بقلم محمد أيوب فضل الله احمد
مع جيميني
تشهد الساحة السياسية والإعلامية حالة شديدة من التوتر والجدل الحاد بالتزامن مع انتخابات التجديد النصفي الأمريكية (Midterms)، خاصة مع تسليط الضوء على التصريحات المثيرة للجدل التي بثها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون بشأن احتمالية إقدام إدارة دونالد ترامب على توجيه ضربة نووية ضد إيران.
تحليل مدى واقعية هذه المعلومات، وأبعاد العقل السياسي الغربي، وتأثير الأسلحة التكتيكية، يتلخص في النقاط التالية:
أولاً:
مدى حقيقة وواقعية ادعاءات "الضربة النووية"
طبيعة التصريحات والهدف الإعلامي/السياسي:
تصريحات تاكر كارلسون جاءت في إطار تحذيري وتكهني ضمن معركة النفوذ السياسي وصياغة الرأي العام قبل الانتخابات مباشرة، ولم تُسند إلى أي وثائق رسمية أو تسريبات مؤكدة من داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
غالبية المحللين والعسكريين يعتبرون هذه الادعاءات غير واقعية وعالية المبالغة؛ إذ تُستخدم في الغالب كأداة ضغط سياسي وحشد انتخابي للتهويل من كلفة الحروب والسياسات الخارجية.
العقيدة العسكرية الأمريكية وضوابط استخدام النووي:
على الرغم من أن رئيس الولايات المتحدة يمتلك صلاحية استخدام السلاح النووي (Nuclear Command Authority)، إلا أن استخدام النووي مصمم لعقيدة الردع المتبادل أو مواجهة خطورة وجودية مباشرة تستهدف الأراضي الأمريكية أو حلفاءها بأسلحة دمار شامل مماثلة.
إقدام واشنطن على ضربة نووية استباقية ضد دولة لا تمتلك ترسانة نووية مؤكدة ومفعلة كإيران سيكسر حظر الاستخدام النووي الممتد منذ عام 1945، وهو خط أحمر تدرك الإدارات الأمريكية آثاره المدمِرة.
ثانياً:
هل يغمض "العقل السياسي الغربي" عينيه عن هذه المخاطر؟
العقل المؤسسي والعسكري في الولايات المتحدة والدول الغربية (Pentagon, NSC, NATO) لا يتخذ قرارات بهذا الحجم بناءً على رغبات شخصية، بل يعمل ضمن حسابات دقيقة للمخاطر:
التداعيات الإقليمية والكارثية:
أي ضربة نووية في الشرق الأوسط تتجاوز جغرافيا إيران لتطال دول الخليج العربي والشرق الأوسط بأكمله بآثار إشعاعية وبيئية وتلوث للمياه والأنشطة الاقتصادية، فضلاً عن انهيار أسواق الطاقة العالمية.
رد الفعل الإيراني والإقليمي:
تدرك مؤسسات القرار الغربي أن استخدام السلاح النووي سيدفع إيران وحلفاءها لإشعال حرب شاملة تستهدف القواعد الأمريكية، الملاحة في مضيق هرمز، والبنية التحتية للحلفاء، مما يخرج الصراع كلياً عن السيطرة.
العزلة الدولية وفقدان الشرعية:
استخدام النووي يحول واشنطن إلى دولة منبوذة دولياً، ويفكك تحالفاتها مع الدول الأوروبية والإقليمية، ويفتح الباب أمام دول أخرى (مثل روسيا أو الصين) لإعادة تقييم حواجز استخدام أسلحتها النووية.
ثالثاً:
هل يمكن حصر أخطار "الأسلحة النووية التكتيكية" جغرافياً؟
تُثار كثيراً فكرة استخدام الأسلحة النووية التكتيكية (Tactical Nuclear Weapons) – وهي أسلحة مصممة بقدرة تفجيرية أقل ومخصصة لضرب أهداف عسكرية محددة (مثل المنشآت الحصينة تحت الأرض):
القدرة العسكرية:
تكتيكياً، تستطيع هذه الأسلحة تدمير أهداف شديدة التحصين (كالمفاعلات والمنشآت الكائنة تحت الجبال).
وهم "الحصر الجغرافي":
الغبار الإشعاعي (Fallout):
على الرغم من انخفاض القوة التفجيرية مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية، إلا أن الغبار الإشعاعي يعتمد كلياً على سرعة الاتجاه والرياح والعوامل الجوية، مما يعني إمكانية انتقال التلوث الإشعاعي إلى دول الخليج والمناطق المجاورة.
التصعيد العسكري (Escalation Ladder): الخطر الأكبر ليس في الانفجار ذاته فقط، بل في انهيار "الخط الأحمر النووي". بمجرد استخدام أول سلاح نووي تكتيكي، ينعدم الضابط الذي يمنع ردود الفعل المتسلسلة والتصعيد الشامل.
خلاصة التقييم
الواقعية:
احتمال تنفيذ ضربة نووية أمريكية على إيران في الوقت الحالي منخفض للغاية ومستبعد عمليةً، وما أثاره تاكر كارلسون يندرج ضمن التهويل الإعلامي والاستقطاب الانتخابي.
العقل السياسي:
المؤسسات الغربية والعسكرية لا تسمح بتجاوز هذا الخط لما يترتب عليه من استهداف مباشر للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة والعالم.
الأسلحة التكتيكية:
لا توجد ضمانات تقنية أو بيئية قادرة على "حصر" الآثار السياسية والأمنية والإشعاعية لاستخدام السلاح النووي التكتيكي ضمن حدود جغرافية ضيقة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق