فلتسقط كل دعاوى الجندر الساعية للتمييز ، ولتسقط دعاوى التمكين الملأى بشبهات الاستغلال ، ولتسقط دعاوى رعاية المرأة الريفية التى ظلت تنتج عبر القرون على صعيدها الاسرى وفى الحياة العامة  تحت رعاية مجتمعها البسيط ، علماء ومبدعين ومحاصيلا رفدت خزينة الدول بعملات صعبة .

                 قال الشاعر احمد شوقى  ( الام مدرسة اذا اعددتها اعددت شعبا طيب الاعراق) ترى هل كان يتباهى فى تلك اللحظة التى صاغ فيها بيته هذا ، هل كان يتباهى بأمه واعدادها الطيب الذى انتج شاعرا طيب الاعراق زائع الصيت ؟ ام ترى انه كان زائغ العقل لحظتها ؟ فالأم مدرسة منذ ان عرف البشر الأسرة كأولى مؤسسات المجتمع ، وظل  حالها هكذا مدرسة رائعة منذ بدايات الزمان و الى اللحظة التى انجبته فيها ورعته حتى غدا شاعرا زائع الصيت ، يصيغ شعرا مريبا يدعو لأعادة صياغة وظيفة الأم لتنتج شعبا طيّب الاعراق ونسى نفسه ، اىّ فكرة مجنونة تلك التى بثها على الملأ وامسك بها المجرمون عقيدة ثابتة وفعلوا بأسمها بالمرأة الأفاعيل ؟

                   المرأة عنوان المدن ، اذا رأيتها فى الشوارع تمشى واثقة ، تمشى ملكا كما غنت ام كلثوم ، فأعلم انها تمشى بين شعب طيّب الاعراق ، فأعلم انها تمشى فى شوارع امدرمان القديمة ، تمشى امنا وامانا ، تمشى عزة وكرامة ، اما امدرمان اليوم فحالها اسوأ من حالها عقب ذاك النهار الذى انتهت فيه اكبر مجزرة شهدتها البشرية فى خواتيم القرن التاسع عشر .

                  الباحث المندس فى حكايات المدينة قال ( انزعج مجلس اللوردات البريطانى من الاخبار التى تحدثت عن استباحة امدرمان عقب الهزيمة فى كررى ، فأرسل استيضاحا شديد اللهجة لكتشنر ، كان بمثابة صفعة قوية لقائد عسكرى ، افسدت عليه استباحة المدينة ، متعة الاحتفال بأنتصاره ) ضحك سرى ضحكة ذات مغزى ، وانتهز الباحث  هذه الضحكة لينحرف بحديثه الى ما دار بمسجد الخليفة عقب الهزيمة ، قال ( ان ابن خلدون  ذكر انه بعد سقوط الدولة الفاطمية بمصر ، اتجه بعضها ناحية المغرب العربى ، واتجه بعضها جنوبا الى السودان حيث عاثوا فسادا ) وذكر تفاصيلا لا يليق ذكرها ، اما تفاصيل ما حدث بمسجد الخليفة ، سأكتفى بتلخيصها فى عبارات موجزة تقول ، ان ابن خلدون لو رأى ما تم فى مسجد الخليفة ، لأعاد النظر فى معانى كلمة فساد ، فلقد تدفقت علي المسجد خلائق علّموا الفساد ما معنى الفجور وما الرزيلة ، واستفرغوا كل قذارات البشر من امامهم وخلفهم ، واعتقد والله اعلم انهم اوّل من ابتدع الاغنيات البذيئة المبتذلة ، بأختصار تعجز اقذر مواخير العالم ان تقترب من تلك القذارة التى غطت فناء المسجد.

                 وما يهمنى هنا ، ان تلك االمشاهد التى سوّدت ساحة اكبر الرموز الدينية آنذاك ، بدت لى ملهمة للبعض لأتخاذها  ثقافة يومية فى حياتنا ، ويحلم بتسويقها على اوسع نطاق مستقبلا ، ثقافة ارادوها ان تسود مجتمعا عرف منذ الممالك النوبية بأعتزازه بخلقه النبيل ، الا ان لطف الله على السودان والسودانيين كان عظيما ، فقد اصيب هذا المسعى بخيبة فى مبتدأه ، اذ احترم الانجليز وقتها اخلاق هذا البلد ، وحاصروا تلك الرغبات المنفلتة من منفلتى الشعور ، ورموا بها فى مواخير معترف بها ، قام معظمها حول سوق امدرمان ، من الجهة الجنوبية المتاخمة لحى اليهود والجهة الشرقية ، وبعض (الانادى) المتفرقة شماله جهة حى العرب ، واخرى جهة القماير فى اطراف امدرمان القديمة ، وبعض الجيوب ذات التأريخ الاسود  داخلها .

