السبت، 12 يناير 2013

عقائد فاسدة


                      يعجبنى كثيرا شاعرنا الكبير محمد الفيتورى فى قوله (غافل من ظن الاشياء هى الاشياء) ولا ادرى هل الصدفة وحدها التى تثبت لى صدق هذا القول ام غباء محكم لحائكى المؤامرات  ؟ الانسان بطبعه مشغوف بالقصص فهى انيسه منذ الطفولة الباكرة ، والقصص التى تحكى وقائعا غريبة او حوادثا تخرج فجاة لسطح المجتمع وتثير من الاهتمام والفضول والدهشة والحنق الى آخر ما تثيره من الاسئلة والمشاعر المختلفة ، لا تولد بالصدفة ، فثمة خفاش منزوى فى كهف مظلم ، يمسك بخيوطها بدقة ، يساعده عليها قطيع من البشر المقهور ، اما بعامل الترهيب ، او بعامل الترغيب ، او بعامل الجهل والغباء ، او بعامل طبيعة عدوانية متأصلة فيه .

                       قال لى صديق يوما ان قوة (الماسونية) نابعة من قدرتها على غرز اعضائها حيث توجد القوة ، ويبقى هذا القول مجرد استنتاج او تخمين او فرضية منطقية ، ولكن لا يوجد فى الواقع من تغلغل الى داخل هذا التنظيم الاسطورى ، وخرج الينا بحقائق دامغة ، عن تركيبته وافعاله ومبادئه وعقائده التى يتبعها ، لذا اعتاد الناس حين يواجهون فعلا غريبا شاذا لم يألفوه من قبل ، او ترفضه قيمهم ومبادئهم ، ولم يدركوا مبتدأه من منتهاه ، يسرعون بنسبته الى (الماسونية) واصبحت (الماسونية) تبعا لذلك شماعة مريحة يعلّق عليها مجرمو الارض فى مختلف انشطة الحياة جرائمهم الشنيعة ، فأين يوجد كهف الخفاش المظلم ، الذى يدير هذا النشاط الاجرامى سواء أكان (ماسونيا) او سياسيا او مريضا مهووسا ممتلئا بالقبح ، يرى فى كل انسان او فعل جميل مهددا لمصالحه ؟

                      رحلة البحث تبدو فى غاية الصعوبة ، ولكن كما يقال دائما ، ان المجرم مهما بلغ من الحيطة و الحرص ، يترك دائما خلفه دليلا يقود اليه ، فمثلا اذا تلقيت شكوى من ابنك او ابنتك ، انه يخضع لحملة عنيفة من المضايقات ، من ذلك النوع الذى يوجب القتال شرعا ، دون ان يكون لأبنك او بنتك ما يستوجب ان يواجه بمثل هذا الشكل الجبان والموغل فى انحطاطه من العداوة ، فأعلم ان ابنك او ابنتك قد صارت هدفا ، فأبحث عن ذلك الخفاش المنزوى فى كهف مظلم ، فستكتشف الكثير المثير الخطر ، خاصة حينما يكون محيط هذا العداء ، جامعة او مدرسة ثانوية ، فأكثرخفافيش الظلام اجراما ، تعشعش داخل هذه المؤسسات .

                       هذا الكلام اقتضت ضرورته ، تنبيه الآباء والأمهات ، ألا يتكلوا فى تربية ابنائهم  آمنين على شوارع ومدارس وجامعات السودان القائمة فى اذهانهم بصورتها فى زمن مضى ، فنحن الآن فى حاضر مختلف كلية عما كان عليه الحال ايام زمان ، فالأمر يتطلب اعادة النظر فى العلاقات بين افراد الاسرة الواحدة ، خاصة بين الابناء والوالدين ، بحيث تكون منفتحة للآخر بلا حياء او خجل متوارث من عادات وتقاليد عائدها فى هذا الزمن شديد الخطر على كيان الأسرة ، تناقشوا مع ابنائكم وبناتكم فى كل شىء بحرية وثقة ، لتحموهم من الكيد ، واعلموا انكم فى ذلك لستم وحدكم ، فما زال فى هذا الوطن رجال شرفاء ، لا يخشون فى الله لومة لائم ، ولا يهابون المعارك ، يرصدون ويعرفون متى يوجهون ضربتهم القاصمة .
                      

