الجمعة، 6 يناير 2012

دولة الجوهر ودولة الخلافة


                   أثار رأى المرشد العام للأخوان المسلمين بمصر حول اقتراب الجماعة من تحقيق خلافة اسلامية ، الكثير من الجدل والمخاوف فى اوساط النخب السياسية والدينية والفكرية ، ليس فى مصر فحسب وانما على امتداد العالم العربى والاسلامى الذى لا يخلو بلد فيه من فرع لهذا التنظيم الذى اتخذ بعدا عالميا ، وجمع بين صفوفه صفوة من مختلف فئات المجتمعات العربية والاسلامية ، ونجح فى توفير مصادر تمويل مبهرة ، وبدا فى واجهة العالم العربى والاسلامى ، القوة الأفضل تنظيما وتماسكا ، والأكثر اثارة للمخاوف لدى الانظمة الحاكمة والقوى السياسية المنافسة وقطاعات مقدرة داخل المجتمعات تخشى من مشاريع هذه الجماعة ان تؤثر على نمط حياتها الذى الفته عقودا طويلة ، فضلا عما عانته من مشاريع سابقة ضيّقت على حريّاتها وحقوقها ، فكان لابد لرأى مرشد الاخوان المسلمين فى مصر ان يثير من الجدل والمخاوف الكثير خاصة مع مظاهر الانبعاث الاسلامى السياسى التى طغت على فضاءات العالم العربى والاسلامى خلال السنوات الفائتة وصعود بعضها الى السلطة فى اكثر من بلد وتناغمها المعلن مع هذا المشروع - دولة الخلافة- بكل محموله التأريخى المعلوم .

                  ومشروع دولة الخلافة كمشروع وحدوى تأريخى وليس دينى ، يقوم على نسق الاتحاد الاوروبى او الفيدرالية الامريكية او على نسق تجارب اخرى سبقتنا عليها شعوب الارض كما صححت بعض قيادات الجماعة فكرة المرشد ، لا يخيف احدا بل يبدو مشروعا جاذبا ومطلوبا بشدة ، ولكن الصبغة الدينية التى تضفيه عليه قيادة الاخوان المسلمين والتى تبدو واضحة سواء من خلال رأى المرشد العام للجماعة فى مصر او من خلال امانى واشواق منتسبيها على امتداد العالم ، ومن خلال جماعات اخرى مشغوفة بدولة الخلافة فى اكثر صورها اشراقا على عهد الراشدين ، لن تصمد معها فكرة التصحيح التى قالت بها بعض قيادات الجماعة فى مصر ، فقيام دولة جوهرية ذات معالم اسلامية واضحة جاذبة لبقية الدول ، هى اهم شروط قيام هذا المشروع ، وهنا تكمن المعضلة الكبرى ، لأن المشروع ستتم صياغته وفقا لفكر الاخوان المسلمين وسيأتى فى مجمله اقصائيا للآخر الاسلامى .

                  فى الفصل السادس من كتاب ( صراع الحضارات ) لصمويل هنتجتون الطبعة الاولى 2006  - دار الامل للنشر والتوزيع جاء فى صفحة 169 ما يلى :
( ان السياسات العالمية بعد ان حفزتها حركة التعصير، يجرى اعادة تركيبها الآن لتكون منسجمة مع الخطوط الثقافية . فتتقرب الشعوب والدول ذات الثقافات المتشابهة لتجتمع معا . بينما تتباعد الشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة فتفترق . فالتكتلات التى حددتها العلاقات بالايدلوجية وبالقوة العظمى تنهار فتخلى السبيل لقيام تكتلات تحددها الثقافة والحضارة . ويجرى اعادة رسم الحدود السياسية على نحو يزداد يوما بعد يوم لتتلاءم مع الحدود الثقافية : العرقية والدينية والحضاراتية . وتحل التجمعات الثقافية الآن محل كتل الحرب الباردة ، وتصير خطوط الصدع بين الحضارات اكثر فأكثر هى الخطوط المحورية للصراع فى السياسات العالمية . )