                 ولم تمض سنوات قليلة حتى استقرت الاوضاع فى البلاد على النحو الذى خطط له الانجليز ، وبدا سوق امدرمان يتخذ شخصية مميزة لازالت بعض ملامحها باقية الى يومنا هذا ، الا ان تركيبة تجاره قد تغيّرت ، فقد كان اليهود والهنود والشوام واليمنيين وجنسيات اخرى و قليل من السودانيين هم اسياد السوق ، و بعد الاستقلال ، كانت المدينة فى حالة سيولة ، فثمة انكشارية مقطوعة الرأس  كان قد خلّفها الاتراك ، واخرى واخرى ، وجدت نفسها و العزلة تمضى بها الى قطيعة كاملة مع مجتمع البلاد ، لأن السياسة التى اتبعها الانجليز والتى لخصها احد قادة الادارة البريطانية فى السودان ، كانت تقضى  بأن يكون اصحاب المصلحة الحقيقية فى هذا البلد هم الانجليز والسودانيون .

                 تتعبنى تفاصيل المراحل التى تمر بها المجتمعات ، وما يهمنى هنا ان تأريخ المدينة احتشد بعدد من الابطال بعضهم ، هو ذلك البطل الذى قال عنه الفيتورى ( كلما زيّفوا بطلا قلت قلبى على وطنى ) قال الباحث المندس فى حكايات المدينة  ( حملة الامير عبد الرحمن النجومى على مصر والتى انهزمت فى توشكى ، احدثت اثرا كبيرا فى بنية المجتمع السودانى ، اذ خسر الكثير من الابطال ، فقد حكى لى جارى القادم من نواحى النيل الابيض ، انه كان طفلا رضيعا من ضمن الاسر المصاحبة للحملة ، وانه ووالدته كانا ضمن الاسرى القابعين فى سجون مصر ، وان الاسرى جميعهم كانوا سيباعون عبيدا لولا تدخل مولانا السيد على الميرغنى ، وهكذا خرجت هذه الجماعة من السودانيين مع الحملة انصارا وعادت ختمية ).

               المدهش فى الامر ان الجاليات التى قدمت للبلاد مع موجة غزوة محمد على باشا وغادر منهم من غادر ايام المهدية ، عادت ثانية مع كتشنر وصارت جزءا من منظومة الغزاة الحاكمة ، ورغم ذلك ، استطاعت هذه المدينة الصغيرة ان تستوعبها داخلها فى فترة قصيرة وفى سلاسة لم تدع لمفردات الكراهية التى يولدها الاحتلال عادة اى مجال لتشكل مانعا امام اندماجها فى المجتمع ، وتبدو هذه السماحة التى وسمت امدرمان هى التى جعلت منها مركز الجذب الكبير ليس لأهل السودان على مختلف اعراقهم فحسب ، وانما امتد الى خارجها الافريقى ايضا .

                  قال سرى ( ليس فى الأمر سلاسة ولا سماحة ولا يحزنون ، صبى اليهودى العائد من الاسر ، هو من زج ببقايا الجاليات مقطوعة الرأس داخل عائلات امدرمان الكبيرة ، بأغراء كبارها الطاعنين فى السن من اصحاب المال والجاه والكلمة النافذة ، بمزايا الفتيات البيض على الاسّرة وفى المطابخ ، ولم تمض فترة الا وبيوت امدرمان الكبيرة قد وجدت نفسها مصاهرة لعدد كبير من بقايا التركية ومن بنات اليهود ، واكتشفوا لاحقا ان صبى اليهودى كان ايضا قد صاهر اليهود ابتداءا ، ويعتبر اول السودانيين الذين اكتشفوا قدرة المرأة الفائقة فى الاختراق ، فصارت المرأة مشروعه الوحيد ، مركز الجذب الوحيد كان سريرا وحلة ملاح )

                   كلام سرى يشى بغضب كذلك الذى يصاحب حضور ورثة مجهولين لحظة توزيع الارث ، وقد يوافقه البعض بأعتباره اختراق للهوية والمال ايضا ، وقد يراه بعض آخر مأثرة تحسب للرجل تدعم قضايا التعايش .