الجمعة، 11 يناير 2013

كلام سرى


                       (سرى) هذا يقول الكلام الذى لا يَسمع ولا يَقرأ و لا يَكتب ، ولكنه الكلام الذى يدور فى ذهنك مثل الطواحين ، يدفعك احيانا ان تضحك وانت ماشيا وحدك فى الطريق ، او ان تغضب الى حد التلويح بعصاتك استعدادا لتوجيه ضربة موجعة لأنسان خرج فجأة  من ذاكرتك متلفعا بالقبح والدمامة ووقف على بعد خطوات منك ، او ان تزفر انفاسك مثل (عادم) سيارة خربة من شدة الألم والحسرة  على سلوك كريه ، فما الذى قاله (سرى) واراح ذهنه وذهن غيره من دوران الطواحين ؟.

                       (اول مرة التقيت بها ، اصابنى الهلع والذهول ، كان الثوب منحسرا عن رأسها فرأيت شعرا عبارة عن سلك شايك مصبوغ بالاسود ، تبكى كل امشاط العالم جزعا اذا اقتربت منه ، لا يجدى معه شيئا سوى مكواة حامية يتمنى المرء ان تنزلق من يد حاملها لتشوى وجها تتخذ ملامحه حينا صورة (الكدروك) وحينا آخرا قرد الطلح بعينه ) عذرا (سرى) ، لن اقف كثيرا عند هذا الوصف ، فهذه الايام تمور بأمراض العرق وقد يتخذ الوصف منحى يصرف النظر عن جوهر الموضوع ، ولكن قد اشاركك الانتباه فيما يلى . (فالصورة مرعبة للغاية ، والاكثر رعبا منها ، ركبتين حين تجلس يمتدان منها مثل (مرقين) اعتاد الناس مشاهدتهما فى سقوف بيوت ام درمان القديمة ، وتذكرك حين تمشى بأحد (باكات) الفرق الافريقية التى نازلت فريق الهلال يوما ، والانكأ من ذلك انها حين تحاول ان تتلاطف فى مشيتها تبدو بالضبط احد (العيالاتية) الذين اعتادوا التسكع امام شبابيك (الترسو) فى سينما (ام درمان) و(الوطنية) وسينمات مدن السودان الاخرى ، وللتنبيه فقط ، لم اقصد هنا سخرية من خلق الله وبالطبع ليس فيه شماتة فليس فى القبح شماتة وانما اقتضت الضرورة هذا الوصف لأنه يعبّر عن داخل اكثر قبحا منه ،) وسأكتفى هنا بهذا القول من (سرى) لأسرد عليكم بقية القصة بأختصار .

                        تصوّروا ان هذا الكائن (الخلاقة) قدم نفسه بلا حياء وبكل تجرد من خلق ودين ، مصلحا اجتماعيا افضل معاييره لتوصيف الأنسان الصالح ، هو الثراء ، بمعنى آخر فصلت الاخلاق والقيم عن الثراء ، ليستوى بهذا المعيار اثرياء اشرار الناس بمالهم الخبيث بأطهار الناس رغما عن مالهم الطيّب ، يعنى ان تكون ذا خلق ودين وعلم ، وسليل اسرة عريقة يسندها تأريخ يعرفه الذين ضربت اصولهم بجذور عميقة فى تربة هذا الوطن ، ان تكون كل ذلك ولا تسوى بمعايير هذه المخلوقة سوى مجرد هامش اجتماعى لا علاقة لك بمجتمع قائم منذ مئات السنين بذل فيه آباؤك ما بذلوا من جهد ودماء وارواح واموال ليستقيم على وجه البسيطة مجتمعا انسانيا مفعما بالاخلاق والقيم النبيلة التى اتاحت حتى للمنبتين المنفلتين عبر الحدود ان يبنوا حياة  كريمة آمنة لم يحلموا بها فى يوم من الايام  دفعت بعضهم للتنكر حتى لأصولهم ويحاول بعض آخر الآن ان يلغى كل هذا التأريخ ليصبح معيار الثراء هو السيّد ، بمعنى آخر لا يهم  ماهيّة اصول ثرائك فثمة داعية اجتماعية هنا ستحمى اصول اموالك حتى لو كان مصدرها غسيل قذر او حرام بيّن ، ولن يثنيها فى سبيل ذلك ان تركّب لحية يهودى شكسبير فى (تاجر البندقية) وتشذبها على حنكها الذى يشبه (دبشك) بنادق الحرب العالمية الثانية ، لتنتزع من تأريخك كل اشراقاته النبيلة ، وتعيش بعد ذلك فى قلب المدينة التى اسسها اباؤك هامشا عريضا .

