الثلاثاء، 10 فبراير 2026

دارفور؛ هندسة الديموغرافيا وصراع الاجندات العابرة للحدود


دارفور: هندسة الديموغرافيا وصراع الأجندات العابرة للحدود

اعد هذا المقال محمد أيوب فضل الله احمد بمساعدة جيميني لإعادة هيكلة الرؤية السياسية للأزمة. 

ما إن يشرع المرء في البحث عن حقائق التغيير الديموغرافي في السودان، حتى يصاب بصدمة جراء الهوة الواسعة بين العناوين السياسية البراقة وواقع الحال المرير. إن ما يجري في إقليم دارفور ليس مجرد نزاع حدودي أو قبلي، بل هو عملية إعادة صياغة شاملة للخارطة البشرية، تتقاطع فيها أطماع القوى الداخلية مع أجندات إقليمية ودولية وجدت في الحرب الحالية غطاءها الأمثل.


مأساة المساليت: من أقصى الغرب إلى تخوم الشرق

تجسد ولاية القضارف اليوم فصلاً مؤلماً من فصول هذه المأساة؛ حيث تشير المصادر إلى وجود كثافة سكانية عالية من "المساليت" (تصل إلى تسع عموديات) يعملون في المشاريع الزراعية هناك. هذا الوجود في أقصى الحدود الشرقية يحكي قصة "اقتلاع" قسري من أقصى الحدود الغربية. إنها عملية تهجير مدمرة تكشف توحش الأطراف التي تسعى لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحلال "تموضع جديد" يخدم القوى المسيطرة.


البعد الجيوسياسي: الهواجس الأمنية الكبرى

لا يمكن قراءة ما يحدث بمعزل عن المخاوف الدولية القديمة. فمنذ أحداث 11 سبتمبر، برزت فرضية أمنية (سبق وطُرحت للنقاش في منابر إعلامية دولية كـ BBC) تشير إلى قلق أمريكي من تشكل "جيب راديكالي" في سواحل أفريقيا الغربية المطلة على الأطلسي. ووفقاً لهذا الطرح، فإن تدفق مجموعات "عرب الشتات" نحو السودان تحت إغراء المنهوبات، قد يمثل في جوهره "تهجيراً عكسياً" غير مباشر لتأمين تلك السواحل عبر سحب العناصر المقاتلة نحو العمق الأفريقي وإشغالها في حروب استنزافية.


في المقابل، تظهر فرنسا كلاعب لا يغمض عينه عن السودان منذ حادثة فاشودة (1898). واليوم، لا تخفي باريس اهتمامها بتحييد العناصر التي تهدد مصالحها في مناطق استعمارها القديم، مما يجعلها طرفاً ضالعاً في الترتيبات التي تجري في دارفور لضمان بقاء المنطقة تحت السيطرة.


غياب "المصدّ الوطني": الدور الداخلي المفقود

لكن، ورغم كثافة الأدوار الخارجية (تشاد، ليبيا، إسرائيل، والإمارات)، يبقى السؤال الجوهري: لماذا نجحت هذه الأجندات؟ إن الحقيقة المرة هي أن "الأطراف الداخلية" السودانية وفرت البيئة المثالية لهذا التدخل. فاستخدام دارفور كأداة لتغيير نظام الحكم أو الاستيلاء على السلطة المركزية، حوّل الإقليم إلى "منصة انطلاق" بدلاً من أن يكون جزءاً من كيان وطني محصن. لقد انتهت مهمة القوى الداخلية بإشعال الشرارة، لتتسع النيران لاحقاً وفقاً لأجندات الخارج التي تسعى لتحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.


الخاتمة

إن الحرب في دارفور، بتعقيداتها الديموغرافية والسياسية، قد بلغت سقفاً تجاوز قدرة النظام العالمي على الاحتواء. إنها صرخة في وجه التغيير القسري الذي يحاول طمس هوية الأرض بسلاح الخارج وتواطؤ أو عجز الداخل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...