                    كان الاستشهاد ( بهنتجتون ) ضروريا لأن طرحه الوارد بمؤلفه (صراع الحضارات) يشهد يوما بعد الآخر تطبيقا عمليا على ارض الواقع خاصة فيما يتعلق بأعادة رسم الحدود السياسية على نحو يزداد يوما بعد يوم ، ولكن الملاحظة البارزة فى هذا الطرح تناوله للأسلام فى اطار رؤى حركات الاسلام السياسي بالقدر الذى يبدو فيه اقرب الى دعاية محفزة لهذه الحركات لملء الفراغ القائم نتيجة لغياب نظام عربى اسلامى ، فأستشهاده بالدكتور حسن الترابى زعيم الحركة الاسلامية فى السودان فى اكثر من موضع فيه دلالة واضحة لميل قوى لأفكاره ينحى منحى التحريض له للمضى قدما فى مشروعه حتى وان كان متصادما مع واقع معقد ، ومع احترامى للدكتور الترابى ، الا ان الظاهرة البارزة ليس فى السودان وحسب وانما فى جميع انحاء الوطن العربى والاسلامى ، انسياق حركات الاسلام السياسى وراء هذا الطرح بقناعة تامة ، كانت حصيلتها فى السودان ، انفصال جنوب السودان لأختلافاته الثقافية : العرقية والدينية والذى صادف ايضا هوى واستجابة مذهلة لدى الجنوبيين بالقدر الذى بلغت فيه نسبة المؤيدين للوحدة فى استفتاء نزيه وشفاف اقلّ من 2% كأنما اعادة رسم الحدود السياسية مشروعا كلّفت به هذه الحركات ، وما يهمنى هنا ،ان الاخوان المسلمين فى مصر امام محك اشدّ خطورة من ذلك الذى واجهه رصفاؤهم فى السودان ، فالمضى قدما فى مشروع دولة الجوهر سيقود بالضرورة الى خروج الاقباط من هذه الدولة ، خاصة فى ظل الهجمات التى يتعرضون لها بين الحين والحين من متطرفين اسلاميين ، ولكن وبحكم وجودهم التاريخى السابق للأسلام ، سيكون خروجهم بأرض مصرية ، يعنى خريطة جديدة لمصر ، فهل يمتلك الاخوان المسلمون فى مصر القدرة على الخوض فى هذا المشروع بتبعاته الثقيلة هذه ؟

الثلاثاء، 3 يناير 2012

القدال : بيّنات زائفة


                   د. محمد سعيد القدال اكاديمى معروف ، عمل محاضرا بالجامعات السودانية والعربية ، وهو باحث فى التاريخ ومؤرخ له عدة مؤلفات فى تأريخ السودان الحديث ، وهذا الوصف يبدو كافيا بأن يضفى على اطروحاته التى تناولت احداثا ووقائعا وشخصيات معيّنة فى تأريخنا ، سمة علمية هدفها البحث بتجرد عن الحقائق الغائبة عن تلك الاحداث والوقائع والشخصيات ،

                   فى مؤلفه ( تأريخ السودان الحديث 1820 - 1955 ) وفى معرض حديثه عن الخلافات التى نشبت داخل جمعية الاتحاد السودانى السرية قال ص 311 ( واتخذ الخلاف اشكال ومظاهر مختلفة ، وبينما كان ذلك الخلاف محتدما ، تناهى الى اعضاء الجمعية ان المخابرات اخترقت صفوفها فكانت تلك الضربة القاضية التى ادت الى حلها ، ويقال ان سليمان كشة هو الذى افشى اسرارها مما دفع الشاعر توفيق صالح جبريل الى هجائه قائلا :-
                      
                               سليمان كان بديع الزمان    معانيه ساحرة ساخرة
                              هوى لا يعى ببساط الرياح  وحطّم مرآته الساحرة
                              فباع الضمير بفلس(لولس)   الا اين ذمتك الطاهرة
(وولس هو مديرالمخابرات) انتهى 

                 اذن نحن هنا امام حقيقة مثيرة  قدمها باحث واكاديمى ومؤرخ شديد الاعتزاز بقدرة منهجه فى اكتشاف الحقائق الغائبة ، واستنادا عليه فقد وصل الى حقيقة ان سليمان كشة هو الذى افشى اسرار جمعية الاتحاد السودانى السرية فى عشرينات القرن العشرين لمخابرات الادارة البريطانية التى ادارت شئون السودان فى ظل الحكم الثنائى فى الفترة من 1898 وحتى تأريخ استقلاله فى 1956 ، وان افشائه لأسرار هذه الجمعية ادى الى حلها ، وبنى طرحه هذا على بيّنتين ، الاولى اقاويل مجهولة النسب والثانية ابيات شعرية منسوبة للشاعر توفيق صالح جبريل الذى اجمع الباحثون فى تأريخ تلك الفترة ، انه احد الخمسة المؤسسين لجمعية الاتحاد السودانى السرية ومن بينهم سليمان كشة .

                ولمناقشة هذا الطرح يصطدم المرء فى اوّله بأسئلة محيّرة ابرزها ، كيف تسنى له ان يأخذ بأقاويل مجهولة النسب كحقيقة مسلم بها ويبنى عليها اتهاما شنيعا لرجل ظلّ محل ثقة ومصدرا اساسيا لباحثين كبار امثال البروفيسور محمد عمر بشير والدكتور جعفر محمد على بخيت والبروفيسور احمد ابراهيم دياب والباحثة اليابانية د. يوشيكو كوريتا بخلفيتها الماركسية وغيرهم ممن تناولوا تاريخ تلك الفترة ؟ ما الذى منعه وهو الباحث فى التاريخ ان يخضع هذه الاقاويل لمطارق بحث صارمة بما توفر له من مراجع بحكم موقعه الاكاديمى ليجلى مصادرها ومدى ما تتحلى به من مصداقية ثم مقاربة ما جاءت به مع وقائع واحداث تلك الفترة ونشاط سليمان كشة داخلها للوصول الى صحة تقاريرها من عدمه ، بأختصار ان يجعل منها موضوعا للبحث ، هذا فيما يختص بالبيّنة الاولى .