                       فهل يا ترى ستفهم هذه المخلوقة بما تحمله من ركام الغباء والجهل ، ان المجتمعات (خشوم بيوت) وان مجتمع ام درمان له معاييره الخاصة فى توصيف الانسان الصالح ،اختصرها عقل هذه المدينة الواعى فى عبارة بسيطة اختزلت داخلها انبل القيم والاخلاق التى عبّرت بصدق عن  ديننا وما نادى به وهى ( انسان مستور الحال او اسرة مستورة الحال او عائلة مستورة الحال ) انها سترة الحال التى تمنع صاحبها ان يغتاب الآخرين ويرميهم بالباطل وبما ليس فيهم ، ويلصق بهم احلامه وتطلعاته المريضة تماما مثلما يلتصق بمناحى طمعه مثل القراد ، انها سترة الحال التى تكفى بناتها وابناءها ان تحيا فى ظل اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية راضية مرضية وتدخل بها دنيا الله بسلام ، واثقة من جمال روحها ونفسها وعقلها ، ومن طهر نواياها ومقاصدها ومسنودة بتأريخ محتشد بمجد الانسان السودانى ونبله ، ولا كبير لديها الا الله .

                       فيا ايتها الدكتورة الاستاذة الجامعية المصلحة الاجتماعية ، هذه هى قيمنا واخلاقنا التى استمديناها من ديننا ، فما هو دينك ودين امك ودين ابوك ، الذى خرج علينا بهذا المعيار .

الأربعاء، 9 يناير 2013

مراعاة فروق الفجر


                        المجتمع الدولى والاقليمى ظل منشغلا منذ انفصال جنوب السودان وتحوّله الى دولة معترف بها ، بترتيب الاوضاع بين الدولتين لضمان استقرار الدولة الوليدة وابعاد شبح الحرب الذى خيّم على اراضيها عقودا عدة ، وفى الوقت الذى نشطت فيه المفاوضات بين الجانبين برعاية اقليمية وتوصلّت اخيرا على اتفاق جديد يقضى بتطبيق الاتفاقات الموقعة بينهما بدون شروط !، فاجأت قوى المعارضة الممثلة فى الجبهة الثورية (الحركات المسلحة) وقوى شمالية عدة بأصدار ميثاق الفجر الجديد الذى يهدف الى اسقاط النظام وفقا لبرنامج  ملتبس يثير كثيرا من الأسئلة وكثيرا من المخاوف ايضا على ما سيصبح عليه المشهد فى السودان فى ظل اصطحاب العنف المسلح ضمن وسائل اسقاط النظام ، ليضاف هذا المشهد الى المشاهد القبيحة التى اثارت غضب العالم فى كل من سوريا واليمن وليبيا .

                        وبعيدا عن صواب هذا التحرك فى مواجهة حكومة المؤتمر الوطنى من عدمه ، وبغض النظر عن القناعات الرافضة لسياسات السلطة فى السودان والرافضة للطريقة التى تدير بها شئون البلاد ، بغض النظر عن كل ذلك وغيره ، فأن ميثاق الفجر الجديد الذى صدر فى هذا التوقيت يبدو فى احد وجوهه محاولة لتحدى ارادة القوى الاقليمية والدولية المجتهدة فى الوصول بعلاقات البلدين الى اوضاع سلمية مستقرة تتيح لهما تبادل المنافع التى تخدم دولتيهما وشعبيهما اللذين انهكتهما الحروب الطويلة وخصمت كثيرا من تطلعاتهما وآمالهما فى حياة افضل ، هذا من ناحية توقيت الميثاق فى النظر الاقليمى والدولى المنخرط فى معالجة قضايا البلدين .