              اما الباحث المندس فى حكايات المدينة قال (  ان بنات اليهود اضافة لما يتمتعن به من جمال اخاذ ، يتمتعن ايضا بذكاء حاد وقدرة فائقة على الاختراق ، واذا كانت ليفى سيبنى وزيرة الخارجية الاسرائيلية  السابقة ، تتباهى بأختراقها لبعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية على طريق ما بين الساقين ، فأن لدينا من هى اشد دهاءا ومكرا منها ، لاتكتفى بالاختراق وانما تتربع على العرش ايضا ) .

                  الباحث  يرى ان اكبر الجاليات اليهودية فى العالم موجودة بالسودان ، بعضها ذاب تماما فى المجتمع السودانى وصاروا سودانيين يصعب فرزهم ، تتجسّد فى كثير منهم كل فضائل المجتمع السودانى من حيث التدين  وحسن الخلق ، وهذا القول صحيح ،  ولكن ليس بمنظور الباحث المنحصر ما بين 1821 وتأريخ اليوم ،  فثمة دم يهودى موغل فى القدم ، يجرى فى عروق كثير من العائلات السودانية ، ووجود اليهود فى هذا الوطن ابتدأ مع سيدنا موسى عليه السلام ، وربما مع سيدنا ابراهيم عليه السلام ، قال سرى ( ان هذا التأريخ سيدخلكم فى متاهة لا مخرج منها ، اذهبوا الى حوش الحريم ) .

                  ايقظ سرى السؤال المؤرق الذى طالما لازمنى كظلى ، كيف تأتى لمجتمع محافظ ان يطمئن على بناته فى مؤسسة مقفولة على المرأة ، تديرها عائلة وكادر من الرجال والنساء بعضهم خاضع لها تماما ؟ كيف اطمأن مجتمع امدرمان المحافظ على بناته فى هذه المؤسسة ، دون رقابة من ذوى هؤلاء الفتيات ؟ الم يكن من الأسلم  لمثل هذا المجتمع الذى ظل يخشى على المرأة للدرجة التى اخضعها لأسر منزلى طويل ، الم يكن من الاسلم لهذا المجتمع الذى اقتنع اخيرا بجدوى تعليم المرأة ، ان تتلقى تعليمها فى مؤسسات تعليمية مختلطة ؟ فهو على الاقل يضمن ان بناته تحت حماية اخوانهن ، بدلا من ان يزج بهن فى مؤسسات تعليمية  اشبه بحوش الحريم كما قال سرى ، حوش لا احد يدرى طبيعة الاجندة التى تصيغ عقولهن فيه .

                    قال الباحث  المندس فى حكايات المدينة ( لا احد خارج هذا الحوش يدرى طبيعة الاجندة التى تنحت فى عقول اولئك الفتيات ، ولكن بعض الشيوخ الذين عاينوا عددا من بنات هذه الجامعة برغبة ذويهن ، يعلمون طبيعة هذه الاجندة ) قال سرى ( بنات هذه الجامعة يفضلن الذهاب الى الشيوخ لمعالجة انهيارهن النفسى جراء الضغوط التى عانوا منها فى حرم الجامعة ، بدلا من مقابلة اطباء متخصصين ، لأنهن يعلمن ان خفافيش مدرسة علم النفس الكائنة هنالك والتى اتخذت من بنات الناس البريئات فئران تجارب لأخضاعهن لأجندة غامضة لا علاقة لها بالتحصيل الاكاديمى ، كانت قد خرّجت قطعانا من المستعبدات مندسات فى هذا المجال ، حتى صار معظمه من محتكرات هذه الجامعة وان مثل هذه المعاينات اذا عرف خباياها اولئك الخفافيش  قد تقضى على آخر نفس مقاومة لديهن )  

                  هذا الكلام يبدو غريبا ومجافيا للحقيقة ، ولكنى رأيت بأم عينى ملامح كثير من الطالبات اللائى فى طريقهن الى محاضراتهن بهذه الجامعة ، ولم اجد مثيلا لهذه الملامح الا فى وجوه الفتيات الفلسطينيات اللائى خرجن للتو من اسر السجون الاسرائيلية ، يا للهول   أمستعمرة اسرائيلية فى قلب امدرمان ؟ .

