الجمعة، 29 يوليو 2016

بعيون افريقية


                         تم اليوم بجامعة اديس ابابا وبصالة الزعيم الراحل نلسون مانديلا ، تكريم الرئيس عمر البشير فى منتدى العزة و الكرامة والذى تقف خلفه مؤسسات وشخصيات اكاديمية و برعاية من الاتحاد الافريقى ، كأول رئيس افريقى ينال شرف التكريم بهذا المنتدى بطلا للكرامة الافريقية وفقا للمصوغات التى وردت بالاحتفال واهمها وقوفه بصلابة فى مواجهة محكمة الجنايات الدولية .

                         وقد بدا واضحا ان العقل الثقافى والفكرى والاكاديمى الذى وقف خلف هذا التكريم ، قد رأى فى محكمة الجنايات الدولية ، ذات الرؤية التى رسخت فى يقين القيادة السودانية ، بأن هذه المحكمة مجرد اداة استعمارية حديثة ، رغم تغطيها بجملة من المبادىء التى عادة ما تدغدغ مشاعر الشعوب التى تعانى من وطأة الاستبداد ، خاصة حينما يتعلق الامر بقضايا الحريات والحقوق ، بينما فى الحقيقة  تكمن تحت هذا الغطاء الجذاب افعى مبتزة الى حد اللدغ القاتل ، ويكفى ما كشفته وسائل الاعلام فى الايام الفائتة عن المرونة الاخلاقية العالية التى اتسمت بها عضويتها المنتقاة بعناية ودقة ، تعكس بجلاء خوف من وقف خلف تأسيسها على رفاهيته اكثر من خوفه على حقوق الشعوب التى ترزح تحت البطش والاستبداد .

                         وقد دفع موقف الرئيس البشير الثابت فى وجه هذه المحكمة ، معظم القادة الافارقة الذين انساقوا خلفها منذ اعلان روما ، الى وقفة مع الذات استعادوا من خلالها كرامتهم المنساقة خلف المؤسسات والمبادىء الغريبة على ثقافة وفكر وحكمة افريقيا ، استعادوا من خلالها العزة والكرامة الافريقية ، وبدأت انسحاباتهم وتحديهم لها ، استعادة لعزة وكرامة الاتحاد الافريقى ، لرأيه ومواقفه وصوته بين المؤسسات الدولية والاقليمية ، او بالاحرى لحقه الضائع بين هذه المؤسسات .

                          وما يهمنى هنا ، ان عيون افريقيا رأت فى الرئيس البشير ما غاب عن رؤيتنا بفعل الصراعات ومحركاتها الداخلية والخارجية ، وان هذا التكريم الصادر من عقل افريقيا الواعى والمدرك والباحث عن حقيقتها الزاهية بتجرد ، يبدو رسالة واضحة لبعض فرقاء الداخل الذين يجيرون  صراعاتهم حول السلطة بدعاوى عرقية وجهوية ، ان يقفوا مع الذات وقفة صدق قصيرة ، ليروا فيها كيف ان افريقيا المعتزة بسوادها ، قد وقفت  مع احد ابنائها بشمم واباء من اجل قضايا القارة الكبرى ، رغما عن كل ما اثير حوله من دعاوى .

الأربعاء، 20 يوليو 2016

التنقلات فى الخدمة العامة


                      فى الآونة الأخيرة اكتسبت التنقلات فى الخدمة العامة - مستثنى منها الجيش- حساسية مفرطة ، داخل المؤسسات وخارجها ، وذلك للتاثير الكبير الذى يترتب عليها ، فعلى صعيد الأداء العام للمؤسسة الملاحظ ان اضطرابا يطرأ عليه طيلة الفترة التى يجرى فيها تنفيذ النقل ، وعادة ما يحتاج الى وقت حتى تستقر الكوادر المنقولة وتستلم مهامها الجديدة وتتأقلم على طبيعة الوظيفة ، اما على صعيد الكوادر المنقولة ، فأن التأثير يبدو اكبر خاصة اذا كان النقل الى خارج ولاية سكنه ، حيث يمتد التأثير الى اسرته التى ستضطر لمواجهة مشكلات تحويل ابنائها لمدارس جديدة ، يحتاج معها الابناء لخلق علاقات جديدة مع مجتمع مختلف ، واساليب ووسائل تعليم مختلفة ، وتعانى الاسرة بمجملها من مواجهة نمط حياة جديدة الى آخر ما تواجهه من مشكلات .

