السبت، 7 فبراير 2015

خيارات اليمن


                الواقع الجديد الذى انتقلت اليه الازمة فى اليمن بعد استيلاء الحوثيين وحلفائهم على سلطة مأزومة وفى حالة سيولة شبيهة بالسيولة الناتجة عن انهيار سد كمأرب ، هذا الواقع الجديد فى تقديرى لم ولن ينهى الازمة فى اليمن وانما ضيّق امامها الخيارات ، فالحكمة اليمنية الآن امام خيارين لا ثالث لهما ، فأما الصبر على خطوة الحوثيين وحلفائهم والانتظار لمدة عامين (العمر المقرر للفترة الانتقالية) ، وهى فى تقديرى لن تكون اسوأ من الفترة التى عاشتها اليمن عقب سقوط على عبد الله صالح ، او الفترة التى عاشتها فى ظل سنواته العجاف ، وهى فترة كافية لأختبار مصداقية الحوثيين حول مبدأ المشاركة من جهة ، وفترة كافية لقوى المجتمع اليمنى لترتيب اوضاعها بعيدا عن ارهاق الحراكات التى خاضتها خلال الفترة الماضية .

                اما الخيار الثانى فهو المواجهة ، والمواجهة طريق تبدو منزلقاته شبيهة بما نشاهده الآن فى سوريا والعراق وليبيا والله وحده يعلم ما سيستجد على ساحتها من جرائه ، ولا اتصور ان الحكمة اليمنية ستعجز عن استجلاء قدر المخاطر التى ستترتب على اوضاعها الداخلية فى ظل هذا الخيار ، ولا اتصوّر ان حكمة دول الجوار وحكمة العقل الاقليمى والدولى سيغفل عن مخاطر الانزلاق فى حرب اهلية تبدو دائرة انتشارها اوسع مما يتخيله البعض بأنها قاصرة على اليمن وحده ، ويكفى الموقف المصرى المتخوّف من مآلات الصراع الذى سيقودهم حتما الى الدخول طرفا فيه اذا بلغ حدود قفل باب المندب امام الملاحة الدولية وتعطيل قناة السويس وما يحدثه ذلك من خسائر كبيرة على الاقتصاد المصرى ، يكفى هذا الموقف دليلا على قدر المخاطر المترتبة على هذا الخيار وما خفى يبدو اخطر .

                لا شىء قبل الحوثيين يستحق المغامرة من اجله ، فالحكومة لم تكن قادرة على حل الازمة وهربت بأستقالتها ، و الدستور ام يكن قادرا على تحقيق الرضا والقبول لمكونات اليمن حتى يتحاكم اليه الجميع فى ظل ازماتهم ، والبرلمان المنحل لم يكن قادرا على حل الازمة خاصة وانها خرجت بحواراتها من اطره القائمة حتى وصلت الى الوساطة الاممية ، كانت اطراف الازمة بمواقفها العمياء تدعو الحوثيين وحلفائهم للأسيلاء على السلطة ، وهو الواقع الذى انتجوه ببراعة ، وعليهم الآن التعامل معه بكثير من العقل لتجنيب اليمن اوضاع يصعب تداركها لاحقا .

الأربعاء، 14 يناير 2015

حمقى يُقتلون وحمقى يتظاهرون


                  حادثة صحيفة (شارلى ابيدو) تبدو فى احد وجوهها ، اشارة واضحة لأنزلاق عالمنا الى قاع مخز ، يديره مجموعة من الحمقى ، هذا الوجه المشين تجلى فى التظاهرة المتهافتة التى اعقبت الحادث ، وشارك فيها عدد من قادة الدول ، وتجلت ايضا فى الحملة التى تزامنت معها تأييدا لصحيفة يديرها حمقى قضوا نحبهم على ايدى حمقى ادارهم جميعا احمق اراد ان ينتج واقعا ينتظره صف من الحمقى لتمرير سياسات يخشون ان تكشف مرونة ضمائرهم اذا مرروها فى الظروف العادية ، وهذا اعتقادى الذى ترسّخ عقب هذا الحادث المشين .