                  قال سرى ( اعتقد بعض بسطاء الناس ، ان للأمين العام للأمم المتحدة مكتب داخل حوش الجامعة ، بعد ان شاهدوا عدد العربات المتراصة بعلامات الUN المميزة ) قال الباحث  ( الأمم المتحدة تشكل منظماتها مظلة مخابراتية آمنة للدول الكبرى ولغيرها ) واحدى الناجيات  تقول ( علّمونا كيفية كتابة الشفرة ) واخرى قالت (الحبكة كلها تكمن فى قصة ال (family attachment) و ال ( field trip ) وتفاصيل المهام التى تدور فيهما شبيهة بالافلام السينمائية الامريكية ، لعنة الله على ال (community medicine ) كل الطبيخ القذر يتم طهيه على نيران هادئة وساخنة فى هذا القسم ، واكثرها سخانة نتائج الامتحانات ) انتهى كلام الناجية ولم تنته علامات الاستفهام .

                    التعليم الخاص مشكلة كبيرة ، فأولياء الامور ينتظرون من ابنائهم النجاح مقابل ما يدفعونه من مبالغ طائلة ، والمجرمون الكامنون فى هذه المؤسسات يدركون جيدا ، ان فى هذه المعادلة تكمن نقطة الابتزاز المثلى ، لذلك تصبح نتيجة الامتحانات ورقة الابتزاز الكبرى ، يا حسرة على بنات الاسر المحافظة ، تدفعهم جدوى التعليم للخروج من اسر منزلى ، الى الوقوع فى شراك استعباد سيستمر ما حيين الا من رحم ربى ، قالت ناجية اخرى ( آلاف من خريجات هذه الجامعة مرتبطات بحبل سرى مع الخفافيش الكامنة بها ، بدايته من لحظة خضوعهن لأجندة غامضة قد يكون وراءها حذب ما او تنظيم ما او جهة اجرامية ، ونهايته فى القبر ، يستدعين فى اى وقت للقيام بأى مهمة داخل وخارج البلاد ، والطاعة العمياء دائما ما تكون عنوان الاستجابة  لهذا الاستدعاء ، طاعة عمياء حتى فى الحالات التى ارتبطت مهامهن فيها بمخاطر يتحسب لها العسكريون المحترفون الف مرة ) .

                     الجامعات المخصصة للبنات وحدهن ، حوش حريم ، لن تخرّج لنا سوى جيل من المستعبدات .
                  

الثلاثاء، 15 مارس 2016

حذب الله الأرهابى


                    يشفق المرء على مستقبل لبنان فى ظل تطور موقف المملكة العربية السعودية منه ، فبعد وقف مساعداتها التى كانت تشكل احدى الدعامات الامنية فى لبنان ، والتى جاءت على خلفية مواقف حذب الله من المملكة ، جاءت حملة الدبلوماسية السعودية التى نجحت فى ان تصدر قرارا من الجامعة العربية ، أعتبر حذب الله منظمة ارهابية ، وييدو ان المملكة فى ظل تطورات مواقفها تجاه لبنان ، تمضى  الى قطيعة تامة .

                   السعودية بلا شك لاعب اساسى فى المنطقة ، واتسمت سياساتها تجاه الصراعات التى تدور فيها ، بالهدوء والنعومة طوال العقود الفائتة ، ويشهد تأريخها ذاك على نجاحها فى تحقيق انجازات بارزة فى العديد من القضايا التى أرّقت المنطقة طويلا ، كما شهدنا ذلك فى حرب 1973 ، والحرب الاهلية فى لبنان ، وغيرها من القضايا التى حسمتها خلف الكواليس ، وهى تدرى بحكم موقعها الاقليمى كقوة اقتصادية ، وكأرض الحرمين الشريفين ، وراعية لشعيرة الحج التى تشكّل الركن الخامس فى الاسلام ، بحكم هذا الموقع الذى صعد بها الى مجموعة العشرين بكل ما تمثّله من ثقل ، لا شك انها تدرى حجم المخاطر التى تواجهها على صعيدها الخاص وعلى صعيد المنطقة ، وبالتالى فأن مواقفها ينبغى ان تتخذ بذات الدقة والاعتدال الذى اتسمت به .