                       اما اكبر تاثير فذلك الذى يلحق باصحاب المصالح خاصة فى تنقلات الوظائف المرتبطة معاملاتها بالنشاط التجارى والصناعى والمالى والخدمى ، فمع اكيد حسن الظن الا ان شاغلى هذه الوظائف شئنا او ابينا ، يشكلون صمام امان وحماية وضمان لأستمرارية المصالح التى تنتجها او تديرها وظائفهم ، كالمصرفيين والجمركيين والضرائبيين وباقى السلسلة المرتبطة بخدمات الجمهور ، فالنقل هنا من الممكن جدا ان يقضى على مصالح نهائيا ، او يرتقى بمصالح ، او يخلق مصالحا جديدة .

                       ونظرا لهذه التاثيرات المهمة التى تنتجها التنقلات ، فأن الضرورة تقتضى دائما فى معظم بلدان العالم ، وضع معايير صارمة للنقل من حيث تحقيق المصلحة العامة و تشمل الكادر المنقول ، ومن حيث تحديد فترة الخدمة التى يقضيها المنقول فى موقعه الجديد ، ومن حيث توقيت زمان النقل المفترض ارتباطه بالعام الدراسى ، والتنسيق مع المؤسسات ذات الصلة كوزارات التعليم والنقل والمواصلات ...الخ ، فالتنقلات فى ظل هذه المعايير،  تبدو موسم تغيير عريض معلوم ، تنتفى معه المعاناة التى تصاحب المنقولين .

                       اما التنقلات التى تتم تحقيقيا لأجندة خاصة وبعيدا عن المعايير المعلومة ، فأنها فى واقع الامر تتخذ شكلا مفزعا للعقوبة ، وشكلا مفزعا لهجمة مخططة ضد مصالح بعينها او دعما ملتويا لمصالح بعينها ، لذا فأن احد عوامل استقرار الخدمة العامة ، تقتضى ان تخضع التنقلات لمعايير صارمة سمتها الاساسية المصلحة العامة .   

الأربعاء، 6 يوليو 2016

افضل المصالح


                        تحمّل رئيس الوزراء الاسبق البريطانى تونى بلير كامل المسئولية عن مشاركة بريطانيا فى غزو العراق ، ومضى الى القول بأنه اختار افضل مصلحة لبريطانيا بمشاركته فى ذلك الغزو ، ونفى ان يكون الارهاب المتصاعد فى المنطقة من نتاج ذلك الغزو ، الى آخر ما ساقه من آراء فى التحقيق الخاص بغزو العراق .

                        كل التفاصيل المتعلقة بغزو العراق ، بما فى ذلك جلسات الامم المتحدة ومجلس امنها ، والخرائط التى قدمها وزير الدفاع الامريكى آنذاك كولن باول عن اسلحة الدمار الشامل ، الى آخر الحراكات التى صاحبت تلك الفترة والتى حاولت تغطية الهدف الحقيقى من الحرب على العراق بشرعية قانونية واخلاقية ، اختصرها تونى بلير فى عبارة موجزة (افضل المصالح) .

                        فافضل المصالح لأمريكا آنذاك وحليفها الاستراتيجى بريطانيا ، كانت غزو العراق وتدميره ليخرج علينا بحالته الراهنة التى يمسك الظلام بحاضره وبمستقبل ايامه ، انها الحالة التى تشكل افضل المصالح فى نظر العقل الغربى الذى شارك فى ذلك الغزو وحلفائه .

                        ان الحالة التى يعيشها العراق الآن ، والحالة التى تعيشها سوريا الآن ، والحالة التى تعيشها ليبيا الآن والحالة التى يعيشها اليمن الآن ، والحالة التى ستعيشها بقية الدول المرشحة لذات السناريو ، تشكّل افضل المصالح للغرب الذى لن يتنازل مثقال ذرة عن رفاهيته التى انتجها فى معظمها من موارد هذه المنطقة المنكوبة خلال فترة الاستعمار القديم بأدواته العنيفة ، والاستعمار الحديث يأدواته الناعمة الممثلة فى مؤسسات التمويل العالمى .

