الأربعاء، 1 أبريل 2026

أوروبا هدف خفي في الحرب على ايران

   

​كمين الطاقة: الحرب على إيران وتفكيك الحبل السري بين أوروبا وروسيا

​بقلم: محمد أيوب فضل الله أحمد

مغ جيميني 

​             لم تكن الحرب الحالية على إيران، في جوهرها العميق، مجرد صراع إقليمي للسيطرة على طموحات طهران النووية أو نفوذها الممتد، بل هي في الحقيقة "كمين طاقي" محكم نُصب بعناية لقطع الطريق على أي تقارب "أوراسي" مستقبلي. إن ما نشهده اليوم من تصعيد في مضيق هرمز وتهديد بقطع الشرايين الطاقية عن القارة العجوز، ليس إلا الفصل الأخير من حرب باردة خفية بدأت ملامحها تتشكل بوضوح إبان حقبة "دونالد رامسفيلد" و"ديك شيني"؛ تلك الحقبة التي أرست قواعد إخضاع الحليف الأوروبي عبر التحكم في مصادر عيشه.

​                  لقد قامت العلاقة بين أوروبا وروسيا تاريخياً على "رابطة عضوية" فرضتها الجغرافيا قبل السياسة؛ فالتكنولوجيا الأوروبية كانت دوماً في حالة تزاوج كاثوليكي مع الموارد الطبيعية الروسية. هذا التزاوج هو الكابوس الذي طالما أرّق الإستراتيجية الأمريكية "الأطلسية"، لأنه ببساطة يعني خروج أوروبا من تحت عباءة التبعية لواشنطن وتحولها إلى قطب مستقل.

​جينات الصراع.. من إرث "رامسفيلد" إلى مقصلة "ترامب"

                ​لا يمكن فهم الهجوم الأمريكي الشرس على استقلالية القرار الأوروبي اليوم دون العودة إلى مطلع الألفية، وتحديداً إلى حقبة الثنائي دونالد رامسفيلد وديك شيني. في ذلك الوقت، لم يكن غزو العراق مجرد نزهة عسكرية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "القرن الأمريكي الجديد" الذي لا يقبل الشراكة، حتى مع الحلفاء التاريخيين. لقد صاغ رامسفيلد آنذاك مصطلح "أوروبا القديمة" (فرنسا وألمانيا) ليصم الدول التي رفضت الانصياع الأعمى لمغامرات واشنطن.

​اليوم، يكمل دونالد ترامب هذا المسار، ولكن بلغة "التاجر" الذي لا يؤمن بالدبلوماسية الناعمة. إذا كان رامسفيلد قد حاول عزل أوروبا سياسياً، فإن ترامب يعمل على "خنقها" اقتصادياً. الحرب الحالية على إيران، وتهديد ممرات الملاحة في الخليج، ليست في نظره مجرد مواجهة مع خصم عقائدي، بل هي "رافعة إستراتيجية" (Leverage) لإجبار أوروبا على دفع فاتورة الحماية، أو التحول قسراً نحو الغاز المسال الأمريكي.

​بتر "نورد ستريم": الجراحة القيصرية لإنهاء العصر العضوي

                 ​إذا كانت السياسة هي فن الممكن، فإن الجيوسياسة في المنظور الأمريكي هي "فن فرض المستحيل" عبر تغيير الواقع المادي. لم يكن تفجير خطوط أنابيب "نورد ستريم" في أعماق بحر البلطيق مجرد عملية تخريبية، بل كان "قراراً استراتيجياً بالبتر". كان الهدف إنهاء العلاقة العضوية التي ربطت الماكينة الصناعية الألمانية بموارد روسيا لعقود.