                اما البينة الثانية ، فهى ابيات الشعر المنسوبة لتوفيق صالح جبريل والواردة بديوانه (افق وشفق) والذى قامت دار الوثائق المركزية بتحقيقه ونشره ، والابيات ضمن قصيدة بعنوان (كش ملك) وردت بالديوان ص 86 كما يلى :-

                               سليمان كان بديع الزمان      معانيه ساحرة ساخرة
                  هوى لا يعى ببساط الرياح    وحطّم مرآته الساحرة
                 ترامت به عاصفات الشجون   وجافته دنياه  والآخرة
                 رتعنا معا فى ازدهار الشباب   وفلك الامانى بنا ماخرة
                 ففارقنا فى ضلال بعيد          وسارت سفينتنا زاخرة
                 بمن كانوا يبتغون الحياة        ونالوا هديتها الفاخرة
                 فباع الضمير بفلس(لولس)    الا اين ذمتك الطاهرة
                 لجأنا اى الله لما بغى          وقتنا عنايته الساهرة
                 معان لها لمعان ماضى        تلألىء آياته الباهرة
                                25\4\1955
هامش(1) للقطعة ثلاث نسخ خطية ورد فى نسخة منها قول الشاعر : من نافذة الفناء .

                 وما يهمنى هنا هذه القفزة التى نقلنا بها د. محمد سعيد القدال من البيت الثانى مسقطا اربعة ابيات ليصل الى بيت القصيد (فباع الضمير بفلس (لولس) ...الخ ، فهذه القفزة تشى بنوايا متلهفة للأتهام ، يعزز هذا القول اصراره على تكرار هذا الاتهام فى مقدمته التى سطّرها للباحثة اليابانية د. يوشيكو كوريتا فى مؤلفها ( على عبد اللطيف - بحث فى مصادر الثورة السودانية ) ثم فى مقال له بجريدة الصحافة العدد (4124) بتاريخ 24 نوفمبر 2004 تحت عنوان ( ثورة 1924 بعيون يابانية ) (2\2) ، وبالرغم من اتهامه بعدم موثوقية سليمان كشة كمرجع ، الا ان الباحثة اليابانية د. يوشيكوكوريتا بنهجها الماركسى الذى يعتزبه د. محمد سعيد القدال لم تأخذ بهذا الاتهام لا فى مؤلفها المشار اليه اعلاه ولا عقب صدوره ، اذ انه وبمعرفتى المتواضعة للمنهج الماركسى من خلال الذين اعتمدوا عليه فى اطروحاتهم امثال حسين مروة ومحمد اركون وغيرهم ، يقتضى ان مثل هذا الاتهام يستوجب البحث عن حقيقته داخل هذه الابيات وداخل الاسماء التى وردت بها وداخل الديوان الذى نشرت به وعلى وجه خاص داخل مقدمته وداخل عالم سليمان كشة وعلى وجه الخصوص علاقته بتوفيق صالح جبريل .

               فقد ذكر محققا هذا الديوان ص 14 تحت عنوان جانبى (اسلوب التحقيق) ما يلى :
(وتزيدعدد مسودات القصيدة الواحدة منها فى اكثر الحالات على ثلاث نسخ والواضح فى كل المسودات والمخطوطات محاولة تصنيف الشاعر لأعماله توطئة لنشرها ، فأبياته مذيّلة فى الغالب بتوقيعه والتأريخ ومكان النظم بالاضافة الى ترقيم الابيات ) وفى هامش ص 86 حيث وردت ابيات قصيدة (كش ملك) محل الاتهام ، اشارا ان للقطعة ثلاث نسخ خطيّة ورد فى نسخة منها قول الشاعر( من نافذة الفناء) وما يبعث على الحيرة والتسآؤل هنا ، لماذا تخلى المحققان عن اسلوبهما الذى اتبعاه فى احاطة القارىء بالأسم الثلاثى للمقصود فى الابيات حينما يرد اسمه الاول فقط او لقبه كما بيّنا ذلك فى ص 16 حتى يعلم القارىء ان المقصود بسليمان فى هذه الابيات هو سليمان كشة وان المقصود بالمرآة هى مجلته (مرآة السودان) التى اصدرها فى العام 1933 ، وعما اذا كانت النسخ الثلاثة لهذه الابيات ضمن النسخ المزيلة بتوقيعه وخطه ام خلافه ؟ اذ ان هذه القصيدة تبدو لى من اخطر قصائد الديوان لما تحمله من تهمة خطيرة لا تطعن فى شخص سليمان كشة فحسب وانما فى شخص توفيق صالح جبريل ايضا ، فضلا عن تصادم معطياتها مع حقائق معلومة اهمها :-
1- ان (ولس) بعد تخرجه من جامعة اكسفورد فى العام 1904 عمل بالسودان فى الفترة من 1905 وحتى 1914 فى وظيفة ادارية بكل من مديرية كردفان والبحر الاحمر ، ثم شغل منصب مدير المخابرات بالانابة فى الفترة من 1914 وحتى 1919 ثم مديرا للمخابرات فى الفترة من 1919 وحتى 1926 تأريخ انتهاء خدمته بالسودان ( راجع د.جعفر محمد على بخيت فى الادارة البريطانية والحركةالوطنية فى السودان 1919-1939 ) .
         
