فتيات كرديات يحملن السلاح (الصورة من موقع درر العراق)
ثمة فتيات كرديات وقفن تحت الشمس وعلى اكتافهن السلاح ، تركن منازلهن من خلفهن لتصير مخازنا للذخيرة والعتاد ، مواجهة الموت فى الارض التى رأين فيها النور لأول مرة ، وتنفسن هواءها لأول مرة ، افضل الف مرة من الملاجىء ، الملاجىء لا تحمى عرضا ولا ارضا ، الملاجىء تجرّد المرء من صلاته اليومية مع البيوت والشوارع والحدائق التى تغذيه بالألفة ذهابا وايابا ، وتحيلها الى مجرد ذكريات مبللة بالدموع والدم ، وتحبسه فى الواقع داخل مخيّم اشبه بزرائب الرقيق فى القرون الفائتة ، ثمة قيصر يريد ان يعيد لعبة الحرب القديمة الى راهن عالمنا ، يريد ان يعيد لعبة الغزو والسبايا ، وحدهن الفتيات الكرديات علمن نوايا هذا التيس العفن فأستعددن له ، علمن ذلك بعد ان رأين ما حلّ بالسوريات ومن قبلهن العراقيات فى الملاجىء العربية والاسلامية ، او فى ملاجىء العهر القسرى ، ، كل حروب المنطقة تبدو فى احد وجوهها استهداف مريع لأفخاذ المرأة فيها ، حتى وان كان الغازى ممن يعلّق الصليب على رقبته او ممن يحمل راية (لا اله الا الله محمد رسول الله) او من اولئك الذين تقودهم فكرة مجنونة الى نهر من الدماء لم يحسبوا له حسابا فى لياليهم المزدانه بطموح مكابر .
ان تستعصم الفتيات الكرديات ببندقية لتحمى التراب الذى مشين عليه اوّل مرة ، يعنى سقوط فكرة اللجوء ، يعنى تقديسا للوطن مهما كان صغيرا ، يعنى ، الوطن يستحقه من يحميه بروحه ودمه ، ثمة وطن قادم على اكتاف الكرديات المثقلة بالسلاح ، شاء من شاء وتآمر من تآمر وابى من أبى .
كل المسلمين يرجون ان يلقوا الله كما ولدتهم امهاتهم ، يرجون ملاقاته بلا خطايا ، ولكن بعضهم يرجىء هذا الرجاء استجابة للنفس الأمارة بالسوء ، ومتى شبعوا من المعاصى ، يبدأون بنقاء طفل غرير ، فى فعل الخير من لحظة توبتهم وحتى لحظة يؤذن للناس بالحج ، لو كان لجبل عرفات ان يتكلم فى حاضرنا عن تلك الاثقال التى يرميها الصاعدون عليه من هؤلاء البعض ، لأنشقت الأرض من هولها ، ولكن الله غفور رحيم يغفر الذنوب كلها .
منذ الصغر تعلّمنا ان من يحج البيت يعود اشبه بملاك ، يعود بلا خطايا ، وكانت الطاقية والمسبحة وشربة من ماء زمزم تضعك ضمن زمرة الحجاج ، تذهب بهما للصلاة فرحا مزهوا بهذه الايقونات القادمة من ارض المغفرة والقادرة على مسح كل خطاياك الصغيرة التى لا تسوى شيئا فى موازين الذنوب ، فهمنا ان الحج مغفرة الذنوب ، وهو كذلك ولكننا فهمناه بعقل تلميذ فى الاساس ينظر الى الحج نظرته الى استيكته التى تنجده كلما اخطأ فى مسح اخطائه ، فبعض الصاعدين الى عرفة يعودون كما ولدتهم امهاتهم ولكنهم يعودون سريعا الى احضان النفس الأمارة بالسوء حتى موسم الحج القادم .