                   الرئيس الامريكى اوباما ، دعا قبل ايام ، ان تعمل السعودية على تقاسم المنطقة مع ايران ، والنظر الى مواقف المملكة تجاه لبنان فى ظل هذه الدعوة ، يعنى ان لبنان الذى كان يشكل احد مراتعها ، فى طريقه الى الخروج نحو موقعه القديم ، النقطة الساخنة فى صراع فارس مع الروم .

                   حذب الله  يصنف فى النظر العام كتنظيم مسلّح ، صنعته الانتهاكات الاسرائيلية المتكررة على لبنان ، والتى اكتوى بنيرانها موطنه فى الجنوب المتاخم للحدود الاسرائيلية ، ولكنه كحذب سياسى مع السلاح الذى يحمله فى يده ، يبدو نشاذا فى ساحة الديمقراطية اللبنانية ، خاصة عندما وجه سلاحه الى الداخل فى عدة مرات للتأثير على القرار السياسى ، فسلاح حذب الله احدى مشكلات لبنان الكبرى التى تحتاج الى دعم اشقائه ، وتحتاج الى تطمين حذب الله من قبل المجتمع الدولى ، بتقديم الضمانات اللازمة لكى يتخلى عنه ، والارهابى فى النظر العام ، هو ذلك الذى يفجّر الاسواق والمساجد والدور الحكومية ، واى موقع يتجمهر فيه الناس ، ويسقط جراء هذا العمل الاجرامى مئات الضحايا الابرياء ، فالخلط السياسى هنا لا يخدم قضايا لبنان ولا قضايا الحرب على الارهاب .
                 لا ادرى ما الذى يدفع المملكة العربية السعودية الى هذه المواقف المتشددة ، وقد استطاعت ان تنجز فى زمن وجيز تحالفا عسكريا وسياسيا يعد الاكبر والاول تقريبا فى تأريخ المنطقة .

                   

                   

الأحد، 21 فبراير 2016

بأيدينا نصنع ازماتنا


                  عقب غزو العراق ، كان رئيس الوزراء البريطانى تونى بلير ، قد صرّح تصريحه الخطير ، بان امريكا قد احكمت قبضتها على الشرق الاوسط ، ومجريات الامور فيه حتى الآن ، تشير الى صواب قوله ذلك ، فالتغييرات السريعة والمفاجئة والكبيرة المعنية بأنقسام دول ، والهادفة الى اعادة رسم خريطة المنطقة ، تجرى على نسق دقيق ، وتبدو احيانا ، انها تجرى بشكل تلقائى على يد دول المنطقة ، بمعنى آخر ، ان الخيارات المفتوحة امام هذه الدول ، فى الازمات التى تواجهها ، تقود مباشرة الى الخط الامريكى وان بدت معارضة له ، كأنما هذه الازمات صناعة امريكية بأمتياز .

                  صمويل هنتجتون يرى ، انه يكفى ان تراقب حضارة ما لفترة قصيرة لتقضى عليها ، وما نظنها ازمات من صنع امريكا ، هى فى الواقع من صنع ايدينا من حيث التأسيس والبناء ، وكل الذى تفعله امريكا عندما نخضع الامر لنظرية المؤامرة ، انها تقوم بتوسيع ثغرات هذا البناء ليخدم فى خاتمة المطاف مشروعها الكونى ، فالدولة الغبية هى تلك التى تظن انها ستترك سدى .

                 لنأخذ الآن القرار السعودى القاضى بأيقاف مساعداتها للبنان بسبب مواقف حذب الله المعادية لها ، وهى المساعدات التى يحظى الجيش اللبنانى بنصيب وافر منها ، اى الامن اللبنانى فى الواقع ، فهذا القرار بجانب انه يهدم اهم انجاز حققته الدبلوماسية السعودية ألا وهو الاتفاقية التى اوقفت الحرب الاهلية فى لبنان والتى استمرت لخمسة عشرة عاما ، فأنه يبدو كصافرة البداية لعنف جديد موعود به لبنان ، انها تعاقب بلدا بأكمله بجريرة حذب فيه ، ولكنها فى الواقع ستفتح جبهة جديدة عليها اذا انزلق لبنان للحرب الاهلية مرة اخرى لا قدر الله ، وهذه الجبهة ستكلفها اضعاف اضعاف ما تنفقه فى المساعدات التى اوقفتها ، و للغرابة أن هذا الموقف السعودى يبدو بديلا يلعب بالاوراق السورية فى لبنان ، الاوراق التى تخلّت عنها سوريا منذ خروج قواتها من لبنان .