             فلنبحث فى ظل هذه المعلومة عن الحقائق التى يمكن ان تربط علاقة سليمان كشة (بولس) هذا للدرجة التى تدفعه لبيع ضميره له : -
            الحقيقة الاولى ، ان سليمان كشة بعد استشهاد والده فى معركة كررى ، تكفل به خاله حاج محمود المكى سر تجار مدينة (ودمدنى) آنذاك وعمه ابو فاطمة باكاش التاجر المعروف بكل من سواكن وبورتسودان ، وانه عقب تخرجه انخرط فى العمل التجارى حتى عد فى عام 1919 من اثرياء السودان حسب ماورد فى (رواد الفكر السودانى) لمحجوب عمر باشرى وفى موسوعة البروفيسور عون الشريف قاسم (تأريخ القبائل والانساب فى السودان) ، اى انه لم يكن فى حاجة الى فلوس (ولس) ليبيع ضميره .
      
           الحقيقة الثانية ، ان سليمان كشة وتوفيق صالح جبريل من ضمن الخمسة المؤسسين لجمعية الاتحاد السودانى السرية ،ولم يسبق ان ورد من اى من هؤلاء المؤسسين ما يشير الى اتهام احدهم للآخر بافشاء اسرار الجمعية ، بل ان د. جعفر محمد على بخيت اشار فى مؤلفه (الادارة البريطانية والحركة الوطنية فى السودان 1919- 1939 ) انه تسلم من سليمان كشة وتوفيق صالح جبريل بعض الوثائق والمستندات الخاصة بجمعية الاتحادالسودانى السرية ) كما ان توفيق صالح جبريل على وجه الخصوص كان الوحيد من بينهم الذى تكاد افاداته حول تلك الفترة فى حكم الندرة ان لم يكن العدم ، ولم يسبق ان تسربت منه اى معلومات حتى فى اكثر ايام الدهليز هياما وحزنا وعزلة ، وان اقوى اسباب الغموض التى احاطت بتأريخ تلك الفترة يعزى فى تقديرى الى تكتم اعضاء هذه الجمعية لأسرارها ، فهم اشبه بمغارات سرية لا مداخل لها ولا مخارج منها .

              الحقيقة الثالثة ان مجلة (مرآة السودان) اصدرها سليمان كشة لأول مرة فى 1933 اى فى تأريخ لاحق لتأريخ نهاية خدمة (ولس) بالسودان ، وهى فى حقيقتها مجلة ناطقة بأسم الجمعية وممولة عن طريقها ،

              والحقيقة الرابعة ان توفيق صالح جبريل قال فى قصيدته المعنونة (رجاء الى اخوانى الشعراء والغاوين) والواردة بذات الديوان ص 16 ، حينما عزم جمع قصائده لأصدارها فى ديوان :

                ان ضاع شعرى (فالمبارك) مرشدى   و(نجيلة) والشاعر ابن رجائى
           لولم ينر (منير)  مبعث ضوئه                 يأتى بنور كالبريق فجائى
           واذا نسيت (فكشة) يدنى المدى          و(الازهرى) الناضر الارجاء
الى آخر القصيدة المحتشدة بأسماء عدة ، وفى الهامش بذات الصفحة ذكر المحققان تعريفا كاملا بالآسماء الواردة بين القوسين فى الابيات ، ومن ضمنهم سليمان كشة المعنى فى البيت الثالث ، فكيف يستقيم ان يأتمن الشاعر توفيق صالح جبريل على ذاكرته من يصفه ببائع الضمير لمخابرات الادارة البريطانية بالسودان ؟ ليس هذا فحسب بل ويمده بقصائده لنشرها بالمجلة ، ففى 21\11\1956 نشر له سليمان كشة بذات المجلة تحت عنوان الى الشهيد عبيد حاج الامين قصيدة منها هذه الابيات :

                    جاهدت لا مثير ما تخشى الردى     وظللت تعمل والانام هجود
                    وأرتك اكتاف الخلود مجاهدا          ما بينى وبينك يا (عبيد) بعيد
ثم ينشر له فى 11\11\1957 قصيدة (شهران سهران ) حينما كان طريحا بمستشفى الخرطوم جاء فيها :