قبل سنوات قليلة فى مصر اثارت دعوى قدمها ابن ضد ابيه متهما اباه بالسفه ومطالبا بحجز امواله لعزم الوالد الحج بالدرجة الفاخرة حسب التصانيف التى حددها المتاجرون بشعائر الدين ، اثارت جدلا فقهيا واجتماعيا كبيرا ، ولا يهم هنا ما انتجه هذا الجدل بقدر ما يهم الاجابة على اسئلة مقلقة وتثير المخاوف :
كيف تمكن اعداء هذا الدين ان يجعلوا من احد اركانه محلا للأتهام بالسفه للدرجة التى يقاضى فيها ابن اباه ؟
كيف تمكنوا من افراغه من معانيه ومقاصده وحوّلوه الى مجرد برنامج سياحى ؟
هل هنالك مشروع خبيث يمضى حثيثا فى احتكار شعائر هذا الدين لتكون وقفا على الاغنياء ليعزله عن قاعدته ؟
هل سيأتى علينا يوم نجد فيه ان مناسك الحج اصبحت محتكرة لدى شركة لا يمكنك معها ان تؤدي هذه المناسك الا على طريقة قناة الجزيرة مع مباريات كأس العالم ؟
لكل المسلمين الذين يشتاقون الى بيت الله الحرام ، لا خوف عليكم ولا تحزنون ( لا يكلّف الله نفسا الا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا)
لحظة خروج اهل غزة عقب توقيع الوفد الفلسطينى لأتفاقية هدنة طويلة بتفاصيلها المعلنة فى القاهرة ، شبيهة بلحظة الانعتاق من اسر طويل ، فالشعور العارم بالفرحة غمر آلاف الاميال ليلامس ويطيّب وجدان الناس فى اقاصى الارض ، الناس الذين تضرروا من مشاهد الحرب الصادمة التى عاشتها غزة قرابة الشهرين ، وعاشتها من قبل مرات ومرات ، ما اجمل الفرح حين يخرج الى الشوارع محمولا على اكتاف خلق الله المحبة للسلام ، لقد قالت غزة والفلسطينيون : نحن شعب يحب السلام . كم ادهشتنى قدرة السلام فى تلك اللحظة على مداراة كل الآلام التى راكمتها الحروب البشعة التى شنتها اسرائيل على الفلسطينيين طوال العقود الفائتة ، انه السلام ، فما اعظمه حين يفيض على البلاد بالفرح ، وما اعظمه بدءا حين تنادى به رب العزة والجلالة اسما من اسمائه الحسنى ، وما اعظمه حينما يظل ابدا طريقا مقدسا للصالحين من الناس وامنية عزيزة للأبرياء منهم . لأبن عربى قول جميل فى وصفه ومعانيه ودلالاته ، قال ( الناس نفوس الديار ) ، فهاهم ناس ديار فلسطين يعلنون فى تلك اللحظة عن مكامن نفوسهم المحبة للسلام ، نفوس كم جرّحتها الحروب وازهقت ارواحها وخرّبت بيوتها ومع ذلك نهضت من وسط هذا الجحيم نشيدا طويلا يتغنى بالسلام ، فمتى يكف هذا العالم عن بلادته ويعى ان هذا الشعب اجدر الشعوب بدولة حرة ، يعيش داخلها حرا ؟
داعش والدولة الاسلامية اللتان تصدرتا الميديا العالمية هذه الايام ، مولود شرعى لأزمة دول التعدد الأثنى والعرقى والدينى ، لفشل هذه الدول المريع فى خلق ارضية عادلة للتعايش بين مكوناتها ، وفشلها المريع فى ايجاد صيغة آمنة تمكنها من التعاطى مع مبادىء ومواثيق وعهود واتفاقيات المجتمع الدولى او النظام العالمى القائم ، فأصبحت ازماتها باوضاعها المضطربة عقبة كؤود امام مشاريع النظام العالمى ويراها مهددا لرفاهية شعوبه ، وقد كان صمويل هنتجتون صادقا فى مؤلفه (صراع الحضارات - الطبعة الاولى 2006 - طبعة دار الامل للنشر والتوزيع ص 169 ) حين اوضح نوايا المجتمع الدولى فى كيفية معالجة هذا التحدى حيث قال :
( ان السياسات العالمية بعد ان حفزتها حركة التعصير يجرى اعادة تركيبها الآن لتكون منسجمة مع الخطوط الثقافية ، فتتقرب الشعوب والدول ذات الثقافات المتشابهة لتجتمع معا ، بينما تتباعد الشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة فتفترق .... الخ ) والآن حين يتابع المرء ما يجرى فى العراق من نزوح وتهجير لليزيديين والمسيحيين ، ويرى قيام التكتل الكردى فى الشمال والذى الغى الجغرافيا السياسية لأماكن تواجده المعروفة بكل من سوريا وتركيا لمواجهة الخطر الناشىء من عمليات الدولة الاسلامية وداعش ، لا يجانب المرء الصواب حين يرى ان كلا التنظيمين يلعبان بوعى منهما او بغير وعى ، دور الاداة الماضية فى اعادة بناء النظام العالمى ، فثمة خريطة جديدة اخذت تتشكل فى افق العراق ، والمتابع لجراحات هذا الوطن الشقيق منذ حرب الخليج الاولى ، لا يغيب عن ناظريه خطا النار اللذان فصلا الشيعة فى الجنوب والاكراد فى الشمال ، واشعلا الوسط السنى بأحلام الدولة الاسلامية بكل ما صاحبها من عنف ودماء ومحاولات مستميتة لاحياء تواريخ استترت خجلا فى كتب التراث .