                   ما لم تقدره المملكة العربية السعودية حق قدره ، ان القوى السياسية اللبنانية ، اتقنت فن اللعبة الديمقراطية الى حد بعيد ، وتبدو مراوغات هذه القوى لتفادى الوقوع فى فخ الحرب الاهلية مرة اخرى ، ولتفادى الخضوع لسلاح حذب الله ، احدى اجمل وامتع فضائل العقل السياسى التى تنتجها الديمقراطية ، وتبدو جليّة فى حركة الانتقالات السياسية من فريق الى آخر ، كما شهدناها من قبل عند وليد جنبلاط ونشهدها الآن مع سمير جعجع .

                   من الخير للملكة العربية السعودية ان تدع مساعداتها للبنان تستمر كما كانت ، وتدع اللبنانيين يديرون شئونهم على طريقتهم ، فهى فى اسوأ الاحوال ستتجنب اعباءا اضافية ، وحتى لا نصنع ازماتنا بأنفسنا ونرمى علآتها على الآخرين .

الاثنين، 15 فبراير 2016

نيرون يوجه جنوده الى سوريا


الى محمود درويش فى عليائه :

                  نيرون يستيقظ الآن مزهوا فى جحيمه الابدى ، يتمطى على مهل ، ويفتح نافذة على سوريا .

(ماذا يدور فى بال نيرون وهو يتفرج على حريق لبنان ؟)
لم يعجبه رماد بيروت ولا عنقاءها التى اكتشفت لعبة الحريق ، وعرفت كيف تراوغه ، وتنهض من جديد فاتنة المدن .

           لكنه الآن ينظر الى المشهد السورى بذات النظرة التى حكيتها بشعرك المستبصر :
(عيناه زائغتان من النشوة ، ويمشى كالراقص فى حفلة عرس :
هذا الجنون جنونى ، سيّد الحكمة .
فلتشعلوا النار فى كل شىء خارج طاعتى .
وعلى الاطفال ان يتأدبوا ويتهذّبوا ويكفوا عن الصراخ بحضرة انغامى) .

                   ولا يزال يا سيّدى يا سيّد الشعر ، يتكىء على احدى نوافذه الملتهبة و يتفرّج على حريق العراق .
(يسعده ان يوقظ فى تأريخ الغابات ذاكرة تحفظ اسمه عدوا لحمورابى وجلجامش و ابى نوّاس :
شريعتى هى أم الشرائع . عشبة الخلود تنبت فى مزرعتى) .

                   اما أمك الجريحة ، فلا زالت ترضع ثراها دما وارواحا واهات حرّى ، وهو ينظر اليها :
(يبهجه ان يدرج اسمه فى قائمة الأنبياء ، نبيّا لم يؤمن به احد من قبل) .

                   العالم المجنون الآن ، اجتمع بكل جنونه وطمعه وحقده ، وارتدى جسد وعقل نيرون المختل وأخذ يصيح :
((انا صاحب القيامة ) ثم يطلب من الكاميرا وقف التصوير لأنه لا يريد لأحد ان يرى النار المشتعلة فى اصابعه عند نهاية هذا الفلم الامريكى الطويل .) 

                   ارفعوا ايديكم عن سوريا ايها المجانين ، ان الله لا يحب المعتدين .

                 
                

السبت، 13 فبراير 2016

الحقيقة مندسة فى خوفك


                      تحيرنى اللغة المتدفقة بكل جمالها وعوارها وبذاءتها المخجلة ، حين تبحث عن الحقيقة ، واكثر ما يحيرنى ، هذه الحكمة التى تحملها ، ثم تقدمها لك فى صياغة متباهية ، لتحد من فعل او قول او لتحضك الى ذلك ، اهى حكمة فعلا ام خوف مستولد من قهر الحياة ومتغطى بالصياغات المحكمة ؟ ام ترى انها مجرد هروب من الحق ؟ شاعرى الجميل الدوش قال (الحق فى ساحة مجزرة) والهروب من الحق ، هو ان تحتمى من الموت المحتمل بالذل ، هو ان تحتمى بالأسوأ من الموت ، بينما الموت هو الوجه الآخر للحياة ، انه رحلة خارج عتمة هذه الدنيا ، تأخذك الى النور الأعلى ، انه بوابتك الزاهية التى تقودك الى الجمال الخالد ، فالحكمة  لغة عذبة كما قصص الحب ، ولكنها تبدو احيانا مجرد وسيط بارع فى منطقه ، يحاور فى عقول اخرستها الحقيقة ، انها محاولة حسنة النية ، تتلاعب باللغة كى تحمى البشر من جنونهم .