                  كيف لعقل يحترم الانسان وحقه فى الاعتقاد ، ان يصنّف صورة مبللة بدم وجدان ملايين الملايين من المسلمين ، وخارجة من مخيلة مختلة ، كأحدى صور حرية التعبير ؟ 

                  محرروا (شارلى ابيدو) لديهم اشكالية مع الدين ، هذا واضح من تأريخ اصداراتها ، وكذلك لديهم اشكالية اكبر فى ضمور وعيهم ليس على صعيد استيعابه فحسب وانما ايضا على صعيد مواجهته بالحجة ، فأختاروا الاستفزاز بدلا عنها ، وهو سلوك بكل المعايير يعد سلوكا متخلفا وهمجيا وموغلا فى عنفه تجاه الآخر ، وهو سلوك مماثل تماما لسلوك مجموعة المسلحين المسلمين الذين هاجموهم ، وفى اعتقادى ان العالم فى هذا الحادث لم يفقد سوى مجموعة من الحمقى فى طريقها الى الجحيم الذى يستحقونه .

                  احترام اديان الآخرين وكريم معتقداتهم ، حق وواجب انسانى ، واى انتهاك يتم على صعيده لن نحصد منه سوى ابشع المجازر .

الأربعاء، 7 يناير 2015

احتفالى بك


                كلما تنفّس صبح من قبضة الليل الطويل ، تبدأ طقوس احتفالى بك ، اشحذ فى البدء حنجرتى بينابيع الفرح المتدفقة على هذا الكون البديع ، ثم اعطّرها بقول رحيم ، واشرع بفتل حروف اسمك على حبالها حبلا حبلا ، حتى اذا اتاك صوتى مناديا ، يبدأ مطر الاغنيات تجواله بين راحتيك الى صبح اليوم التالى .

                 ساكنة انت فى حنايا القلب ، واذا خرجت ، فلتخرجى متى شئت وكيفما تشائين ، سيكون خروجك  حضورا جديدا على مدى بصرى المسكون بكل تفاصيلك الساحرة ، سيكون خروجك عيدا لمساجين غيابك فىّ ، سيكون خروجك جمهرة من جمال يبدد وحشة وحدتهم ويجدد انس احتشادى بك ، اينما ابتعدت اجد نفسى حيزك المحتوم ، اينما ابتعدتُ اجدك حيزى الابدى ، واينما كنا ، تكون الحياة اغنية كاملة ، تمسك بك لحنها الفرائحى ، وتمسك بى ايقاعها الراقص.

                  هذا احتفالى اليومى بك ، يمتد امامى طريقا منك اليك ، ثم يأخذنى الى من اودع سر الجمال فيك وفى الكون دليلا جميلا على جماله ، هو الله نورى ونور السموات والارض ، وكل من اهتدى بنوره اهتدى ، وكل من اهتدى بنوره ، رآك نورا فى المدى .

                 

الأربعاء، 31 ديسمبر 2014

يسعد صباحك يا وطن


                    تسعة وخمسون عاما قد مرّت منذ ان ارتفع لك علم ، وصار لك شعار وسلام جمهورى ، وتعاقبت عليك حكومات مثل تعاقب الفصول ، بعضها خريفية العطاء تملأك بالشبع والامان والامتنان ، وبعضها ربيعية الهوى تحلّق بك فنا وابداعا ورضا ، وبعضها صيفية فى طقسها وطقوسها ، تغلى حرارتها دماءك وتسكبها على الارض ثم تصبغك بالحزن والحداد ، وبعضها شتوية غارقة فى ظلمة لا يعتادها ولا يرتادها الا اعمى ، تحتاج معها الى لغة قديمة كى تفهم وتتواصل وتتعايش مع حزنها وحدادها ، وانت ايها الوطن العزيز كما انت ، جميل فى لحظات كمالك وجميل اذا انتقصت ، و لاينقصك الكثير ، انها بضع جسور فى انتظارنا لنعبرها معا ، بضع جسور ستأخذنا اليك وتأخذك الينا وتأخذنا معا الى رفعة مستحقة .