ما يجرى الآن فى العراق هو نموزج لما سيؤول اليه الحال فى دول التعدد التى عجزت عن ادارة تعددها بما يلبى الحد الادنى من متطلبات المجتمع الدولى الضاغطة خلف الكواليس ، وعجزت ان تلبى الحد الادنى من متطلبات مكوناتها ، وعجزت ان تتيح لهذه المكونات فرصة ان تدير شئونها منفصلة عن سطوة الدولة المركزية ، ما يجرى فى العراق الآن رسالة واضحة لدول التعدد بأنها تقف الآن على مهب الريح ( فالتكتلات التى حددتها العلاقات بالايديولوجيا وبالقوة العظمى تنهار وتخلى السبيل لقيام تكتلات تحددها الثقافة والحضارة . ويجرى اعادة رسم الحدود السياسية على نحو يزداد يوما بعد يوم لتتلاءم مع الحدود الثقافية (العرقية والدينية والحضاراتية) وتحل محل كتل الحرب الباردة وتصير خطوط الصدع بين الحضارات اكثر فأكثر هى الخطوط المحورية للصراع فى السياسات العالمية . صمويل هنتجتون المرجع السابق ) .
قيادة كتائب الفسّام اشترطت على اسرائيل مدها بقوائم عملائها فى غزة والضفة مقابل كشف مصير الاسرى الاسرائليين طرف المقاومة ، هذا الخبر حين بثته قناة الجزيرة ، اصابنى بالذهول وبالحيرة فى طريقة تفكير العقل الذى يدير المقاومة بغزة ، وأكّد بما لا يدع مجالا للشك ، ان المقاومة فى حاجة ماسة وعاجلة للمساعدة من عقول مستنيرة خبيرة بالتفاوض مع الدهاء الأسرائيلى ، لتنقذ ما يمكن انقاذه من التضحيات الغالية التى قدمها ابناء غزة طيلة هذه الحروب البشعة التى شنتها اسرائيل ، مساعدة عاجلة قبل ان ترتد مفاوضات القاهرة خنجراعلى صدر المقاومة اولا واهل غزة ثانية والقضية الفلسطينية اخيرا .
كيف بالله ارتقت مصداقية اسرائيل لدى المقاومة للدرجة التى تطالبها مطمئنة ان تمدها بقوائم للعملاء فى الضفة والقطاع ؟!
لا اشك لحظة ان مخابرات اسرائيل تشحذ فى هذه الاثناء كل خناجرها المسمومة لتحملها على ظهر هذا الطلب لطعن ظهر المقاومة ، وستمدكم بأسماء بعيدة عن الظن لأنها بعيدة عن الخيانة والغدر ، ستثير دهشتكم وتفتح شهيّة صرعى الحقد والكراهية لقتلهم ، ليفتحوا بذلك الباب على مصراعيه لأوكار الافاعى لتدخل الضفة والقطاع مختالة تبث سمومها فى كل اتجاه .
اتفهم مقدار الألم والحرقة التى عانتها المقاومة من هؤلا العملاء الخونة ، واتفهم بشاعة الجرم الذى ارتكبوه بمدهم اسرائيل معلومات راح ضحيتها نفر كريم وصادق من المقاومين ، وفقدت جراءها المقاومة بنيات واسلحة وعتاد تحصّلت عليه بشق الانفس ، ولكن ان تقودكم فكرة الانتقام لدخول وكر الافاعى طوعا واختيارا ، امر يستوجب التحفّظ على موقفكم التفاوضى .