                       من ينتظر الغرب ان يحقق له سلاما واستقرارا فى البلاد الواقعة فى خط الحرب ، والمرشحة للوقوع فيه ، سينتظر طويلا ولن يظفر سوى بقيامته .

الأحد، 12 يونيو 2016

اجمل من الاغنيات


                      هذه التلة المعجونة من ليلات لامعة السواد ، تحكى عن استدارة الزمن ، عن يد ماهرة انسلّت من ايام فيدياس ، صقلتها كموجة عالية ، وبعناية وضعتها على جنب ،  وارسلت ليلات اخر لامعات السواد على الجنب الآخر من القمر ،  كحّل عينيك بأسم الله ، واطلق بصرك يطوف مزهوا ومذهولا حول منصات هذا الجمال الخرافى ، ستنطلق بك كل منصة فى رحلة محاطة بالقداسة الى الجمال الخالد ، وستعود بك محاطا بالايمان ، وجميلا كأغنية الحبيبات .

                      قال تأريخ العاشقين ، ان لم تمتلك يقين الصالحين فأتبع ضعف ايمانك وغض بصرك ، هذه السكة ليست لك ، خاتمتها ستوسّدك قعر كأس مر وستحترق فيه ، خاتمتها وسادة من نار .

                       قال العاشقون ، ليس فى الجمال غواية ، نظرة واحدة تكفى كى تغسل كل خطاياك وتفتح عينيك على  اقصر الطرق الى الله .
                       
                                   قال المندهشون  الخائفون انا لله وانا اليه راجعون . 
                       

                     

                      

الخميس، 26 مايو 2016

الكلام المر


                   الدكتور نافع على نافع ، اتسم خطابه بأستفزاز صارخ ، و تكتسى عباراته فى اغلب الاحيان مرارة ملحوظة ، تستحيل سريعا فى سياقاته الى كلام مر مرسل ، ولأنه مرسل دون تخصيص ، يستعجل بعض الناشطين فى المعارضة بمختلف الوان طيفها بالتصدى له ، بأعتبارهم المعنيين بخطابه .

                  لست هنا بصدد الدفاع عن الدكتور نافع فلسان الرجل ليس فى حاجة الى ذلك ، ولكنى اسعى لتوضيح حقيقة فائتة على الناشطين الذين يتصدون له كثيرا ، وعلى اولئك الذين تصدوا فى وقت سابق لحديث السيد رئيس الجمهورية الخاص (بالبيتزا) و (الهوت دوغ) .

                 والحقيقة ببساطة ان هذا الخطاب المستفز ، سواء الذى صدر من السيد رئيس الجمهورية او الدكتور نافع ، موجه بكلياته لجمهور الانقاذ ، ذلك  المنسى فى قاع المدن والارياف ، والذى انتشلته من حالة الفقر المتوارث جيلا بعد جيل ، و نظاما بعد نظام وحكومة بعد حكومة ، واخرجته فى ولادة جديدة عرف معها لأول مرة ، الكهرباء والغاز والبيتزا والهوت دوغ .

                  والحقيقة فى وجهها البسيط ، ان هذا الخطاب بكل سماته ، يبدو تعبيرا غاضبا لنكران هذا الجمهور لجميل الانقاذ ، التى نقلته من قاع المدن والارياف الى واجهة مدن جديدة تطاول فيها البنيان واطلّت فيها الاموال بأعناقها .

                   هذا الخطاب المستفز كله صدق ، فالسياسة فى معظمها من واذى لن يسلم منه المرء الا بالولاء المطلق .