                   فمن اين تتدفق هذه اللغة بعجرفتها واستعلائها وقدرتها المرعبة على الدسائس ؟ هذه اللغة التى ظلّت تنبش فى اسرار الناس عبر القرون ولا زالت ، ولم تتعب بعد ، تتغطى احيانا بكل اكسسوارتها لتخفى وجه الحقيقة او لتكشفه ، تدور وتدور ثم تسقط فى النهاية ، صريعة لجاذبية الفضيحة ، انها الخديعة الكبرى فى حياة البشر ، اشعلت الحروب ، وحرّضت على القتل غيلة ، وجمّلت للخصام طريقا الى قلوب الناس ، وغشتنا .

                    هذه الفضفاضة حمّالة الاوجه ، غشتنا بأروع مفرداتها عن قصص حب ، توهمنا معها ان الحب هو قدر الانسان الجميل ، وصدقناها ساذجين ، فأكتشفنا لاحقا ان الحب هو عذابه وتعاسته ، وانه لم يكن سوى استثناءا فى حياة الشعوب ، استثناءا قى كل هذا العالم الواسع ، استثناءا مذكورا فى قصص معدودة على الاصابع ، يحفظها صبيان المدارس .

                  غشتنا بأكثر مفرداتها قوة وحزما ونصاعة وجلاء ، عن العدل الموجود والقائم حكما بين الناس ، ثم نكتشف ان تأريخنا ، ومنذ ان عرف شيئا اسمه الدولة ، وعلى مدى اكثر من الف وخمسمائة عام ، لم يتحقق فيه العدل الا على فترتين لم تتجاوز مدتهما عقدا ونيف ، الاولى على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب والثانية على يد الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ، وماتا مقتولين ولم يسلما من القيل والقال .

                   هذه اللغة المخادعة ، المتماهية مع فساد العالم ، قتلت من امسك بحقيقتها ، وطرحها شفافة وهى تنقب فى (السؤال المندس فى اليقين) على قول الشاعر المغربى الرائع كريم شياهنى ، واستدرجته بكل جماله وهو يخوض فى النور ، الى انفاق داكنة ، يتربص فيها حراس الازمنة المظلمة  ، ثم ساوت بينه والمجرمين القتلة على المشانق .

                   هذه اللغة المخادعة لن تعرف معها الحقيقة  فى المنشور منها ، لأن الحقيقة ساكنة فى بطن غريقة مختبئة فى السر ، واخرى محاطة بالخوف ومسكونة بالاستعارات ، واللغة الصادقة هى التى يلقى بها صاحبها فى سلة المهملات ، او تلك المحترقة على المواقد ، لأنها لغة خرجت متحررة من  تأثير الخوف او تأثير المعايير  او متمردة عليها ، ولأنها بهذه الصفات الخطرة ، أعدمها صاحبها قبل الآخرين .

                    ستجد الحقيقة فى بطن غريقة مسكونة بالخوف ومندسة فى السر ولا سبيل اليها ، ستجدها فى رماد المواقد فأنتظرها الى يوم القيامة لتقرأها ،  ستجد الحقيقة مندسة فى خوفك  .   

                   

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

تكاثر الذئاب فى البلد العفيف


       
                   لأنه لا ينظر الى وجهك ، فهو لا يكن لك اى مشاعر ، لا يحبك ولا يكرهك ، لايحترمك ولا يزدريك ، ومع ذلك فأنت تشكل فى نظره عنصرا هاما من عناصر رفاهه ، لذا كان من الطبيعى ان يتجه بصره فى اوّل لقاء الى جيوبك ، واذا وجدها كفؤاد ام موسى ، يتجه بنظره الثاقب ليتفحص بنيتك الجسمانية ، يتفحصها لا كما كان يفعل تجار الرقيق فى قرون خلت ، فتلك الذئاب المتوحشة ، كانت تجس عضلاتك بشغف انثى شبقة ، ثم تحسب عائدها منها وهى تلهث ككلب اجرب ، اما هو حين يرمى بصره عليك ، يكون قد حسب مقدار الطاقة المخزّنة فى عضلاتك ، ولأى المشاريع تصلح ، ومقدار ما تعود به من المال ، وقدر اسهاماته فى رفاهه الخاص .