                    طال ليلى برح الالم    وبرانى السهد والسقم
            يا رعى البر الرحيم(اخا)    تؤامين اخت بره عم
           وفتى جلّت مواهبه        مفرد فى طبعه علم
           واخلاء لطلعتهم           يتوارى الداء والسأم
           اين سمار الضحى اجفو   وندامى الكأس اين هم
           ان نأوا والداء يعبث بى   لأدنو والعفو منسجم
  وكل هذه القصائد تأتى فى تاريخ لاحق لتأريخ قصيدة (كش ملك) محل الاتهام ، فأذا كان قد فات على المحققين الانتباه لتصادم مضمونها مع كل هذه الحقائق واهملوا لسبب اولآخر الوقوف والتأنى لتمحيصها والتأكد من صحة نسبتها للشاعر خاصة وان الديوان كان قد تنقل فى رحلة ليست بالقصيرة من يد لآخرى حتى وصل الى دار الوثائق المركزية من لجنة النشر بوزارة الارشاد آنذاك ، فكيف فات على د. محمد سعيد القدال ان يقف ولو قليلا عند هذا التصادم العنيف بين مضمون قصيدة (كش ملك) وهذه الحقائق قبل ان يصدر اتهامه لسليمان كشة ، او على الأقل النظر اليها من خلال بيت الشعر القائل:

                 وهب قلت ان هذا الصبح ليل       ايعمى العالمون عن الضياء
لا شك عندى ان البّينات التى اعتمد عليها د.محمد سعيد القدال فى اتهامه لسليمان كشة بافشاء اسرار جمعية الاتحاد السودانى لمخابرات الادارة البريطانية بالسودان بيّنات زائفة ، وان تلهفه لأصدار هذا الاتهام دون تمحيص او دراسة يثير كثيرا من الأسئلة حول مصداقية اطروحاته حول تأريخ هذه الحقبة مع مثل هذا الحكم المتعجّل ليس فى حق سليمان كشة كأحد المصادر الموثوق بها فى تأريخنا فحسب وانما فى حكمه الغريب القائل بحل جمعية الاتحاد السودانى السرية بناء على افشائه اسرارها للمخابرات دون ان يقدم ما يثبت صحة ادعائه هذا ، اخشى ان يكون تأريخنا قد تعرّض فى كتابته لمثل هذه الاحكام الجائرة التى تتخذ من ابيات شعر اشبه بحجر العصفورين حين يسقط من يد صياد خائب دليلا على صدق اقاويل مغرضة ، فقصيدة (كش ملك) تبدوشبهة الدس فيها اقوى من ان تكون صادرة من شاعر رافق المتهم رحلة طويلة فى النضال من اجل التحرر .

السبت، 24 ديسمبر 2011

عيون كونداليزا رايس


                 هل كانت نبوءة ام كانت قراءة دقيقة متأنية لواقعنا العربى ؟ اهي مؤامرة تمت حبكتها ببراعة متناهية وحان اخراج فصولها الدامية مع الربيع العربى ام كانت تحذيرا صادقا مثل شجرات زرقاء اليمامة ؟ الأسئلة لا تنتهى حول ما يجرى فى الشارع العربى الآن ، وحول ما سيجرى فى مقبل ايامه ، حين تأخذها مصحوبة بخيارات كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة التى خيّرت المنطقة ، بين مشروع الشرق الاوسط الكبير او الفوضى الخلاقة ، ولأننا الآن نعيش فى زمن تمسك الفوضى فيه بتلابيب اهم شوارع المنطقة ، وتلوح اياديها فى الآفاق لتمسك بأخرى يظنها اصحابها والكثيرون عصيّة على الفوضى ، فأن السؤال الأهم والأكثر الحاحا هو اننا ادركنا الآن من اين تخرج الفوضى  لتأكل اكتافنا وادركنا مكامنها المتعددة وعجز حيلتنا تجاهها ، فمن اين نمسك بخيوطها الخلاّقة لنختصر طريق الدماء والدمار الذى نخوض فيه الآن ؟

                  مشروع الشرق الاوسط الكبير ليس خيطا وانما خريطة بعيون خارجية تبين مواقع التصادم مع مصالحها القائمة بالمنطقة ، او مواقع التلاقى مع تلك المصالح ، والحصافة تقتضى ألا يكون رفضه او قبوله مشروعا لمواجهة الازمة القائمة بالمنطقة ، فالأزمة بالمنطقة لها جذورها التأريخية القائمة فى صراعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ زمان بعيد ، ولها تأثيراتها السالبة ليس على السلم والامن الدوليين فحسب وانما على انسانها المسحوق تحت وطأة انظمة واستراتيجيات وايديولوجيات طالما اتخذت منه وقودا لمشاريعها بطابعها الاقصائى ، الحصافة تقتضى قبل ان ننظر لهذا المشروع المطروح بديلا للفوضى التى نعيشها الآن والموعودون بها فى مقبل الايام ، ان ننظر لبنية واقعنا بكل تعقيداتها وتناقضاتها ونبحث عن مدى قدرتنا على التعايش معها فى ظل الاطر السياسية القائمة دون ان يكلفنا هذا التعايش اشكال القمع والحروب والمجازر التى صارت سمة فى تأريخنا على مر العصور ، ثم ننظر بعد ذلك ما يمكن ان يتيحه لنا هذا المشروع من امكانيات لجعل الحياة داخل هذه الاطر مستقرة و آمنة وكريمة  .