                       من ناحية ثانية ، فأن هذا التحرك يمكن النظر اليه فى ظل القرارات الدولية المنذرة بالكثير الخطر كمحفز لحكومة السودان للأسراع بتطبيق الاتفاقيات الموقعة بينها ودولة الجنوب حتى وان جاء هذا التطبيق خصما على الكثير من مصالحها وحقوقها ، وفى هذه الحالة فأن المجموعة الموقعة على هذا الميثاق تبدو اقرب الى اداة ضغط فى يد خفية لها اجندة معادية للسودان بغض النظر عن نوع الحكم القائم فيه وبغض النظر عن سياساته الراهنة على المستوى الداخلى والخارجى ، لأن اى اتفاق يتم بين الدولتين تحت ضمانات اقليمية ودولية ، سيظل نافذا حتى لو استلمت قوى ميثاق الفجر الجديد السلطة فى السودان واكتشفت لاحقا انتهاك هذه الاتفاقات لمصالح وحقوق اصيلة ، فعندها لن تستطيع ان تغيّر فيه بندا من بنوده نالت بموجبه حكومة الجنوب مكاسبا مهما بلغت العلاقات بينهما من التوافق والانسجام ، لهذا فأن توقيت صدور الميثاق يعكس اعلاء مصالح القائمين عليه فى الحصول على السلطة على مصالح الدولة .

                       والمفارقة التى تدعو الى الشفقة والرثاء على حال المعارضة التى هللت لهذا الاتفاق ، انها اختارت من بين كل الخيارات التى مر بها الوطن فى الصراعات التى دارت حول السلطة ، خيار العمل المسلح رغم تجاربه الفاشلة خلال النصف الثانى من القرن الفائت ، بينما تجاهلت اعظم تجاربه الناجحة التى سبقت شعوب المنطقة بأثرها والمتمثلة فى عظمة توحده السلمى فى مواجهة الانظمة القائمة خلال ثورتى اكتوبر 1964وابريل 1985 ، لذا كان موقف القوى الرئيسة -التى خبرت جدوى الخيار السلمى - من هذا الميثاق يطغى عليه التحفظ من اغلبها رغم ترحيبها بوحدة المعارضة ، وكفت بذلك السلطة الحاكمة عبء الرد عليه ، مما يشى بقصور النظر السياسى للذين وقفوا خلف الميثاق بخياره المسلح .

                     العمل المسلح مهدد كبير لكيان الدولة ، وافضل نتائجه اذا انهارت الدولة ، هو ان يحيل  قادة العمل السياسى فى ظل الحالة السياسية بتقاطعاتها الحادة التى نعيشها ، الى امراء حرب ، ويحيل الوطن الى معسكرات نزوح ، ويدفع الكثيرين من ابناء الشعب السودانى ان يردد وراء محمود درويش ( لا يأتينى الكابوس من الليل بل من فجر فاجر ) .
                    

الخميس، 3 يناير 2013

لا تستقيل


                        هلل البعض للخبر الذى تناولته عدد من وسائل الاعلام والمواقع حول استقالة السيد الصادق المهدى المزمعة من رئاسة حذب الامة ، هذا الحذب العريق الذى مثّل جملة من المبادىء والقيم تعلّقت بها قلوب وافئدة وتطلعات جماهير واسعة من ابناء الشعب السودانى ، واصبح السيد الصادق المهدى طوال مسيرته كرئيس لهذا الحذب وكأمام لطائفة الانصار ، حارسا امينا لهذه المبادىء والقيم ، وحارسا امينا من خلالها لأمن وطمأنينة واستقرار الشعب السودانى ، يخدمه فى ذلك فكر وعلاقات نافذة على الصعيد المحلى والاقليمى والدولى ، واستطاع خلال عقود معدودة ، وطوال حراكاته السياسية ،ان يصعد بحذب الامة حذبا مدنيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وهنا بالضبط مربط الفرس ، وياله من فرس جسور .