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

المستعبدات

         
                  ان كان الكلام مليئا بالغرابة ، فدعه يمتلىء بالغرابة حد الجنون ، واسترسل فى الحكى ، فالقضية تستحق اكثر من ذلك ، لا تخشى ان يخونك التعبير ، او تخونك الصياغة ، اويستخف بك ناقد حاقد مدجج بمعايير مستعارة من ثقافة غريبة تسعى جاهدة على مر القرون ، لتشكيل اساليب حياتنا بما يخدم مصالحها ، ابدأ الحكاية من حيث شئت ولا تأبه للحبكة ولا تفسح لها مجالا يؤدى الى هروب الفكرة ، لا تكترث لتداخل الاصوات ، فالمهم فى هذه الحكاية ان يصل الصوت بكل محموله ، ولا تهتم كثيرا لغرابة الوقائع ونقص اسانيدها ، فمعطيات واقعنا ستضفى عليها منطقا  يجعل حقيقتها ساطعة فى اكثر العقول ظلاما ، اعتمد على ما شئت من اقوال ، فالباحثون  المتمردون  المهووسون بالمسكوت عنه فى التأريخ كثر ، ولديهم ما يكفى من الزخيرة لصد اى فعل مضاد ، ومتأهبون دوما للتصدى ، اذهب مع الحقيقة الى المدى الذى يحررك من غبنك ، واذهب مع الخيال حتى يتسع الافق امامك فضاءا ساطعا لا يخفى صغيرة او كبيرة ، فليس فى هذا الوجود اعزّ من المرأة ، المرأة الأم والمرأة البنت ، المرأة هى العز ، فلتسقط كل دعاوى الجندر الساعية للتمييز ، ولتسقط دعاوى التمكين الملأى بشبهات الاستغلال ، ولتسقط دعاوى رعاية المرأة الريفية التى ظلت تنتج عبر القرون على صعيدها الاسرى وفى الحياة العامة  تحت رعاية مجتمعها البسيط ، علماء ومبدعين ومحاصيلا رفدت خزينة الدول بعملات صعبة .

                 قال الشاعر احمد شوقى  ( الام مدرسة اذا اعددتها اعددت شعبا طيب الاعراق) ترى هل كان يتباهى فى تلك اللحظة التى صاغ فيها بيته هذا ، هل كان يتباهى بأمه واعدادها الطيب الذى انتج شاعرا طيب الاعراق زائع الصيت ؟ ام ترى انه كان زائغ العقل لحظتها ؟ فالأم مدرسة منذ ان عرف البشر الأسرة كأولى مؤسسات المجتمع ، وظل  حالها هكذا مدرسة رائعة منذ بدايات الزمان و الى اللحظة التى انجبته فيها ورعته حتى غدا شاعرا زائع الصيت ، يصيغ شعرا مريبا يدعو لأعادة صياغة وظيفة الأم لتنتج شعبا طيّب الاعراق ونسى نفسه ، اىّ فكرة مجنونة تلك التى بثها على الملأ وامسك بها المجرمون عقيدة ثابتة وفعلوا بأسمها بالمرأة الأفاعيل ؟

                   المرأة عنوان المدن ، اذا رأيتها فى الشوارع تمشى واثقة ، تمشى ملكا كما غنت ام كلثوم ، فأعلم انها تمشى بين شعب طيّب الاعراق ، فأعلم انها تمشى فى شوارع امدرمان القديمة ، تمشى امنا وامانا ، تمشى عزة وكرامة ، اما امدرمان اليوم فحالها اسوأ من حالها عقب ذاك النهار الذى انتهت فيه اكبر مجزرة شهدتها البشرية فى خواتيم القرن التاسع عشر .

                  الباحث المندس فى حكايات المدينة قال ( انزعج مجلس اللوردات البريطانى من الاخبار التى تحدثت عن استباحة امدرمان عقب الهزيمة فى كررى ، فأرسل استيضاحا شديد اللهجة لكتشنر ، كان بمثابة صفعة قوية لقائد عسكرى ، افسدت عليه استباحة المدينة ، متعة الاحتفال بأنتصاره ) ضحك سرى ضحكة ذات مغزى ، وانتهز الباحث  هذه الضحكة لينحرف بحديثه الى ما دار بمسجد الخليفة عقب الهزيمة ، قال ( ان ابن خلدون  ذكر انه بعد سقوط الدولة الفاطمية بمصر ، اتجه بعضها ناحية المغرب العربى ، واتجه بعضها جنوبا الى السودان حيث عاثوا فسادا ) وذكر تفاصيلا لا يليق ذكرها ، اما تفاصيل ما حدث بمسجد الخليفة ، سأكتفى بتلخيصها فى عبارات موجزة تقول ، ان ابن خلدون لو رأى ما تم فى مسجد الخليفة ، لأعاد النظر فى معانى كلمة فساد ، فلقد تدفقت علي المسجد خلائق علّموا الفساد ما معنى الفجور وما الرزيلة ، واستفرغوا كل قذارات البشر من امامهم وخلفهم ، واعتقد والله اعلم انهم اوّل من ابتدع الاغنيات البذيئة المبتذلة ، بأختصار تعجز اقذر مواخير العالم ان تقترب من تلك القذارة التى غطت فناء المسجد.