​                   في سياق خطاب ترامب الحالي، يكتمل هذا المشهد؛ فبعد تدمير الجسور المادية مع روسيا، يتم الآن تدمير الجسور البديلة مع إيران والخليج عبر التصعيد العسكري. والنتيجة هي تحويل القارة الأوروبية من شريك يبحث عن التوازن إلى "جزيرة طاقية معزولة" لا تجد أمامها سوى استجداء الغاز الصخري الأمريكي المسال. وبذلك، تحولت "سوسيولوجيا الكسرة" هنا من مفهوم معنوي إلى واقع مادي ملموس في شكل أنابيب محطمة واقتصادات ترتعش تحت وطأة التبعية.

​إيران كمنصة لتأديب الحليف الأوروبي

                    ​إذا كانت المدافع تدوّي في سماء طهران، فإن أصداء انفجاراتها تتردد في ردهات المصانع الألمانية ومحطات الطاقة الفرنسية. في عقيدة "أمريكا أولاً"، لا تُخاض الحروب فقط لهزيمة الأعداء، بل لإعادة صياغة سلوك الحلفاء. فمنذ اللحظة التي صرّح فيها ترامب ببرود أن على أوروبا "تدبير نفطها بنفسها"، وهو يدرك تماماً أنها لا تملك البدائل، بدأت ملامح "تجفيف المنابع" المتعمدة تظهر للعيان.

                الحرب تضمن بقاء أسعار الطاقة مرتفعة عالمياً، مما يضرب تنافسية الصناعات الأوروبية الثقيلة في مقتل أمام المنتج الأمريكي الذي يتمتع بطاقة محلية رخيصة. إنها عملية "تأميم" لأمن الطاقة الأوروبي وجعله رهينة في يد البيت الأبيض، حيث تُجبر أوروبا على دفع ثمن حرب لم تختارها.

​حتمية الجغرافيا: هل ينتصر المسار العضوي؟

​                  رغم كل محاولات "البتر الإستراتيجي"، تظل هناك حقيقة صلبة: حتمية الجغرافيا. العلاقة بين أوروبا وروسيا ليست خياراً سياسياً عابراً، بل هي ضرورة وجودية. فبينما يئن الاقتصاد الأوروبي تحت وطأة التكاليف الباهظة، يدرك الجميع أن "الاستقلال" الذي وعدت به واشنطن ليس سوى "تبعية مكلفة".

              ان إغلاق إيران لمضيق هرمز كشف هشاشة البدائل الغربية، وعزز من فكرة أن الأنابيب الثابتة والمستقرة مع الشرق هي الحل الوحيد للبقاء. هذا الانجذاب الطبيعي بين الكتلتين هو ما قد يجبر العواصم الأوروبية، عاجلاً أم آجلاً، على البحث عن "مخارج تقنية" لإعادة تشغيل ما تبقى من جسور التعاون مع روسيا، تجاوزاً للفيتو الأمريكي.

​خاتمة: سوسيولوجيا الانكسار والتحول العالمي

                  ​إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد "أزمة طاقة"، بل هو مخاض ولادة نظام عالمي جديد. لقد استخدمت واشنطن مِشرط الجيوسياسة لإحداث "كسرة" في المسار الطبيعي للتطور الأوراسي. لكن التاريخ يعلمنا أن "سوسيولوجيا الكسرة" ليست نهاية المطاف؛ فإذا استمر ترامب في معاملة حلفائه كزبائن مقهورين، فإنه يخاطر بدفعهم نحو "تمرد جيوسياسي" صامت.

​لقد كشفت الحرب على إيران أن "أمن الطاقة الأوروبي" لا يمكن أن يُصنع في واشنطن، وأن الحبل السري مع الشرق، مهما تعرض للبتر، سيظل هو الخيار الوحيد لقارة ترفض الانتحار من أجل طموحات "الإمبراطورية" البعيدة.

مشاركة مميزة

اسرار الخلاص

                    الأسئلة لا تستطيع ان تغطى مجاهيل هذى المخاضة ، لا جدوى من سؤال او اجابة فى حضرة ذاكرة محتلة بالعشق ، ذاكرة كل نوافذها...