                    عيون المصالح هى التى رأت بها كونداليزا رايس اعاصير الفوضى التى خرجت فى معظمها من ثنيات المنطقة واطبقت عليها ، والمصالح لا تتغير بتغير من قال بها بل هى تمضى قدما يوما بعد يوم خصما على ارصدة كثيرة فى المنطقة ، فعيون المصالح هى التى صعدت بحذب النور السلفى المصرى الى المركز الثانى فى الانتخابات وهى التى رأى بها  فرص قبوله الواسعة على الصعيد الاقليمى والدولى حينما اجرى مقابلته مع اذاعة الجيش الاسرائيلى واعلن قبوله بالاتفاقيات المبرمة مع اسرائيل ، ويبدو انها ماضية لتدفع المنطقة لتكون تحت قبضة ممثلى هذه الاتجاهات التى اكتشفت فى المصالح قوة اكبر من المبادىء والشعارات التى اغرقت المنطقة فى الخصومات والكراهية والاقصاء .

                    ان اكثر الكلمات تداولا فى عالم اليوم هى كلمة (مشاركة) وتبدو مفتاحا رئيسا لفهم المعايير التى تحكم طبيعة التعاطى الناجح مع المشاريع المطروحة فى عصرنا الراهن ، فلنبنى عليها موقفا جديدا يمكننا بألا نرفض المشروع كله او نقبله كله وانما نبحث لنا عن منفذ فيه يتيح لنا فرصة مشاركة تجنبنا المخاطر الناتجة من عنت الرفض ، بمعنى آخر ، ان تكون شريكا افضل من ان تكون عدوا ، بمعنى اكثر دقة ، كلما اتسعت ارضية المشاركة فى حياتك السياسية والاجتماعية والاقتصادية كلما اتسعت دائرة امانك وفوائدك ، وليس هنالك من حل سوي الديمقراطية .

الخميس، 15 ديسمبر 2011

العراق : فرح وخوف


                 اوفت ادارة اوباما بألتزامها امام ناخبيها بأنهاء احتلال العراق ، وطوت بذلك صفحة سوداء فى تأريخ سياستها الخارجية هزّت كثيرا من المبادىء والمعايير التى حكمت امان العالم عقب الحرب العالمية الثانية ، واشعلت كل مخاوف الشعوب من ان يصير شطط القوة ، آلية وحيدة لحل الخلافات ، فهو حدث يبدو فى تقديرى علامة مميزة فى تأريخ السياسة الخارجية الامريكية وفى تأريخ التواجد العسكرى الامريكى بالخارج ، فبأستثناء فيتنام ، فأن الوجود العسكرى الامريكى فى بعض انحاء العالم ، مضى على انتشاره اكثر من نصف قرن من الزمان ، ولا يلوح فى الافق ما يشير الى اعادته ، وكوريا الجنوبية خير مثال ، لذا يبدو انهاء هذا الوجود بالعراق رغم ظروفه الداخلية المضطربة وظروفه المحيطة به والتى لا تقل اضطرابا ، نقلة نوعية مذهلة فى السياسة الامريكية .

                 لاشك ان فرحة معظم العراقيين بهذا الحدث الكبير ، لا تضاهيها سوى فرحة اسر الجنود الامريكيين بعودة ابنائهم سالمين الى ديارهم ، وربما فرحة آخرين من دول الجوار كأيران وسوريا اللذين شكّل الوجود العسكرى الامريكى بالعراق تهديدا مباشرا لهم ، الا انه وبالمقابل هزّ انهاء الوجود العسكرى بالعراق امان اطراف عراقية بدت بعده قوة ضعيفة و مكشوفة امام خطر السطوة الطائفية والعرقية والمذهبية ، كما هزّ من جانب آخر امان دول الجوار الخليجى بعد ان كان يمثّل لها درعا واقيا من مخاوفها الناتجة من احتمالية التمدد الايرانى بكل محموله التأريخى والمذهبى .

                   وفى ملتقى الفرح والخوف هذا ، يصبح العقل السياسى الحاكم فى العراق محاصرا بتحديات كبيرة ، لا مخرج منها فى تقديرى سوى ان تقف السلطة الحاكمة فى العراق ايا كانت توجهاتها ، على مسافة واحدة من مجمل مكونات العراق ، وعلى مسافة واحدة مع دول الجوار ، وهى مسألة لا تكلفها سوى مد حبال الثقة داخليا وخارجيا وتوفير ضماناتها اللازمة ، فالنهج السياسى الحصيف يبدو احيانا اقوى من كل الجيوش واكثر قدرة على حماية استقرار الوطن ومحيطه الاقليمى ، وهو الدور الذى ينتظر ان تلعبه بجدارة .