                 وما يهمنى هنا ، ان تلك االمشاهد التى سوّدت ساحة اكبر الرموز الدينية آنذاك ، بدت لى ملهمة للبعض لأتخاذها  ثقافة يومية فى حياتنا ، ويحلم بتسويقها على اوسع نطاق مستقبلا ، ثقافة ارادوها ان تسود مجتمعا عرف منذ الممالك النوبية بأعتزازه بخلقه النبيل ، الا ان لطف الله على السودان والسودانيين كان عظيما ، فقد اصيب هذا المسعى بخيبة فى مبتدأه ، اذ احترم الانجليز وقتها اخلاق هذا البلد ، وحاصروا تلك الرغبات المنفلتة من منفلتى الشعور ، ورموا بها فى مواخير معترف بها ، قام معظمها حول سوق امدرمان ، من الجهة الجنوبية المتاخمة لحى اليهود والجهة الشرقية ، وبعض (الانادى) المتفرقة شماله جهة حى العرب ، واخرى جهة القماير فى اطراف امدرمان القديمة ، وبعض الجيوب ذات التأريخ الاسود  داخلها .

                 ولم تمض سنوات قليلة حتى استقرت الاوضاع فى البلاد على النحو الذى خطط له الانجليز ، وبدا سوق امدرمان يتخذ شخصية مميزة لازالت بعض ملامحها باقية الى يومنا هذا ، الا ان تركيبة تجاره قد تغيّرت ، فقد كان اليهود والهنود والشوام واليمنيين وجنسيات اخرى و قليل من السودانيين هم اسياد السوق ، و بعد الاستقلال ، كانت المدينة فى حالة سيولة ، فثمة انكشارية مقطوعة الرأس  كان قد خلّفها الاتراك ، واخرى واخرى ، وجدت نفسها و العزلة تمضى بها الى قطيعة كاملة مع مجتمع البلاد ، لأن السياسة التى اتبعها الانجليز والتى لخصها احد قادة الادارة البريطانية فى السودان ، كانت تقضى  بأن يكون اصحاب المصلحة الحقيقية فى هذا البلد هم الانجليز والسودانيون .

                 تتعبنى تفاصيل المراحل التى تمر بها المجتمعات ، وما يهمنى هنا ان تأريخ المدينة احتشد بعدد من الابطال بعضهم ، هو ذلك البطل الذى قال عنه الفيتورى ( كلما زيّفوا بطلا قلت قلبى على وطنى ) قال الباحث المندس فى حكايات المدينة  ( حملة الامير عبد الرحمن النجومى على مصر والتى انهزمت فى توشكى ، احدثت اثرا كبيرا فى بنية المجتمع السودانى ، اذ خسر الكثير من الابطال ، فقد حكى لى جارى القادم من نواحى النيل الابيض ، انه كان طفلا رضيعا من ضمن الاسر المصاحبة للحملة ، وانه ووالدته كانا ضمن الاسرى القابعين فى سجون مصر ، وان الاسرى جميعهم كانوا سيباعون عبيدا لولا تدخل مولانا السيد على الميرغنى ، وهكذا خرجت هذه الجماعة من السودانيين مع الحملة انصارا وعادت ختمية ).