دعوا مسألة مفاوضات القاهرة لعناصر السلطة ، فقد اثبتت طوال السنوات التى اعقبت اوسلوا قدراتها على حشر اسرائيل فى زوايا ضيّقة ، فضحت نواياها تجاه عملية السلام ومراوغاتها المكشوفة للتنصل من المواثيق والعهود .
اما اولئك العملاء الخونة فالزمن كفيل بكشفهم ، فتجارة المعلومات اصبحت فى ايامنا هذه اكثر تجارة رابحة ورائجة ، ويمكن الحصول عليها من خزنتها الاصليين امثال سنودن وغيرهم كثر .
غزة مدينة مأهولة ببشر وليس بشياطين حتى تغلق عليها كل النوافذ ، مدينة مثلها مثل كل المدن تستحق ان تعيش كما تعيش رصيفاتها ، بميناء جوى وبرى وبحرى ، وتستحق ان تنشىء حدائقها ومنتزهاتها ومسارحها بدلا من الخنادق والانفاق ، ويستحق اطفالها حين ينظرون الى السماء ، ان يتغزلوا فى قمرها ونجومها بدلا من الترقب الوجل لصاروخ او قذيفة تطبق على منزلهم فجأة ، غزة مدينة تستحق الحياة .
مطالب المقاومة تلخّصت فى مطلبين ، وقف العدوان ورفع الحصار ، فهل يعقل ان يرفض اكثر الناس جنونا هذين المطلبين لوقف البشاعة التى تجرى بغزة الآن ؟
المصالحة الفلسطينية التى تمّت ووحدت الضفة والقطاع ، ازالت تعقيدات الوضع السياسى الذى اعقب انفراد حركة حماس بالسلطة فى غزة ، وتستطيع السلطة الفلسطينية بحكومة وحدة وطنية ادارة شئون القطاع بما يحفظ لجميع سكانه كافة حقوقهم وبما يطمئن المجتمع الدولى والاقليمى على سلامة الحركة على المعابر والموانىء ، بشرية كانت او خلافها .
كل الذى ينتظره الفلسطينيون الآن ، هو الضمانة الكافية لأشاعة حياة حرة كريمة فى الضفة والقطاع ، والضمانة الكافية ضد اى عدوان الى حين اقامة الدولة الفلسطينية ، فما الذى ينتظره العالم ليوقف هذه البشاعة التى تجرى بغزة الآن ؟
القرار الجمهورى القاضى بترقية السيّد اللواء شرطة معاش احمد المرتضى البكرى ابو حراز لرتبة الفريق شرطة ، والتكريم الذى صاحبه بالحضور الرفيع لرموز السلطة ، اتخذ شكلا احتفاليا لرد الاعتبار لأحد رموز الشرطة من الذين طالتهم ظلما سياسة الفصل ، السياسة التى لا يزال يتجرّع مرارتها الكثيرون ، وبدا ايضا موقفا جديدا وقويا من خطل تلك السياسة التى اساءت بشدة لتأريخ الخدمة العامة فى السودان واضرّت بمؤسسات الدولة وشرائح عديدة بالمجتمع السودانى .
تأريخ السيّد الفريق شرطة احمد المرتضى البكرى ابو حراز بقوة الشرطة يفيض على هذه الرتبة التى تحلّت به ، وان يجد هذا التأريخ التقدير والاعتبار من اعلى سلطة فى البلاد ويأتى محمولا بقرار جمهورى ، امر يبعث على الشكر والامتنان ، ويثبّت يقين المظاليم بأن الحق دائما يعلو ولا يعلى عليه ، وأنه عائد لأصحابه مهما طال الزمن .
التهنئة الحارة لسعادة الفريق شرطة احمد المرتضى البكرى ابو حراز ، والتهنئة موصولة لضباط الشرطة المفصولين ، فثمة ضوء فى نفق الظلم الطويل قد بدأ يشع بالعدل والانصاف ، والأمل قائم ان تتسع دائرته لتشمل كل صاحب حق .
والتهنئة موصولة لجهاز الشرطة الذى استرد اعتبارا مستحقا اضاف كثيرا لثبات هذه المهنة .