السبت، 10 ديسمبر 2011

اسير فى زى رئيس


                   الادارة الامريكية اخذت اقوال ( الرئيس ) بشار الاسد التى ادلى بها لقناة (ايه بى سى ) وفقا للمعايير التى تأخذ بها اقوال رئيس قائم فى دولة مؤسسات محكومة بدستور كلمته هى الفصل ، او اقوال رئيس ديكتاتور فرد ممسك بكل مفاصل الدولة كلمته هى الفصل ، او اقوال ملك مطلق الصلاحيات ، بمجرد ان يصدر اى منهم قرارا يصبح واجب التنفيذ ، بينما فى الواقع ، ان تركيبة بعض انظمة المنطقة ومن بينها النظام السورى ، تتسم بقدر كبير من التعقيد بحيث يصعب معها ادراك مواقع القوة الحقيقية الممسكة بالسلطة من وراء الكواليس .

                  والمتابع لتصريحات بشار الاسد منذ اتجاهات النظام نحو الاصلاح التى برزت فى 2005 مرورا باغتيال رفيق الحريرى ، خاصة تلك التى اعقبت ردة فعله الاولى لعملية الاغتيال ، وتصريحاته التى اطلقها فى 24\3\2011 والتى جاءت واضحة ومباشرة للأجهزة الامنية وعلى الهواء مباشرة ، وقضت بأطلاق سراح المعتقلين وعدم اطلاق النار على المتظاهرين ، يكتشف ان الرجل يقف فى صف الحق والاصلاح ، ولكن القوة النافذة فى سوريا ، تعقب دائما تصريحاته ومواقفه بفعل مضاد تماما لما نادى به وأمل فيه الكثيرون ، وتجبره للتراجع لاحقا ،ولم يعد الامر يحتاج الى كبير عناء ليدرك المرء ، ان الرجل مجرد من اى صلاحيات ، وانه لم يكن ومنذ توليه رئاسة هذا البلد سوى واجهة جذابة تختفى وراءها عصابة شديدة القسوة ، وتحوّل الآن الى مجرد اسير فى زى رئيس .

                   ثمة قوة نافذة فى سوريا رابضة خلف الكواليس منذ عقود اربعة ، لم يستطع والده ان يفعل تجاهها شيئا رغم ان بصمتها كانت واضحة فى مقتل ابنه باسل الذى اعده لخلافته ، هذه القوة النافذة هى التى دفعت عبد الحليم خدام احد رموز النظام للهروب بجلده ، وهى التى دفعت الآن بشار الاسد ان يقول ما قاله لقناة (ايه بى سى) وهو قول يبدو فى تقديرى اشبه بصرخة استغاثة ، منذرة بأن هذه القوة النافذة تعد لفعل رهيب اكثر فداحة مما شهدناه على ارض سوريا على وشك الوقوع  ، وكأنه يستجدى العالم لفعل شىء لأيقافها .

                 

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

الكويت : هدم المرجعيات


                فى الكويت مرجعيتان يشكلان جوهر هذه الأمارة الفريدة فى الخليج ، المرجعية الاولى هى بلا شك عائلة الصباح ، العائلة التى تحظى فى النظام العشائرى الابوى الذى يحكم الخليج ، بتقدير واحترام خاص على الصعيد العربى التوّاق للحريات السياسية وعلى صعيد العالم الحر ، وذلك لأيمانها المبكر بضرورة حق الشعب الكويتى فى صنع القرار ، وبحقه فى ابداء الرأى والتعبير والتنظيم ، وبالتالى ايمانها من دون كل العائلات المالكة فى الخليج ، بجدوى الديمقراطية نظاما امثلا للحكم ، وتمسكها به رغم الهجمات المستمرة التى ظلّت تستهدفها من الداخل الكويتى والخارج المحيط بها .

                 والمرجعية الثانية ، هى النظام الديمقراطى القائم فى الكويت ، فهو وان كان يبدو فى نظر البعض داخل وخارج الكويت ، لم يرق بعد لمستوى من الكمال يقارب النظم الديمقراطية القائمة فى العالم ، الا انه استطاع ان يجنّب الشعب الكويتى مخازى العيش فى نفق القمع الاسود الذى اقامته معظم الانظمة العربية لشعوبها ، واتاح لمجمل مكوناته حق التنظيم والتعبير والمشاركة بما فى ذلك حركات الاسلام السياسي التى تتصدر واجهة الاحداث الآن ، بينما كان رصفائها فى البلاد الاخرى ضيوفا دائمين على السجون والمنافى والمخابى .

                 والازمة القائمة الآن فى الكويت ايا كانت اسبابها ، تمضى فيما يبدو فى طريق يقود مباشرة الى هدم مرجعياتها ، فالربط المحكم بين ادارة عائلة الصباح لشئون الكويت والاخفاقات الناتجة عن هذه الادارة سواء على صعيد اجهزة الدولة او على صعيد الممارسة السياسية ،  تؤدى بأستمرار الى المس بالنظام السياسى حتى اصبح حل البرلمان الظاهرة الأكثر بروزا فى الحياة السياسية بالكويت ، واصبحت الازمة تبعا لذلك قائمة داخل اساليب ادارة العائلة الحاكمة من جهة واساليب الممارسة السياسية داخل البرلمان من جهة اخرى مما يعنى ان كلا المرجعيتين باتتا الآن فى خطر من تطاول هذه الازمة .