               المدهش فى الامر ان الجاليات التى قدمت للبلاد مع موجة غزوة محمد على باشا وغادر منهم من غادر ايام المهدية ، عادت ثانية مع كتشنر وصارت جزءا من منظومة الغزاة الحاكمة ، ورغم ذلك ، استطاعت هذه المدينة الصغيرة ان تستوعبها داخلها فى فترة قصيرة وفى سلاسة لم تدع لمفردات الكراهية التى يولدها الاحتلال عادة اى مجال لتشكل مانعا امام اندماجها فى المجتمع ، وتبدو هذه السماحة التى وسمت امدرمان هى التى جعلت منها مركز الجذب الكبير ليس لأهل السودان على مختلف اعراقهم فحسب ، وانما امتد الى خارجها الافريقى ايضا .

                  قال سرى ( ليس فى الأمر سلاسة ولا سماحة ولا يحزنون ، صبى اليهودى العائد من الاسر ، هو من زج ببقايا الجاليات مقطوعة الرأس داخل عائلات امدرمان الكبيرة ، بأغراء كبارها الطاعنين فى السن من اصحاب المال والجاه والكلمة النافذة ، بمزايا الفتيات البيض على الاسّرة وفى المطابخ ، ولم تمض فترة الا وبيوت امدرمان الكبيرة قد وجدت نفسها مصاهرة لعدد كبير من بقايا التركية ومن بنات اليهود ، واكتشفوا لاحقا ان صبى اليهودى كان ايضا قد صاهر اليهود ابتداءا ، ويعتبر اول السودانيين الذين اكتشفوا قدرة المرأة الفائقة فى الاختراق ، فصارت المرأة مشروعه الوحيد ، مركز الجذب الوحيد كان سريرا وحلة ملاح )

                   كلام سرى يشى بغضب كذلك الذى يصاحب حضور ورثة مجهولين لحظة توزيع الارث ، وقد يوافقه البعض بأعتباره اختراق للهوية والمال ايضا ، وقد يراه بعض آخر مأثرة تحسب للرجل تدعم قضايا التعايش .

              اما الباحث المندس فى حكايات المدينة قال (  ان بنات اليهود اضافة لما يتمتعن به من جمال اخاذ ، يتمتعن ايضا بذكاء حاد وقدرة فائقة على الاختراق ، واذا كانت ليفى سيبنى وزيرة الخارجية الاسرائيلية  السابقة ، تتباهى بأختراقها لبعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية على طريق ما بين الساقين ، فأن لدينا من هى اشد دهاءا ومكرا منها ، لاتكتفى بالاختراق وانما تتربع على العرش ايضا ) .

                  الباحث  يرى ان اكبر الجاليات اليهودية فى العالم موجودة بالسودان ، بعضها ذاب تماما فى المجتمع السودانى وصاروا سودانيين يصعب فرزهم ، تتجسّد فى كثير منهم كل فضائل المجتمع السودانى من حيث التدين  وحسن الخلق ، وهذا القول صحيح ،  ولكن ليس بمنظور الباحث المنحصر ما بين 1821 وتأريخ اليوم ،  فثمة دم يهودى موغل فى القدم ، يجرى فى عروق كثير من العائلات السودانية ، ووجود اليهود فى هذا الوطن ابتدأ مع سيدنا موسى عليه السلام ، وربما مع سيدنا ابراهيم عليه السلام ، قال سرى ( ان هذا التأريخ سيدخلكم فى متاهة لا مخرج منها ، اذهبوا الى حوش الحريم ) .

                  ايقظ سرى السؤال المؤرق الذى طالما لازمنى كظلى ، كيف تأتى لمجتمع محافظ ان يطمئن على بناته فى مؤسسة مقفولة على المرأة ، تديرها عائلة وكادر من الرجال والنساء بعضهم خاضع لها تماما ؟ كيف اطمأن مجتمع امدرمان المحافظ على بناته فى هذه المؤسسة ، دون رقابة من ذوى هؤلاء الفتيات ؟ الم يكن من الأسلم  لمثل هذا المجتمع الذى ظل يخشى على المرأة للدرجة التى اخضعها لأسر منزلى طويل ، الم يكن من الاسلم لهذا المجتمع الذى اقتنع اخيرا بجدوى تعليم المرأة ، ان تتلقى تعليمها فى مؤسسات تعليمية مختلطة ؟ فهو على الاقل يضمن ان بناته تحت حماية اخوانهن ، بدلا من ان يزج بهن فى مؤسسات تعليمية  اشبه بحوش الحريم كما قال سرى ، حوش لا احد يدرى طبيعة الاجندة التى تصيغ عقولهن فيه .