                        والمتابع لحراك السيد الصادق السياسى منذ 30\يونيو 1989 يعجب لهذه العزيمة التى لم تفتر يوما فى تقديم المبادرات ، مبادرة بعد الاخرى تسعى آملة فى الخروج من ازمات الوطن ومآزقه الراهنة عبر حلول سلمية سياسية تحفظ لأبناء هذا الوطن كافة حقوقهم المشروعة دون الحاجة لأراقة الدماء ، ومهما اختلف الناس حولها ، فستظل دائما دلالة على نزوعه السلمى وصبره النبيل امام عسف السياسة والسياسيين ، فضلا عن ان حلم الديمقراطية ظلّ دائما جوهر كل مبادرة ، فاى استقالة تأتى فى هذه اللحظات الحرجة فى تأريخ الوطن ، تعنى ضمن ما تعنى ان هذه الصفحة البيضاء التى خطها السيد الصادق طوال حراكاته مع الانقاذ اصبحت فى مهب الريح ، ولا استطيع ان اتنبأ بما سيصبح عليه حذب الامة بكل ما عرف  فى تأريخه ، التأريخ الذى تسبق فيه حوافر الخيل وقع الكلام .

                       فى هذا الوطن ثمة مواثيق وعهود قديمة ظلت تحكم -سياسيا واقتصاديا واجتماعيا -علاقات الناس فيه ، والسيد الصادق المهدى احد الكبار الذين يمسكون بعقدتها ، ومن يظن ان الدهر قد اكل عليها وشرب ، لا يضع حسابا لما احدثته العولمة وما بعد العولمة فى بنية المجتمعات على امتداد عالمنا الثالث ، فالنزوع العرقى الذى اخذ يتمظهر فى شكل مراكز منعزلة او مستقلة او مميزة فى النسيج العام لوحدة الدولة ، وانتج ضمن ما انتج فى السودان فصل جنوب الوطن ، هذا النزوع العرقى هو احد منتجات العولمة وما بعدها وهو الفاعل الرئيس فى عمليات فصل وتمزيق النسيج العام لوحدة اى دولة ، والسيد الصادق احد الكبار الذين يمسكون بعقدة تلك المواثيق والعهود التى شكّلت هذا الشعب بمكونه العرقى والدينى والاثنى ، فى خريطة السودان الشمالى عهودا طويلة ، فأن الخشية الكبرى ان يشكل غيابه عن الساحة السياسية ارتخاءا لتلك العقدة ، وعندها لا استطيع ان اتصور ما سيكون عليه شكل السودان .

                       هنالك مسئولية وطنية واخلاقية تدعو كل سودانى حريص على امن واستقرار هذا الوطن ومدرك لفداحة ازماته وما يمكن ان تحدثه على صعيد حياة الناس ووحدة الوطن ، ان يرجو ويأمل ان يعدل السيد الصادق المهدى عن استقالته ، ويواصل مسيره حتى لا ينقطع الامل فى امكانية خروج بلادنا من كل ازماتها سلميا ويعود سوداننا هذا الوطن الذى حلمنا به دوما وهتفنا له دائما اقوى مما كان ، وللبعض الذى هلل لخبر هذه الاستقالة اقول : لو تصورتم ما يمكن ان ينتظركم بعدها فى هذا المنعطف الذى تمر به بلادنا لهتفتم ملء حناجركم (لا تستقيل) .

السبت، 29 ديسمبر 2012

خطفتها فضيحة


                      ( مهما نظرت  فى عينييّ ، فلن تجد نظرتى هناك ، خطفتها فضيحة . ) ما ابدعه محمود درويش حين امسك بهذه اللحظة الحرجة فى حياة ابن آدم مثقل بخطيئة اوبخطايا او بفعل تافه قادته اليه نزوة او شهوة او مراهقة طائشة ، وظل يلازمه وخزا ونكزا فى ضميره طيلة سنوات العمر ، وما ان يصادفه ما يذكره به ، تهرب تلك النظرة الى مستودع ملىء بالقسوة والقهر والابتزاز ، ليغدو المسكين اسيرا لحالة من الألم والخزى والكره الشديد ، لمجتمع يتلاعب بالقيم والاخلاق رغم انف الطبيعة البشرية ورغم انف الدين ، ورغم انف المنطق والعقل ، وهى حالة شائعة فى عالمنا العربى والاسلامى وتكاد تكون احدى آليات الكبح والقهر والجريمة .