               جسور ستأخذنا الى صبح 1\1\1956 ، الصبح الذى بلغت فيه فرحتنا ذروة كمالها ،  الصبح الذى حلّقت فيه آمالنا بأجنحة عراض ، الصبح الذى ابتعد عنا تسعة وخمسين سنة ، وما زلنا نلاحقه عاما اثر عام كى نلتقيه ثانية ونستعيد ذات الفرحة وذات الأمل .

                      ُطهر هذا الصبح يقتضى ان تغتسل ايها الوطن وتتعطّر لملاقاته ، طهر هذا الصبح يقتضى ان نتطّهر من كل اخطائنا وخطايانا ونستغفر لملاقاته ، فتطّهر ايها الوطن  ثم اعتدل وقم الى لقائنا ، نريد ان نحيا بك ونقوى بك ونكبر بك ، نريد ان يكون نشيدنا .. اغنيتنا .. هتافنا  دائما وابدا ( انا بك وانا لك ) فقف واسترح ايها الوطن العزيز ، استرح واعبر جسرك الينا ، يسعد صباحك يا وطن .

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

رقص حبشى


                روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت ( وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ، فأما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم واما قال " تشتهين تنظرين ؟ " فقلت نعم . فأقامنى وراءه وخدى على خده وهو يقول " دونكم يا بنى أرفدة " حتى اذا مللت قال " حسبك ؟ " قلت نعم . قال " فأذهبى " ) اخرجه البخارى فى صحيحه كتاب العيدين ، باب الحراب والدرق يوم العيد ، رقم الحديث 907 .

                 هذه الرواية اخذت حظا كبيرا جدا لدى العديد من الباحثين فى حياة الرسول مع اهل بيته ، عليه وعلى آله افضل الصلاة والسلام ، وايضا فى حياة السيدة عائشة رضى الله عنها  ، واتخذ منها البعض سندا قويا فى جواز الرقص وجواز الفرجة عليه رجالا ونساءا ، مع تشديد البعض على طبيعة حركيّة الرقص ، الى آخر ما خرج به الباحثون من رؤى وافكار ، وليس هذا ما يهمنى هنا .

                   فى هذه الرواية ،  ثمة غموض فى متنها لا يسعفنا فى بناء رؤية واضحة عن طبيعة علاقات واشكال تعايش الاثنيات  بجزيرة العرب فى حياة الرسول (ص) ، اذ تأتى كلمة (عيد) فى متن الحديث مبهمة وعارية من اى تعريف يحدد هوية اصحابه ، ومصدر الغموض هنا ، ان السيدة عائشة (رض) كانت راجحة العقل والحديث ويكفى ان الرسول (ص) قال (خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء) ، فلا يعقل ان يكون نصف الدين مودعا عندها ويأتى حديثها فى رواية البخارى بهذا الغموض والابهام الذى احاط بكلمة (عيد) ، هل هو عيد خاص بأولئك السودان ام هو احد عيدى المسلمين الفطر والاضحى ؟ .

                  ما يهمنى فى هذا الحديث ، ان ميدان الرقص كان مسجد رسول الله (ص) فايّا كانت هويّة العيد ، فأن وجود هذه الاثنية بمسجده وهى تؤدى رقصا طقوسيا غريبا على مجتمع الجزيرة ، استدعى لغرابته هوى السيّدة عائشة للفرجة عليه ، امر له دلالات عظيمة تدعونا الى البحث  ، سواء أكانت هذه المجموعة من السودان مسلمة او على دينها ، واعظم هذه الدلالات فى تقديرى ، هذه الرحابة وهذه السماحة التى اتسم بها فضاء المجتمع النبوى بحيث اتسع لحق الآخر الذى يساكنهم ذات الارض وربما يشاطرهم ذات الدين فى ممارسة احدى تقاليده وعاداته فى ارفع واسمى مكان يبجله العرب والمسلمون الى يومنا هذا ، وهو مسجد رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام ، فما اعظمه من دين تسع رحابته كل شىء .