                    قال الباحث  المندس فى حكايات المدينة ( لا احد خارج هذا الحوش يدرى طبيعة الاجندة التى تنحت فى عقول اولئك الفتيات ، ولكن بعض الشيوخ الذين عاينوا عددا من بنات هذه الجامعة برغبة ذويهن ، يعلمون طبيعة هذه الاجندة ) قال سرى ( بنات هذه الجامعة يفضلن الذهاب الى الشيوخ لمعالجة انهيارهن النفسى جراء الضغوط التى عانوا منها فى حرم الجامعة ، بدلا من مقابلة اطباء متخصصين ، لأنهن يعلمن ان خفافيش مدرسة علم النفس الكائنة هنالك والتى اتخذت من بنات الناس البريئات فئران تجارب لأخضاعهن لأجندة غامضة لا علاقة لها بالتحصيل الاكاديمى ، كانت قد خرّجت قطعانا من المستعبدات مندسات فى هذا المجال ، حتى صار معظمه من محتكرات هذه الجامعة وان مثل هذه المعاينات اذا عرف خباياها اولئك الخفافيش  قد تقضى على آخر نفس مقاومة لديهن )  

                  هذا الكلام يبدو غريبا ومجافيا للحقيقة ، ولكنى رأيت بأم عينى ملامح كثير من الطالبات اللائى فى طريقهن الى محاضراتهن بهذه الجامعة ، ولم اجد مثيلا لهذه الملامح الا فى وجوه الفتيات الفلسطينيات اللائى خرجن للتو من اسر السجون الاسرائيلية ، يا للهول   أمستعمرة اسرائيلية فى قلب امدرمان ؟ .

                  قال سرى ( اعتقد بعض بسطاء الناس ، ان للأمين العام للأمم المتحدة مكتب داخل حوش الجامعة ، بعد ان شاهدوا عدد العربات المتراصة بعلامات الUN المميزة ) قال الباحث  ( الأمم المتحدة تشكل منظماتها مظلة مخابراتية آمنة للدول الكبرى ولغيرها ) واحدى الناجيات  تقول ( علّمونا كيفية كتابة الشفرة ) واخرى قالت (الحبكة كلها تكمن فى قصة ال (family attachment) و ال ( field trip ) وتفاصيل المهام التى تدور فيهما شبيهة بالافلام السينمائية الامريكية ، لعنة الله على ال (community medicine ) كل الطبيخ القذر يتم طهيه على نيران هادئة وساخنة فى هذا القسم ، واكثرها سخانة نتائج الامتحانات ) انتهى كلام الناجية ولم تنته علامات الاستفهام .

                    التعليم الخاص مشكلة كبيرة ، فأولياء الامور ينتظرون من ابنائهم النجاح مقابل ما يدفعونه من مبالغ طائلة ، والمجرمون الكامنون فى هذه المؤسسات يدركون جيدا ، ان فى هذه المعادلة تكمن نقطة الابتزاز المثلى ، لذلك تصبح نتيجة الامتحانات ورقة الابتزاز الكبرى ، يا حسرة على بنات الاسر المحافظة ، تدفعهم جدوى التعليم للخروج من اسر منزلى ، الى الوقوع فى شراك استعباد سيستمر ما حيين الا من رحم ربى ، قالت ناجية اخرى ( آلاف من خريجات هذه الجامعة مرتبطات بحبل سرى مع الخفافيش الكامنة بها ، بدايته من لحظة خضوعهن لأجندة غامضة قد يكون وراءها حذب ما او تنظيم ما او جهة اجرامية ، ونهايته فى القبر ، يستدعين فى اى وقت للقيام بأى مهمة داخل وخارج البلاد ، والطاعة العمياء دائما ما تكون عنوان الاستجابة  لهذا الاستدعاء ، طاعة عمياء حتى فى الحالات التى ارتبطت مهامهن فيها بمخاطر يتحسب لها العسكريون المحترفون الف مرة ) .