                       والمتابع لسيل البذاءة وانتهاك الاعراض المتدفق من بعض قنوات مصر الفضائية على لسان (شيوخ) الغفلة وخصومهم من الذين استدعوا كل صعلكة الارض ، لمواجهة هذا العراك الفاجر ، الذى يجعلك تعتقد ان مصر بكل جمال ما كانت تمثله فى الوجدان العربى والاسلامى ، تجلس الآن فى ماخور من اقبح مواخير قاع المدينة  ، المتابع لهذا الفجور العلنى يصاب بالخيبة من هشاشة المجتمعات الاسلامية التى تسمح بمثل هذا الاختراق الهدام ،  ولكنها تدفعك ايضا وبقوة للنظر فى هذه الثغرة الكبيرة فى قيم واخلاق المجتمع ، التى تسمح لكل من تحلل من الاخلاق والقيم ، ان يقيم مهرجانا للبذاءة والفسوق والابتزاز ، بأسم ذات القيم والاخلاق التى لم تردعه لأحترام آدمية الانسان التى كرمّها رب العزة والجلالة ، وافاض فى تكريمه لها بأن اغدق عليها من الطمأنينة والامان ، أنها لو جاءته بتراب الارض ذنوبا لغفره لها .

                        ولا يظنن احد ان الامر قاصر على مصر وحدها ، فهو منتشر على الارض العربية والاسلامية ، شوكا فى حلوق كثير من الناس ، وغشاوة على ابصارهم ، حرمت تلك المجتمعات من اسهام اناس كان يمكن ان يقدموا الكثير لأسعاد البشرية ، والامثلة كثيرة لاتقف عند حدود السياسة وحدها ، وانما طالت مبدعين فى مختلف النشاط البشرى ، فمتى طالت الالسن والاقلام شخصا ما ، رجلا كان او امرأة ، فى امر يتعلق بالقيم والاخلاق ، ناتج عن فعل لم يتعد حدود نفس المعنى بالاستهداف ، فأعلم ان من يقف وراء الامر يمسك بلسانه وقلمه اداة جريمة مدمرة ، وبوعى منه او بغير وعى ، يطال بدماره ليس الشخص المعنى وحده ، وانما يدمر معه جزءا هاما من قيم واخلاق المجتمع التى تشيع فضيلة التعايش فى امن وامان .

                        قد يبدو محاربة هذه الظاهرة امرا فى غاية الصعوبة ، لأن الفضيحة آلية تلاحق آثارها اجيالا وراء اجيال ، ولأنها اصبحت فى عرف المجتمعات قيمة مرعبة ، ولا سبيل لمحاربتها الا بأشاعة الوعى داخل الاسرة اولا ، بتناول المسكوت عنه استنادا على نص (لا حياء فى الدين) وعلى قاعدة ان الخطيئة مهما عظمت ولم تمتد بأذى لآخرين يكفلها رب العالمين برحمته وغفرانه ، وان المرء متى عزّز ايمانه فى مغفرة الله ورحمته ، فلن تهزه بذاءة وابتزاز الآخرين له بخطيئته ولو جاءوا بحجارة الارض تهديدا،

                      الانسان المسلم فى حاجة الى تفعيل ثقافة الاعتراف بالذنب ، لأنها فضيلة ، وفى حاجة الى تفعيل ايمانه بمغفرة الله ، لأنها حقيقة مؤكدة بأكثر من نص ، وعندها ، لن يبق لهؤلاء المجرمين الذين يمسكون بالخطيئة او الذنب آلية للأبتزاز والقهر والعزل ، منفذا للدخول به الى المجتمعات والسيطرة عليها . لا تدع نظرتك تخطفها فضيحة .
                       