                 فالعائلة المالكة تبدو فى خلفية المشهد الكويتى ، اقوى الاحذاب ، ولكنه حذب تستقوى بعض اطرافه فى الصراع العائلى حول السلطة ببعض اطراف الطيف السياسى الكويتى ، اى ان اهم مرجعية فى الكويت اصبحت مطروحة فى السوق السياسى ، الامر الذى ادى الى ان يصبح البرلمان فى تعاطيه مع القضايا المطروحة فى ظل هذا الصراع العائلى ، اشبه بتعاطى الناس فى سوق شعبى يصل التنافس بينهم الى حد العراك بالايدى ، واصبح البرلمان المرجعية الثانية فى ظل هذه الممارسات وفى ظل قرارات الحل المستمر ، نظاما عاطلا عن معالجة الازمة ، او مجرد ديكور ، اى ان اعلى مرجعيتين بالكويت تقفان الآن عاطلتان  امام ازمة ازمنت ولا مناص من  ان تتحرك المرجعيتان من حالة الجمود والتكلّس التى احاطت بمنظومتيهما الى منطلق اصلاحى يسعى الى تطوير الأسس الدستورية لكلا المرجعيتين بما يخدم استقرار النظام لسياسى بالكويت ويحمى المرجعيتين من مآلات الهدم فى ظل الاوضاع العربية الماثلة .

                  المشهد السياسى القائم الآن فى الكويت ، يعكس شكلا فظا من اشكال الجحود لنعمة غبط كثير من العرب ابناء الكويت عليها طوال عقود من الزمن ، فليحمد الكويتيون الله على حظوتهم بعائلة مالكة مؤمنة بالديمقراطية وقادرة على مواكبة تطوراتها وبنظام ديمقراطى  قابل للتطور لتلبية احتياجات الكويت السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

البحث عن مصر


                  مصر فى المخيلة العربية ، مشروع دولة حديثة بدأ مع محمد على باشا ويقف الآن على اعتاب حذب النور السلفى ، الحذب الذى اربك حسابات الكثيرين وعلى وجه الخصوص حسابات الاخوان المسلمين بعد ان حصل على الترتيب الثانى فى الانتخابات ،  فأين اختفت مصر التى نعرفها ؟ مصر الازهر الشريف والبابا شنودة ، مصر جوائزنوبل ، مصر السينما والمسرح وسعاد حسنى ، مصر الشعر والقصة ونجيب محفوظ ، مصر ام كلثوم وعبد الحليم حافظ ومصر عبد الباسط عبد الصمد الذى طالما اشعل غيرة المغنيين .

                   هل كانت صورة مصر بكل جمالها ومبدعيها وحياتها التى جسّدتها فى السينما والمسرح وآلاف الكتب والمجلات ، هى الصورة الحقيقية الغالبة على ارضها ام كانت هذه الصورة مجرد واجهة براقة لدولة يخيّم على شوارعها الخلفية الظلام ؟

                   حجة القمع الممتدة منذ منتصف القرن الماضى التى يرى فيها البعض المنتج الرئيس لهذا التراجع الذى اصاب مشروعها الحداثى ، يدحضها الآن صعود الاخوان المسلمين الذين سجلوا حضورا دائما فى سجون مصر على امتداد تلك الفترة ، و كافحوا كفاحا حقيقيا من اجل مشروعهم ، بينما المشروع الحداثى ترك قائما تحت ظل قوة السلطة وبطشها ، وحينما فسدت السلطة وآلت الى السقوط لم يجد قوة جاهزة فى المجتمع المدنى المصرى تسنده ، والى ان يحظى بذلك السند ، تبدو حالة التراجع هى المرجحة فى ظل النظام الديمقراطى القائم ، ولن تفلح وعود الاخوان المسلمين بالحفاظ على حرية وسلامة الفضاء العام لمصر ولو حرصوا على ذلك ، خاصة فى ظل بروز منافس لهم كحذب النور يجيد دغدغة وجدان المجتمعات التى تعانى من الأميّة والفقر واستلابها دينيا بشكل يتصادم ليس مع الواقع المصرى الحالى فحسب وانما مع اى مشروع اسلامى مختلف   ، اضافة لمصادره المالية  الملحوظة وغير الملحوظة التى تتيح له فى ظل ظروف مصر الحالية حرية حركة اوسع من غيره من القوى السياسية .

                   من الواضح ان التيارات الاسلامية فى صعود مستمر ، وستطغى صورتهم على مصر بحيث لن يبقى من وجهها الراسخ فى الوجدان سوى جيشها الذى تتناوشه الآن بعض قوى الثورة المصرية التى يرجى ان تدرك ، انه آخر ما تبقى من اعمدة الدولة القادرة على حماية فضاء مصر من اى تغوّل .

                  

مشاركة مميزة

بقلم محمد أيوب فضل الله احمد  مع جيميني                     غدا يحتفل العالم باليوم العالمي للقانون، وتأتي هذه الذكرى ومعظم شعوب العالم قد ع...