                  

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

هنا حرب فأنت محارب


                   الحرب اسوأ ما فى تأريخ البشرية ، ولا يظنن احد انها بعيدة منه مهما ابتعد ميدانها مئات الاميال ، ستجدها حاضرة حتى فى كوب الماء الذى تشربه ، وحاضرة فى احلامك وكوابيسك ، وحاضرة فى كل فعل اعتدت عليه من بداية يومك الى نهايته ،
  اسوأ ما فى الحرب انها اذا قرعت طبولها فأنت محارب سواء اكنت معها او ضدها ، انها ساحة فى اتساع مستمر ولا تقبل الحياد ، لا منأى منها الا بوأدها فى حينها ، واجمل ما قيل فيها ( الحرب مجزرة بين اناس لا يعرفون بعضهم البعض لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض ) .
                   
                  فكلما انهارت مفاوضات لوقف الحرب او ابعاد شبحها ، لا تبحث عن اى الاطراف تسبب فى انهيارها ، بل اى الافكار تسببت فى انهيارها ، واى افكار تهرب الى اجندة بعيدة عن اسباب الحرب مهما احتمت بالجغرافيا والتأريخ والعرق واستبداد القوة ، تتراءى لى افكارا صادرة من سحالى قادمة من مجرّة بعيدة لا تحيا الا على دماء البشر - هذا القول قياسا على قول احد علماء الفضاء الذى وصف حكام عالمنا بأنهم سحالى فضائية - فالمفاوضون من اى طرف كانوا هم فى الواقع رسل سلام ، ويجب الا ينهوا هذه المهمة بتحريض يقود الى الحرب وانما اذا تعذّر عليهم الاستمرار فى التفاوض ،  ان يختموا جولتهم بتصريح متواضع يقول (هذا اقصى ما وصل اليه عصفنا الذهنى لأنهاء هذه الحرب ، فأبحثوا عن آخرين اعلى قدرة منا) .

                     كل مرة تذهبون فيها الى الحرب ، تعودون الى ذات المائدة بجراحات اثقل من سابقاتها ، فأى جنون هذا الذى يجعل من ارواح البشر ودمائهم وقودا للعقل كى يرعوى ؟

                     علينا ان نواجه حقيقة ان للسلام ملايين الطرق ، وان اغلاق العقل على فكرة او مشروع او اى هوى آخر ، هو طريق الحرب الوحيد ، افتحوا عقولكم وقلوبكم على مصراعيها لتتسع لكم هذه الارض او ليصعد كل الى جبله بدلا من هذه المجازر المؤلمة .
                  

                    

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

القلب سيّد الغواية


                  شرس هو القلب ،  يرى ويسمع ويحس ، ولديه ذاكرة لا تنسى ولا تخرب وثرثرة لا تنتهى ، وليس هذا ما يرعب فيه ، ما يرعب فيه حقا ، هذه الغواية التى يمسك بكل حبال الاعيبها بتهور محترف مغرور ، ثم يفتلها حول عنق احاسيسك ومشاعرك واشواقك وامانيك ، مشنقة معلّقة على وجه امرأة تراها لأول مرة فترى فيها الأسر الجميل ان لم يكن الجنون الأعظم او الرعب الكبير ، ثم ينهر كل مفردات اللغة المخزّنة فيك لتصرخ بحالك وانت معلّق امام هذا العالم البديع .

                   فتصرخ قصائدا ، وتصرخ اغنيات ، وتصرخ حكايات ، وتصرخ سيلا من توسّل ومناداة ، وحين يشتد الوجع بصراخك ، تصرخ يائسا ، ليت الامر كان بيدى ، انه القلب سيّد الغواية ، فلا تعزريه ، خذيه وافعلى به ما شئت ، امضغى هذا الشرس مضغ كلب شرس ، هو لك .

مشاركة مميزة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                     غدا يحتفل العالم باليوم العالمي للقانون، وتأتي هذه الذكرى ومعظم شعوب العالم قد ع...