الاثنين، 24 ديسمبر 2012

المسيح فى السودان

لوحة الميلاد من كاتدرائية فرس بالنوبة

السيدة مريم العزراء وهى تحمل السيد المسيح فى حضرة الملكة مارتا
                    غدا يحتفل العالم بمولد السيد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ، وتجىء هذه الذكرى واسئلة كثيرة ظلّت تجول فى الخاطر عن سر لوحات العهد المسيحى فى ممالك النوبة والتى زخرت بها الكنائس آنذاك كلوحة الميلاد المعروضة اعلى هذه الصفحة ، ولكن اكثر اللوحات التى ظلّت تلازمنى اسئلتها طوال الوقت ، هى لوحة السيدة العزراء وهى تحمل ابنها فى حضرة الملكة الأم (مارتا) ام الملك ( اللوحة الثانية ) ، فاللوحة تحكى عن صلة قديمة بين مملكة النوبة ورسالة السيد المسيح عليه السلام ، فأذا كان عدد من الباحثين قد ربطوا بداية دخول المسيحية الى السودان سنة 60 ميلادية عبر احد رجال البلاط العائد من القدس ، فأن اللوحة تحكى قصة اخرى تسبق هذه المعلومة ، فالعلاقة القديمة التى ربطت السيدة مريم العزراء عليها السلام بمملكة النوبة ، تعنى ان معجزة السيد المسيح عليه السلام وهو فى طور الطفولة كانت معلومة بأدق تفاصيلها لدى المملكة ، ولأن ارض النوبة هى ارض الاديان والانبياء وقصصهم معلومة منذ سيدنا ابراهيم الذى مكث فترة من عمره بهذه الارض واقترن بالسيدة هاجر عليهما السلام ، فأن الأسئلة لا تتوقف عن سر سكوت المصادر عن تفاصيل هذه العلاقة التى ربطت السيدة العزراء والسيد المسيح بالملكة مارتا (الملكة الام) ؟ وهل لهذا اللقاء الذى جمع ثلاثتهم صلة بشكل من اشكال الحماية التى فرضتها هذه الملكة لتأمين حياة السيدة العزراء والسيد المسيح فى صباه ؟ ففى الاثر المسيحى ( ملاك الرب يظهر ليوسف فى حلم وقال له  :-
       ( قم وخذ الصبى وامه واهرب لارض مصر لأن هيرودس مزمع ان يقتل الصبى )

            فالهروب من بطش ملك ظالم الى ارض غريبة يحتاج حماية من اهلها قادرة على صد بطش مثل ذلك الملك ، واللوحة تبدو تعبيرا عميقا لهذه الحماية .

              الأسئلة كثيرة وارجو ألا تفسد على المسيحيين فى مشارق الارض ومغاربها بهجة احتفالهم بذكرى مولده عليه السلام ، فكل عام وانتم بخير ، وكل عام والبشرية اشد اعتصاما بالسلام .

ملحوظة : اللوحتان من غلافى كتاب الاب فيلوثاوث فرج (النوبة ملوكا وشعبا)

الجمعة، 21 ديسمبر 2012

براءة مما يأتى


                فى اى سياق يمكن للمرء ان يقرأ خطاب مرشح الرئاسة المصرية السابق محمد البرادعى الذى بثته قبل يومين قناة (CBC ) المصرية مصحوبا باللقاء الذى اجرته ذات القناة مع مرشح الرئاسة المصرية الآخر حمدين صباحى اول امس ؟

                  قد يبدو للوهلة الاولى ونتيجة لحالة الارتباك التى احاطت بدوائر مصر الرسمية ومعارضتها ايضا ، ان الرجلين قد رفعا راية بيضاء امام تعنّت وتصلّب ممثل تيار الاسلام السياسى الرئيس محمد مرسى ، واصراره على تمرير الدستور المختلف عليه بالاسلوب الذى شهدته الساحة المصرية مؤخرا ، والذى راح ضحيته ارواح ودماء مصرية عزيزة ، وانهما اختارا طريق تقديم الرجاءات واعلان الضمانات الكافية والمطمئنة لشرعية الرئيس مرسى ، وضمان استمرار هذه الشرعية فى حكم مصر ، وذلك اذعانا لحكم صندوق الانتخابات ،  بعد ان صعّدا معارضتهما الى حد المطالبة بمقاطعة الاستفتاء وحشد عشرات الالاف فى شوارع وساحات مصر لأسقاط الدستور المعروض للأستفتاء ، وجاء هذا الموقف الجديد من اجل ان يتراجع الرئيس مرسى عن هذا المشروع الذى ادى الى انقسام الشعب المصرى بشكل لم تشهده مصر من قبل ، انقسام عمودى شامل.