                   الفارق الرئيس بينه وبين ذئاب التأريخ البشرى ، انه لا يعتصرك حتى الفناء ، بل يحرص ان يعطيك من الاجر ما يحافظ به على مخزون الطاقة فيك لأجل مشاريعه ، اما مشاريعك لا تجرؤ ان تحلم بتحقيقها فى معيّته ، ثراؤه لأجله فقط فى دائرته الضيقة ، ولا يعنيه اذا غرق المجتمع من حوله فى الفقر والجهل والمرض والفجور .

                   انه رأس المال السافل ، ذئب عصرنا الناعم ، المتكاثر كالاميبيا فى بلادنا .  رحم الله رجال المال السودانيين ، الذين بنوا المدارس والمراكز الصحية والمستشفيات ، وقاموا بأنفسهم ، اوأرسلوا ابناءهم فى هدأة الليل البهيم ، ليقدموا المساعدات لبيوت عفيفة .

الجمعة، 5 فبراير 2016

المجد لرأس المال


                   المبادىء تقف دائما عائقا امام المصالح ، انه قول مأثور لرأس المال العارى من اى اخلاق ، والمصالح شرهة ، لا تستحى ان تدخل ثقب نملة ، لتنال حبات ذرة محمولة على اصبع ، تماما كما يفعل الجياع فى زمن المسغبة مع مملكة النمل ، والصين اقدم تجار هذا الكوكب ، لم يحدث فى البلاد التى دخلتها مستثمرة ان سبق رساميلها ، كتاب احمر او رمادي ، ولم تهمها يوما الراية التى ترعى مصالحها فى ذاك البلد او هذا ، مهما تصادمت مبادىء تلك الراية مع جوهر مبادئها  ، المهم ان تكون رعاية المصالح ، قادرة على ان تراكم فوائدها بالقدر الذى تعجز ان تتحمله خزائن ذلك البلد ، وان تكون المصالح هى العقيدة المشتركة بينهما ، انها طبيعة العلاقات التى جمعتها فى السودان بالحركة الاسلامية ، مثلما جمعتها مع كل الدول التى يحظى فيها الاستثمار الصينى بمكانة بارزة ، او بتبادل تجارى بارز .

                   وعودة السيد عوض الجاز احد رموز الحركة الاسلامية ، الى مصاف السلطة مرة ثانية عقب تكريم الصين له ، تبدو فى احد وجوهها اشارة واضحة لما تتمتع به الصين من نفوذ فى السودان ، وتعكس مدى حاجة استثماراتها الى  ذات العقل الذى فتح امامها ما اغلق على غيرها من المستثمرين ، وادار مصالحها بحنكة اوصلتها الى ما وصلت اليه  من قوة ونفوذ ، كما تعكس حاجتها  لحماية هذا العقل لحماية استثماراتها وتوسعها المرتقب ، اى ان ثمة مهددات او ضرورات اوجبت هذه الخطوة ، وهو امر جاء متسقا مع موقعه الجديد المفصل بعناية ودقة ، وليس هذا ما يهمنى هنا .

                    ما يهمنى هنا ، ان مثل هذه الرساميل الاستثمارية ، تبدو  افضل قارىء للواقع او للأرض محل الاستثمار ، فرؤيتها للواقع تأتى مجردة من اى تأثير عاطفى ، وعلى ذات الاساس تختار كوادرها لمشروعاتها التى تبنيها هنا او هناك ، فلا مجد فى نظرها يستحق ان تضحى من اجله بالدم والروح سوى مجد رأس المال ، فالدكتور عوض الجاز الرمز الاسلامى البارز ، يعد فى نظرها من افضل الكوادر القادرة على خدمة رأس المال الشيوعى الصينى .

                    هذه هى عقيدة رأس المال فى راهننا و عقيدة من يرجو مصلحة منه ، ولا مفر لمن اراد شيئا من هذه المصالح ، ان يهتف ، المجد لرأس المال ، تماما كما يهتف كثير من الاهلة ، المجد للكاردينال .
                    

                   

                   

مشاركة مميزة

  مفارقات الردع وأوهام الحماية: كيف تعيد حرب الطاقة هندسة تحالفات المنطقة؟ بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​1. المفارقة الحوثية: ع...