                     الجامعات المخصصة للبنات وحدهن ، حوش حريم ، لن تخرّج لنا سوى جيل من المستعبدات .
                  

الثلاثاء، 15 مارس 2016

حذب الله الأرهابى


                    يشفق المرء على مستقبل لبنان فى ظل تطور موقف المملكة العربية السعودية منه ، فبعد وقف مساعداتها التى كانت تشكل احدى الدعامات الامنية فى لبنان ، والتى جاءت على خلفية مواقف حذب الله من المملكة ، جاءت حملة الدبلوماسية السعودية التى نجحت فى ان تصدر قرارا من الجامعة العربية ، أعتبر حذب الله منظمة ارهابية ، وييدو ان المملكة فى ظل تطورات مواقفها تجاه لبنان ، تمضى  الى قطيعة تامة .

                   السعودية بلا شك لاعب اساسى فى المنطقة ، واتسمت سياساتها تجاه الصراعات التى تدور فيها ، بالهدوء والنعومة طوال العقود الفائتة ، ويشهد تأريخها ذاك على نجاحها فى تحقيق انجازات بارزة فى العديد من القضايا التى أرّقت المنطقة طويلا ، كما شهدنا ذلك فى حرب 1973 ، والحرب الاهلية فى لبنان ، وغيرها من القضايا التى حسمتها خلف الكواليس ، وهى تدرى بحكم موقعها الاقليمى كقوة اقتصادية ، وكأرض الحرمين الشريفين ، وراعية لشعيرة الحج التى تشكّل الركن الخامس فى الاسلام ، بحكم هذا الموقع الذى صعد بها الى مجموعة العشرين بكل ما تمثّله من ثقل ، لا شك انها تدرى حجم المخاطر التى تواجهها على صعيدها الخاص وعلى صعيد المنطقة ، وبالتالى فأن مواقفها ينبغى ان تتخذ بذات الدقة والاعتدال الذى اتسمت به .

                   الرئيس الامريكى اوباما ، دعا قبل ايام ، ان تعمل السعودية على تقاسم المنطقة مع ايران ، والنظر الى مواقف المملكة تجاه لبنان فى ظل هذه الدعوة ، يعنى ان لبنان الذى كان يشكل احد مراتعها ، فى طريقه الى الخروج نحو موقعه القديم ، النقطة الساخنة فى صراع فارس مع الروم .

                   حذب الله  يصنف فى النظر العام كتنظيم مسلّح ، صنعته الانتهاكات الاسرائيلية المتكررة على لبنان ، والتى اكتوى بنيرانها موطنه فى الجنوب المتاخم للحدود الاسرائيلية ، ولكنه كحذب سياسى مع السلاح الذى يحمله فى يده ، يبدو نشاذا فى ساحة الديمقراطية اللبنانية ، خاصة عندما وجه سلاحه الى الداخل فى عدة مرات للتأثير على القرار السياسى ، فسلاح حذب الله احدى مشكلات لبنان الكبرى التى تحتاج الى دعم اشقائه ، وتحتاج الى تطمين حذب الله من قبل المجتمع الدولى ، بتقديم الضمانات اللازمة لكى يتخلى عنه ، والارهابى فى النظر العام ، هو ذلك الذى يفجّر الاسواق والمساجد والدور الحكومية ، واى موقع يتجمهر فيه الناس ، ويسقط جراء هذا العمل الاجرامى مئات الضحايا الابرياء ، فالخلط السياسى هنا لا يخدم قضايا لبنان ولا قضايا الحرب على الارهاب .
                 لا ادرى ما الذى يدفع المملكة العربية السعودية الى هذه المواقف المتشددة ، وقد استطاعت ان تنجز فى زمن وجيز تحالفا عسكريا وسياسيا يعد الاكبر والاول تقريبا فى تأريخ المنطقة .

                   

                   

مشاركة مميزة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                     غدا يحتفل العالم باليوم العالمي للقانون، وتأتي هذه الذكرى ومعظم شعوب العالم قد ع...