                   جماعات الاسلام السياسى ليسوا بالسذاجة التى يظنها الكثيرون ، وحالة الارتباك التى صنعوها بقراراتهم الرئاسية كانت فى تقديرى مقصودة كى تعمى العيون عن اجندتهم الرئيسية المتمثلة فى الدستور الذى فاجأوا بعرضه للأستفتاء بعض اعضاء جمعيته التأسيسية لا من حيث التوقيت فحسب بل من حيث بعض مواده التى لم يتم حولها اتفاق بعد ، ومواد اخرى مضافة من خلف بعض الاعضاء حسب تصريحات د. وحيد عبد المجيد عضو الجمعية التأسيسية للدستور، مما يعنى ان المسرح السياسى فى مصر كان يدار طوال الفترة التى اعقبت فوز د. مرسى بخلق حالات من الارتباك لتمرر من خلالها اجندة سرعان ما تصبح امرا واقعا لا فكاك منه .

                   الارتباك ، هذا الآلية الجديدة فى التكتيك السياسى التى اتبعها تيار الاسلام السياسى على الصعيد السياسى والقانونى ونجحت فى اخضاع المعارضة المصرية فى معظم اطيافها للأمتثال الى ما انتجته من واقع ، سواء فى القبول على مبدأ الذهاب الى صناديق الاقتراع للأستفتاء على دستور مختلف حوله ، اوالقبول بأجراءات العملية الانتخابية حول الاستفتاء بكل علاتها التى عكستها الطعون التى بلغت الآلاف ، فالارتباك هذا يبدو الآلية الناجعة التى سيسعى لأستخدامها عند اعلان النتيجة اذا قدر للمرحلة الثانية ان تتم يوم غد لتمرير الدستور بكامل مواده .

                   من  هنا يبدو ان كلا من البرادعى وحمدين صباحى قد اكتشفا متأخرين الفخ الذى وقعا فيه مع بقية قوى المعارضة المتمترسة حول موقفها الرافض للدستور، وبدا جليا ان مصر مع حالة الانقسام القائمة فيها والتى بدت ملامح صداماتها تنذر بفوضى الله وحده يعلم مداها ، ومع نذر الازمات الاقتصادية التى بدأت تطل برأسها ،على موعد مع صدام كبير بين شعب معبأ بعضه ضد بعضه الى حد الدماء والقتل والحريق والدمار ، كما شهدنا طيلة الايام الفائتة ، واسوأ ما يمكن ان يتصوره المرء فى هذا الصدام ، ان تستنهض فيه كل مؤسسات الدولة التى تأسست بنياتها على مدى اكثر من قرنين من الزمان على اساس دولة مدنية ، ومعبأة بضراوة للحفاظ على هذه البنية ، وخاضت تجاربا عنيفة مع التيار الاسلامى اضرت كثيرا بوجه مصر فى مجال الحقوق والعدالة ، ان اسوأ ما يمكن ان يتصوره المرء ان يصبح  عنف الشارع المصرى مسنودا بما استطاع من مؤسسات الدولة ، هو الفيصل فى الحسم ، لهذا اراد كل من الدكتور محمد البرادعى وحمدين صباحى بخطابهما المتراجع وموقفهما المتراجع من الاستفتاء على الدستور ان يبرأ من تبعات ما ينتجه من عنف ، و يحضرنى هنا ما قاله مبدع الثورة المصرية عباس الاسوانى فى لقاء مع احدى القنوات المصرية ان الثورة استنفدت الحلول السياسية والقانونية ولم يبق الا الشارع .

                    مصر الآن فى حاجة الى فعل او قرار يحمى الشارع المصرى مما ينتظره ، فلم يعد للحوار جدوى .

                 

مشاركة مميزة

  مفارقات الردع وأوهام الحماية: كيف تعيد حرب الطاقة هندسة تحالفات المنطقة؟ بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني  ​1. المفارقة الحوثية: ع...